عبد السلام المقداد.. من وجاهة النسب والانتماء إلى وجاهة العلم والقيمة والإنسانية

في الفرز الاجتماعي التقليدي، ثمة مراتب عرفية قد تطغى أحيانا على تصنيف الإنسان، فتقيسه بالانتماء الاثني أو القبلي، لا بالمعيار القيمي الذي حث عليه الدين الإسلامي، وتفرض نمطا من الوجاهة الاجتماعية المختلة، غير المتكافئة، التي لا تستند بالضرورة إلى فضل حقيقي أو استحقاق موضوعي.
ومثل هذه المراتبية الوجاهية المتكلسة تظل، في الميزان العلمي، صفرا لا يضيف شيئا، وفي المعيار القيمي لا تمنح صاحبها فضلا لمجرد أنه ينتمي إلى هذا الأصل أو ذاك؛ إذ لا معنى للإنسان في الميزان الإلهي إلا بما يحمله من تقوى وقيم وعمل صالح.
صحيح أن معايير الوجاهة تبدلت في زماننا، واتجه بعضها نحو النزوع المادي، وتشكّل تبعا للسائد البرجماتي النفعي، غير أن ثمة وجاهة أخرى أكثر رسوخا وأبقى أثرا: وجاهة العلم، ووجاهة الخلق، ونبالة السلوك. وحين تجتمع هذه كلها مع أصالة الانتماء، فإن الأمر يصبح شرفا فوق شرف، وسموا فوق سمو؛ لأن الإنسان لا يعلو بأصله وانتمائه وحدهما، وإنما بما يضيفه إلى ذلك الأصل من علم وقيمة وإنسانية.
وهذا ما جسده، بصدق واقتدار، الأستاذ الدكتور عبد السلام محمد محسن المقداد، أستاذ أمراض الباطنية والكبد بكلية الطب في جامعة ذمار؛ شخصية اجتمع فيها الانتماء الأصيل مع التكوين العلمي الرفيع، واجتمعت فيها الزعامة الاجتماعية بمعناها النبيل مع التواضع الإنساني، وتحولت فيها المكانة إلى مسؤولية، والعلم إلى رسالة، والطب إلى فعل إنساني قبل أن يكون مهنة.
ولد الدكتور عبد السلام المقداد في 21 أغسطس 1966م، في محل علول من عزلة دمام بمديرية جبل الشرق، آنس، محافظة ذمار.
وهو متزوج وله ثلاثة أبناء؛ أكبرهم أكاديمي في تخصص المحاسبة، فيما اختار الابنان الآخران طريق الطب، فالتحقا بكلية الطب البشري، وهما على وشك التخرج، ليواصلا مسيرة والدهما في مداواة الناس وخدمتهم، ويسيرا على الدرب الذي شقه والدهما منذ وقت مبكر.
ولعل من اللافت في سيرة الدكتور عبد السلام أن الأب نفسه كان شخصية استثنائية تركت أثرا عميقا في تكوينه؛ فهو نجل الشيخ العلامة الحافظ والنسابة والمؤرخ محمد محسن محمد المقداد، الذي كان، إلى جانب علمه الواسع، أديبا وراوية، واسع الاطلاع على التاريخ والأنساب وأحداث اليمن والعرب.
وقد عرف عن والده، رحمه الله، الذي توفي في أكتوبر 2008م، سعة المعرفة، ودقة الملاحظة، وقوة الذاكرة، والقدرة على قراءة الأحداث واستشراف مآلاتها. ولم تكن تلك المعرفة، كما قد يتوهم البعض، من قبيل التنجيم أو العرافة، وإنما كانت، في جانب كبير منها، ثمرة اطلاع واسع على التاريخ، وخبرة بتفاصيل المجتمع، وفهم لمسارات الأحداث وتحولاتها.
ومن هذا الإرث المعرفي والأخلاقي ورث الدكتور عبد السلام شيئا من حدة الذكاء، والفراسة، والنباهة، وحب الاطلاع، ونبل الطبع، وحب الخير للآخرين؛ ليكون، في جانب من جوانب سيرته، امتدادا حسنا لوالده، وخلفا صالحا لسلف ترك أثرا واضحا في محيطه.
تلقى تعليمه الأولي في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى الحديدة، حيث أكمل دراسته النظامية، قبل أن ينتقل إلى صنعاء لإكمال المرحلة الثانوية في مدرسة ثانوية الكويت.
وكان منذ وقت مبكر مجدا في تحصيله، مثابرا على العلم، مدفوعا برغبة واضحة في تجاوز حدود البيئة التي نشأ فيها، والانفتاح على آفاق أوسع من المعرفة.
وفي عام 1985م حصل على منحة دراسية لدراسة الطب في جمهورية رومانيا، فالتحق بكلية الطب في جامعة كرايوفا، حيث أمضى سبع سنوات من الدراسة، حصل بعدها على درجة البكالوريوس في العلوم الطبية، ليعود إلى الوطن عام 1991م حاملا معه ليس الشهادة فحسب، وإنما تجربة علمية جديدة جعلته أول طبيب وأكاديمي من أسرته ومنطقته.
وعمل بعد عودته طبيبا حديث التخرج في الحديدة ومأرب، قبل أن يسافر عام 1993م إلى جمهورية مصر العربية، ويلتحق بجامعة الإسكندرية، حيث حصل على درجة الماجستير في أمراض الباطنية والكبد.
وفي عام 1998م عاد إلى اليمن، والتحق بهيئة التدريس في كلية الطب بجامعة ذمار، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته، ينتقل فيها من ممارسة الطب إلى الجمع بين الممارسة الطبية والتعليم الأكاديمي والبحث العلمي.
وفي عام 2001م ابتعث مرة أخرى إلى مصر لمواصلة دراساته العليا، وحصل عام 2007م من جامعة قناة السويس على درجة الدكتوراه في مجال أمراض الكبد والأمراض المعدية والمناظير، وكانت رسالته حول تغيرات الدم والصفائح الدموية لدى مرضى الكبد المصابين بفيروس الكبد «سي» المتلازم مع بلهارسيا الكبد.
ومنذ عودته إلى الوطن واصل مسيرته الأكاديمية والطبية في جامعة ذمار، متدرجا في الرتب الأكاديمية، ومواصلا حضوره العلمي والمهني في تخصصه.
ويعد تخصص الدكتور عبد السلام المقداد في أمراض الباطنية والكبد والأمراض المعدية من التخصصات الطبية الدقيقة التي تكتسب أهمية خاصة في اليمن، حيث الحاجة كبيرة إلى الأطباء المتخصصين القادرين على الجمع بين المعرفة الأكاديمية والممارسة السريرية والبحث العلمي.
ولم يكن الطب بالنسبة إليه، كما يبدو من سيرته وممارسته، مجرد مهنة للتكسب، وإنما ظل أقرب إلى رسالة إنسانية؛ فهو الطبيب الذي لا تنفصل مهارته المهنية عن سلوكه الإنساني، ولا يتحول المريض أمامه إلى مجرد حالة طبية، بل يظل إنسانا يحتاج إلى الرعاية قبل الدواء، وإلى الكلمة الطيبة بقدر حاجته إلى التشخيص والعلاج.
وهو، إلى جانب ذلك، معروف بتواضعه وبساطة مظهره ومعيشته، وعفويته وقربه من الناس، فلا يتعالى على أحد بسبب مكانته الأكاديمية أو المهنية، ولا يجعل من المعرفة سلطة على الآخرين. وهذه خصلة لا تقل أهمية عن الشهادة والتخصص، لأن العلم حين لا يهذبه الخلق قد يتحول إلى مجرد امتياز شخصي، بينما يتحول العلم حين يسنده التواضع إلى قيمة اجتماعية وإنسانية.
وقد شارك الدكتور المقداد في مؤتمرات طبية ودورات وورش عمل داخل اليمن وخارجه، في مجالات متعددة متصلة بالخدمات الطبية والدواء وأمراض الكبد والأمراض المعدية، ومن بينها دورة النمرا الأمريكية في مصر المتعلقة بتشخيص أمراض الكبد، بمشاركة أطباء من مصر والولايات المتحدة ودول أخرى.
كما أن له عددا من الأبحاث العلمية المنشورة التي تناولت موضوعات متصلة بأمراض الكبد والفيروسات الكبدية والأمراض المعدية، من بينها أبحاث حول الدودة الكبدية في اليمن، وانتشار جرثومة المعدة وعلاجها، والفيروسين الكبديين «بي» و«سي» في اليمن، ونزيف دوالي المعدة والمريء، إضافة إلى بحث حول تقييم اللقاح الكبدي في اليمن ومدى فاعليته، إلى جانب دراسات وأبحاث أخرى في مجال تخصصه.
ولم يتوقف عطاؤه العلمي عند البحث والتدريس والممارسة الطبية، بل امتد إلى الإشراف الأكاديمي على رسائل الدراسات العليا، ومن ذلك إشرافه على رسالة الدكتور عمر بافقيه، وهي دراسة مشتركة بين جامعة ذمار وجامعة قناة السويس المصرية، تناولت تأثير القات على الكبد في اليمن، وكذلك إشرافه على رسالة الدكتور عبد الرحمن الحيفي، وهي دراسة مشتركة بين كلية الطب بجامعة الإسكندرية وكلية الطب بجامعة ذمار، تناولت أورام الكبد وانتشارها في اليمن.
وهكذا تتبدى لنا شخصية الدكتور عبد السلام المقداد بوصفها حالة من التراكم العلمي والإنساني؛ فهو لم يكتف بما أتاحته له ظروفه الأولى، ولم يسمح للبيئة الاجتماعية المغلقة أن تكون سقفا لطموحه، بل اتخذ من العلم وسيلة لتحرير الذات، ومن التعليم طريقا لبناء الإنسان، ومن الطب مجالا لخدمة الناس.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها لم تكن طريقا معبدا بالامتيازات؛ فقد انطلق الرجل من بيئة اجتماعية شديدة المحافظة، لكنه لم يجعل منها سجنا فكريا أو سقفا لطموحه، بل خرج منها إلى فضاء أوسع، وراهن على العلم، وتزود بالمعرفة، وسافر وتعلم وتخصص، ثم عاد إلى وطنه ليضع ما تعلمه في خدمة الناس والجامعة والمهنة.
وهنا تحديدا تكمن قيمة تجربته؛ فالإنسان الذي يولد في بيئة محدودة لا يكون محكوما بالضرورة بحدودها، كما أن الانتماء إلى بيئة ذات تقاليد راسخة لا يعني الارتهان الأبدي لمقولاتها. الإنسان قادر، بالعلم والإرادة، على أن يعيد بناء ذاته، وأن يحول ما ورثه من أصالة إلى طاقة للانفتاح، وما تلقاه من قيم إلى سلوك، وما اكتسبه من معرفة إلى خدمة عامة.
ومن هنا فإن الدكتور عبد السلام المقداد يمثل نموذجا جديرا بالتأمل: رجل لم يتخل عن أصالته كي يصبح أكاديميا، ولم يجعل أصالته بديلا عن الأكاديميا؛ بل جمع بينهما في معادلة متوازنة، فكان الانتماء عنده جذرا، والعلم فضاء، والقيم ثمرة.
وإذا كانت الزعامة في بعض البيئات تقاس بالمكانة الاجتماعية أو قوة الحضور أو اتساع دائرة النفوذ، فإن الزعامة في معناها الأرقى هي القدرة على أن يكون الإنسان كبيرا دون استعلاء، مؤثرا دون ضجيج، عالما دون غرور، وقادرا على خدمة الآخرين دون انتظار مقابل.
وهذه هي النبالة التي أراها في شخصية الدكتور عبد السلام المقداد: نبالة لا تستمد قيمتها من الاسم أو النسب، وإنما من السيرة؛ ووجاهة لا تقوم على المظهر، وإنما على العلم؛ ومكانة لا يحرسها النفوذ، وإنما يحفظها احترام الناس.
إنه، في المحصلة، نموذج للإنسان الذي استطاع أن يجعل من العلم سلما للصعود، لا أداة للاستعلاء؛ ومن الطب رسالة، لا مجرد مهنة؛ ومن المكانة مسؤولية، لا امتيازا؛ ومن أصالته جسرا إلى المستقبل، لا قيدا على الحركة.
ولذلك فإن الحديث عنه لا يستقيم بوصفه استعراضا لشهادة أو تعدادا لمناصب، بقدر ما هو قراءة في تجربة إنسان استطاع أن يبني ذاته بالعلم والعمل والمثابرة، وأن يضيف إلى أصله الاجتماعي أصلا آخر أكثر رسوخا: أصل المعرفة، وأصل الخلق، وأصل الإنسانية.
فذلك، في تقديري، هو الشرف الذي لا يحتاج إلى نسب يزكيه، ولا إلى وجاهة تحرسه، ولا إلى مديح يثبته؛ لأن السيرة نفسها، حين تكون ناصعة، تصبح أبلغ من كل قول.



