السبت 31 أكتوبر 2026

هرمز.. معادلة الشرق الأوسط الجديدة

لم يعد ما يجري في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإسـ..رائيل وإيران، بل صراعاً مفتوحاً على إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية، والتحكم في الممرات البحرية ومصادر الطاقة، ومستقبل النفوذ الإيراني. والأخطر أن العمليات العسكرية باتت متداخلة مع الضغوط الاقتصادية والحصار البحري والمساومات السياسية، ما يُبقي احتمالات الحرب قائمة حتى مع استمرار الاتصالات الدبلوماسية.

هرمز: ورقة الضغط الكبرى

مضيق هرمز ليس مجرد ممر لتصدير النفط، بل إحدى أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي؛ إذ يمر عبره في الظروف الطبيعية نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط. والتوصيف الدقيق لما يجري فيه ليس «إغلاقاً ليومين»، بل تعطّل واسع للملاحة التجارية الطبيعية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، مع مرور محدود للسفن وفق ترتيبات أمنية متنازع عليها.

وفي 30 أكتوبر، أعلنت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني تعرض ثلاث ناقلات نفط للاشتعال والانفجار أثناء عبورها المضيق، بدعوى استخدام مسارات غير مصرح بها، فيما تحدثت تقارير بحرية عن حوادث وهجمات أخرى، دون إمكان التحقق المستقل من جميع الروايات.

الخطورة هنا أن إيران لا تحتاج إلى إغلاق كامل للمضيق لتحقيق أهدافها؛ يكفي أن تجعل الملاحة محفوفة بالمخاطر، وترفع تكاليف التأمين والشحن، وتدفع شركات النقل والطاقة إلى تجنب المنطقة. بذلك يتحول هرمز إلى ورقة ضغط استراتيجية في مواجهة واشنطن، لا مجرد ساحة مواجهة بحرية.

ثلاثة سيناريوهات

الأول: استئناف المواجهة العسكرية الواسعة وهو احتمال جدي إذا فشلت الوساطات القطرية والتركية والباكستانية في التوصل إلى تسوية بشأن البرنامج النووي الإيراني، وفتح المضيق، ورفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية. تشير التطورات الأمريكية إلى أن واشنطن لا تكتفي بالضغط الدبلوماسي؛ فقد تلقى الرئيس دونالد ترامب إحاطة عسكرية بشأن فاعلية الحصار وخيارات التعامل مع إيران، بالتزامن مع الاستعداد لاحتمال استئناف العمليات بعد انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر. كما يعكس إرسال نائب الرئيس جي دي فانس رسالة إلى المسؤول الأمني الإيراني محسن رضائي محاولة أخيرة لفتح نافذة تفاوضية قبل العودة إلى المواجهة.

الثاني: استمرار الاستنزاف والضغط المتبادل، فقد يكون الأكثر ترجيحاً في المدى القريب إذا لم تنجح المفاوضات ولم تصدر واشنطن قراراً بالعودة إلى الحرب الواسعة، فWashington تستطيع مواصلة الحصار البحري والضغط الاقتصادي، بينما تستطيع طهران استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات البحرية واستهداف المصالح المرتبطة بالوجود الأمريكي. لا حرب شاملة بالضرورة، لكن المنطقة تبقى في مواجهة أمنية واقتصادية مستمرة.

الثالث: تسوية مؤقتة لا تنهي الصراع، وقد تنجح الوساطات في اتفاق مرحلي لإعادة فتح المضيق وتخفيف الحصار، مقابل تفاهمات بشأن البرنامج النووي. لكن ذلك لن يعني إنهاء الصراع الاستراتيجي؛ فأسباب المواجهة أعمق من الملف النووي، وتشمل النفوذ الإيراني الإقليمي، وأمن إسرائيل، والوجود العسكري الأمريكي، ومستقبل التوازنات في الخليج والشرق الأوسط.

الانتخابات الإسرائيلية: دلالات و متغيرات غير حاسمة، حيث تكتسب نتائج الانتخابات الإسرائيلية النهائية أهمية خاصة لأنها جاءت وسط تحديات أمنية وإقليمية متشابكة، فوفق النتائج المعلنة والنهائية فقد حصل معسكر بنيامين نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 للمعسكر المنافس بقيادة غادي آيزنكوت، فيما حصلت القوائم العربية على 19 مقعداً، رم مسارعة نتنياهو و حلفائه للتشكيك بنتائج القوائم العربية و انها دعمت من جهة خارجية لقطع الطريق امام ايزنكوت وشركائهم من التحالف مع القوائم العربية؛ برغم ان هذه النتائج لا تمنح نتنياهو أغلبية برلمانية مستقرة، إذ يتطلب تشكيل الحكومة 61 مقعداً، ما يفتح المشهد على مفاوضات ائتلافية معقدة.

ويمكن تلخيص ثلاث دلالات تبرز هنا: نتنياهو لم يحصل على تفويض سياسي حاسم؛ والملف الأمني سيبقى عاملاً مركزياً في تشكيل الحكومة، وقد يوظف التهديد الإيراني لتعزيز موقفه؛ وعدم الاستقرار الحكومي لا يعني بالضرورة تراجع التصعيد، فقد تدفع حسابات سياسية بعض الأطراف إلى التشدد وأخرى إلى تجنب حرب طويلة ومكلفة، لكن الانتخابات الأمريكية في 3 نوفمبر قد تكون أكثر تأثيراً في توقيت القرار الأمريكي بشأن استئناف العمليات، لذا لا ينبغي قراءة الانتخابات الإسرائيلية بمعزل عن الحسابات في تل أبيب وواشنطن.

تداعيات تتجاوز إيران وإسرائيل

الخليج والسعودية: تضع التطورات دول الخليج أمام تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة، مع احتمالات استهداف المنشآت النفطية والموانئ ومحطات الطاقة والممرات البحرية، و وتدرك الرياض أن استمرار الحرب أو تجددها يهدد أمنها الاقتصادي والاستراتيجي، لذا تبدو الدبلوماسية الإقليمية ومنع اتساع المواجهة مصلحة سعودية أساسية، دون التخلي عن متطلبات الردع والدفاع الوطني.

اليمن والبحر الأحمر وباب المندب: يمثل اليمن إحدى أخطر ساحات امتداد المواجهة؛ لأن ارتباط الحوثيين بإيران يمنح طهران مجالاً إضافياً للضغط على المصالح السعودية والملاحة الدولية. وإذا تجددت الحرب الواسعة، ستتزايد أهمية البحر الأحمر وباب المندب، سواء عبر التهديدات الحوثية أو توظيف الجغرافيا اليمنية في الصراع، ما قد يعيد اليمن إلى موقع الجبهة المؤثرة في الحسابات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية، لا مجرد ساحة نزاع داخلي.

مصر وقناة السويس: تتأثر مصر مباشرة بأي اضطراب طويل في هرمز والبحر الأحمر؛ بسبب انعكاساته على أسعار الطاقة والتجارة الدولية وحركة السفن وإيرادات قناة السويس. واتساع المواجهة قد يضع أمن الملاحة في البحر الأحمر أمام تحديات إضافية، ما يجعل استقرار اليمن والبحر الأحمر مصلحة استراتيجية مصرية وعربية مشتركة.

الاقتصاد العالمي والطاقة: استمرار تعطل الملاحة في هرمز يهدد إمدادات النفط والغاز، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة. والأهم أن استخدام الممرات البحرية سلاحاً في الصراع قد يدفع القوى الدولية إلى إعادة النظر في ترتيبات أمن الطاقة والملاحة، بما يتجاوز حدود المواجهة الحالية.

إلى أين تتجه المنطقة في ظل حقيقة استراتيجية ينبغي الانتباه إليها من ان الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان منع إيران من استعادة قدرتها على تهديد أمن المنطقة، بينما تريد طهران إثبات أن تكلفة إخضاعها مرتفعة، وأنها ما زالت تمتلك أوراقاً مؤثرة في أمن الطاقة والملاحة والمصالح الأمريكية. لكن استمرار الحرب يحمل مخاطر تتجاوز قدرة أي طرف على التحكم الكامل في نتائجها.

حيث تبرز هنا معضلة واشنطن، فهل تستطيع فرض شروطها عبر الحصار والضغط العسكري دون الانزلاق إلى حرب طويلة؟ وفي المقابل، هل تستطيع طهران مواصلة استخدام هرمز ورقة ضغط دون تعريض ما تبقى من اقتصادها وبنيتها التحتية لمزيد من التدمير؟ أما إسرائيل، فإن نتائج انتخاباتها غير الحاسمة تجعل مستقبل الحكومة والائتلافات جزءاً من معادلة القرار الأمني والعسكري.

والخلاصة ان المنطقة لم تصل بعد إلى نهاية الحرب، بل إلى مرحلة إعادة ترتيب أدوات المواجهة وشروط التفاوض. وأرجح استمرار التصعيد المحدود والضغط البحري والعسكري في المدى القريب، مع بقاء احتمال استئناف الضربات الأمريكية والإسرائيلية الواسعة قائماً، خصوصاً إذا فشلت الوساطات قبل الانتخابات الأمريكية في 3 نوفمبر.

لكن استئناف الحرب لن يكون بالضرورة تكراراً للجولات السابقة؛ فقد يستهدف فرض معادلة استراتيجية جديدة على إيران تشمل برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية ونفوذها الإقليمي، مقابل سعي طهران إلى توسيع كلفة المواجهة لتشمل أمن الطاقة والملاحة الدولية.

الخلاصة أن مضيق هرمز أصبح مركز الثقل في هذه المواجهة، والانتخابات الإسرائيلية والأمريكية جزءاً من حساباتها السياسية، بينما يبقى اليمن والبحر الأحمر وباب المندب من أبرز الساحات المرشحة للتأثر بأي تصعيد جديد. ومن ثم، لم يعد السؤال فقط: هل ستندلع جولة جديدة من الحرب؟ بل: هل تنجح واشنطن في إعادة تشكيل التوازن الإقليمي دون حرب مفتوحة، أم يدفع تعثر المفاوضات المنطقة إلى مواجهة أوسع تعيد رسم خريطة النفوذ والتحالفات؟