القبيلة بتكات سويسرية
عانت التجربة الحزبية في اليمن من الانقسامات والصراعات في مراحل مختلفة، جراء هيمنة مراكز القوى التقليدية والتدخلات الخارجية، الأمر الذي أضعف قدرتها على بناء دولة المؤسسات. ومع ذلك، تظل الأحزاب، من حيث المبدأ، البوابة الطبيعية لبناء الدولة المدنية؛ إذ أن البديل عن العمل السياسي المنظم هو تغليب الولاءات القبلية والمناطقية والنزعات العرقية على مفهوم المواطنة وقيم الدولة المدنية. ولا تستقيم المقارنة بين القبيلة بوصفها رابطة اجتماعية، والحزب بوصفه إطاراً سياسياً يقوم على البرامج والتنافس السلمي على إدارة الدولة.
ففي الأحزاب يلتقي المواطنون من مختلف المناطق والانتماءات الاجتماعية حول برامج ورؤى تستهدف معالجة مشكلات البلاد وتحقيق تطلعاتها، بينما تتحول القبيلة، حين تتجاوز دورها الاجتماعي إلى المجال السياسي، إلى إطار تُقدَّم فيه الولاءات الضيقة على المصلحة الوطنية، بما يعيق ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
لقد قدمت الأحزاب اليمنية، في أكثر من منعطف تاريخي، رؤى ومخرجات متقدمة للإصلاح السياسي، وتصورات لبناء الدولة وتسوية الخلافات المزمنة، غير أن هيمنة القوى القبلية التقليدية والتدخلات الخارجية حالت دون تحويلها إلى واقع. ولعل وثيقة العهد والاتفاق (18 يناير 1994م)، ثم مخرجات مؤتمر الحوار الوطني (18 مارس 2013 وحتى 25 يناير 2014)، تمثلان أبرز ما أنتجته تجربة التعددية السياسية اليمنية من مشاريع وطنية لبناء الدولة.
لكننا نجد أنه كلما استطاعت طلائع قوى الحداثة والتغيير فتح نافذة للعصر، تضافرت مصالح القوى التقليدية والتدخلات الخارجية لكبح التطلعات الوطنية وإجهاض فرص التغيير، وُصمت بالخيانة، وفق المقولة الشائعة "من تحزّب خان"، وكأن الانتماء إلى أي حزب جريمة، فيما لا يُنظر إلى الولاء للشيخ أو الجماعة بالمعيار ذاته رغم ما يحيط ببعض هذه الولاءات من شبهات الارتباط بالخارج. وبذلك تُرمَّم شقوق جدار تخلفنا، ويُعاد إنتاج الفقر والجوع والصراع، فيما يستثمُر الخارج خيرات بلادنا بأريحية لا نظير لها.
وتؤكد تجارب الدول المتقدمة أن بناء الدولة لا يقوم على العصبيات القبلية والمناطقية أو الشوفينية الدينية، وإنما على مؤسسات دستورية تتيح التنافس السياسي بين الأحزاب، وعلى قدرتها على كسب ثقة المواطنين ببرامج البناء والتنمية. وفي المقابل، تصبح المجتمعات التي تخضع فيها السلطة السياسية للبنى التقليدية والولاءات الضيقة أقل قدرة على بناء مؤسسات مستقرة قادرة على تحقيق التنمية، وأكثر عرضة للانكفاء عن مسار التاريخ، بما يفتح المجال أمام القوى الخارجية لتوسيع وإدامة نفوذها.
وعلى هذا الأساس، تُدار النخب التقليدية اليمنية، في ظل تراجع الدور الطليعي للأحزاب وشيخوختها، بما يتيح استمرار الهيمنة على مقدرات البلاد وإدارة الأزمة بين الحرب واللا حرب، وإدامة الصراع وفق تكات ساعة سويسرية ضُبطت على التوقيت اليمني. إنها آلية دقيقة لإعادة إنتاج الأزمة، لا لإنهائها؛ تُكرّس سلطة الشيخ، وإن كان أميّاً، على رعيته، وتدفن بها قوى الحداثة وتنظيماتها السياسية. وتجلى ذلك بوضوح في مؤتمر القبائل اليمنية المنعقد في جنيف يوم 29 أكتوبر2026م للتوقيع على "ميثاق الشرف القبلي اليمني لحماية المدنيين"، بمآله لإعادة إنتاج مراكز النفوذ ذاتها بدلاً من إفساح المجال للمشروع الوطني الجامع.
والمخيف أن يكون قد تم حضورهم بعقلية القطيع التابع للشيخ الأممي، والتوقيع على ما تضمنه ميثاق الشرف دون مناقشة مضمونه، لإعطاء القبيلة صلاحيات مطلقة، في ظل انغماس الأحزاب، وحملة مشاعل التنوير في نقاش حول آلية التمثيل، بدلًا من مناقشة جوهر الفكرة وموقعها من مشروع الدولة المدنية. فالقضية ليست في تمثيل القبيلة فحسب، بل في طبيعة الدور الذي يُراد لها أن تؤديه، والحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها في دولة يحكمها الدستور والقانون.
إن بناء دولة مدنية قوية في اليمن لا يمكن أن يتحقق بالاعتماد على القبيلة بوصفها مرجعية سياسية، ولا بالرهان على أحزاب تحولت إلى أدوات للزعامة الشخصية والمحاصصة والولاءات الضيقة، بل عبر مؤسسات دستورية حديثة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات. ويجب أن يكون ترسيخ هذه المؤسسات وحمايتها الهدف الذي تناضل الأحزاب من أجله، بعد مراجعة تجربتها وتجديد دمائها، بل وإنشاء أحزاب ومنظمات وتكتلات مدنية جديدة، وأن تمارس القبيلة دورها الطبيعي في خدمة المجتمع تحت مظلة الدولة، لا بوصفها مركز قوة موازياً لها.



