حين تتحول السلطة إلى أداة لنهش الوطن
تحكي الأسطورة اليمنية القديمة أن فأرًا صغيرًا كان وراء انهيار سد مأرب العظيم، ذلك الصرح الهندسي الذي بناه اليمنيون قبل آلاف السنين، وحوّلوا بفضله أرضًا شبه صحراوية إلى جنات خضراء، في واحدة من أعظم الشواهد على عبقرية الإنسان اليمني وقدرته على تطويع الطبيعة وصناعة الحضارة.
وبصرف النظر عن الدقة التاريخية لهذه الرواية، التي تبقى في إطار الموروث الشعبي، فإنها تحمل رمزية عجيبة تكاد تختصر جانبًا مأساويًا من تاريخ اليمن، وخاصة تاريخه السياسي المعاصر.
فالفأر، في هذه الحكاية، لم يبنِ السد، ولم يشارك في تشييده، ولم يزرع الأرض التي ارتوت بمياهه، ولم يفكر يومًا في المحافظة على ذلك الإنجاز العظيم. كل ما فعله أنه أخذ ينخر في بنيانه، حتى أصبح ذلك الصرح الذي شُيّد بجهود أجيال عرضة للانهيار.
ولعل المفارقة المؤلمة أن اليمن، بعد آلاف السنين من قصة ذلك الفأر، ما زال يعاني من ظاهرة شبيهة، مع اختلاف الفئران وتغير أشكالها وأحجامها ومواقعها.
لقد أصبح الفأر في هذه القراءة الرمزية نموذجًا لكل مسؤول يصل إلى موقع السلطة، فيتعامل مع ما يجده أمامه باعتباره غنيمة جاهزة للاستهلاك. لا يشغله كيف نشأت الموارد، ولا كيف يمكن تنميتها، ولا كيف ستعيش الأجيال القادمة بعد نفادها. كل ما يشغله أن يأخذ أكبر قدر ممكن خلال المدة التي يستطيع فيها الوصول إلى المال والنفوذ.
إنها عقلية الاستهلاك دون إنتاج، والاستحواذ دون بناء، والانتفاع دون مسؤولية.
وحين نتأمل تاريخ اليمن السياسي خلال العقود الماضية، نجد أن هذه العقلية تمثل أحد التفسيرات المهمة لما أصاب الدولة من ضعف وتراجع، إلى جانب عوامل أخرى تتعلق بالحروب والصراعات والتدخلات الخارجية والاختلالات الاقتصادية.
فكم من مؤسسة حكومية تحولت إلى مصدر للمصالح الخاصة؟ وكم من مشروع تنموي تعثر بسبب الفساد وسوء الإدارة؟ وكم من فرصة اقتصادية ضاعت لأن من امتلك سلطة القرار كان منشغلًا بتوزيع المكاسب أكثر من انشغاله بصناعة المستقبل؟
لقد ورثت أجيال من القيادات المتعاقبة بلدًا يمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وسواحل طويلة، وأراضي زراعية، وموارد طبيعية، وإرثًا تجاريًا وحضاريًا عريقًا، والأهم من ذلك كله إنسانًا يمنيًا أثبت قدرته على الإبداع والعمل والنجاح داخل وطنه وخارجه.
ومع ذلك، ظل السؤال يتكرر: لماذا لم تتحول هذه الإمكانات إلى اقتصاد منتج ودولة مستقرة ومجتمع يتمتع بمستوى معيشة يليق بتاريخه وإمكاناته؟
الجواب لا يقتصر على نقص الموارد، فالموارد وحدها لم تصنع حضارة سبأ. لقد كانت هناك عقول تخطط، وأيدٍ تعمل، وأنظمة تدير المياه، وسلطة قادرة على تنظيم مشروع هندسي وزراعي كبير والمحافظة عليه عبر أجيال.
أما حين تتحول السلطة إلى وسيلة لاقتسام الموجود، فإن الثروة تتآكل، والمؤسسات تضعف، وتتحول الدولة تدريجيًا إلى هيكل يعيش على ما تبقى من إنجازات الماضي.
والأخطر من الفأر الذي ينخر في السد أن تتحول عملية النخر نفسها إلى نظام متكامل، حيث يحمي المنتفعون بعضهم بعضًا، ويصبح الوصول إلى الموارد أهم من تنميتها، وتتحول الوظيفة العامة إلى امتياز شخصي، ويُنظر إلى المخلص في عمله باعتباره شخصًا يعطل المصالح.
عندها لا تعود المشكلة في فساد فرد أو مسؤول بعينه، وإنما في ثقافة سياسية وإدارية تجعل استنزاف الدولة سلوكًا قابلًا للاستمرار وإعادة الإنتاج.
والنتيجة نراها اليوم في بلد تشير تقارير الأمم المتحدة لعام 2026 إلى أن أكثر من 21 مليونًا من سكانه يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، بينما انكمش اقتصاده بأكثر من النصف منذ بداية الصراع، وهي أرقام تعكس حجم الكارثة التي وصلت إليها البلاد.
والمفارقة أن اليمنيين القدماء استطاعوا تحويل السيول الموسمية، التي كان يمكن أن تكون مصدرًا للدمار، إلى مصدر للحياة والرخاء، بينما عجزت مؤسسات الدولة الحديثة في مراحل كثيرة عن تحويل الإمكانات المتاحة إلى تنمية مستدامة.
لقد عرف اليمنيون قبل آلاف السنين أن بناء السد يحتاج إلى هندسة وعلم وتنظيم وتعاون، وأن استمرار فائدته يتطلب الصيانة والمتابعة. وهذه هي الفكرة الجوهرية التي نفتقدها في جانب كبير من تجربتنا السياسية الحديثة: بناء المؤسسات والمحافظة عليها وتطويرها.
فالدولة تشبه السد؛ تحتاج إلى من يبنيها ويحمي أساساتها ويعالج شقوقها قبل أن تتسع. وحين ينشغل المسؤولون بالاستفادة من مواردها دون صيانة مؤسساتها، فإن الانهيار يصبح خطرًا متراكمًا، حتى لو بدا البناء متماسكًا من الخارج.
وإذا كانت الأسطورة قد حمّلت فأرًا صغيرًا مسؤولية انهيار سد مأرب، فإننا اليوم أمام مسؤولية بشرية وسياسية أكبر كثيرًا. فالسدود الحديثة التي يحتاجها اليمن تتمثل في مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وتعليم جيد، واقتصاد منتج، وإدارة نزيهة، ونظام يحاسب من يسيء استخدام السلطة.
ولعل أكثر ما يثير الحزن أننا نحتفي كثيرًا بأجدادنا الذين بنوا السد، ونفاخر بعبقريتهم وإنجازاتهم، بينما لا نمنح البناء والإنتاج والإبداع في حاضرنا المكانة التي يستحقونها.
إن الأمم لا تعيش على أمجاد أجدادها إلى الأبد، فالحضارة ليست ثروة موروثة تكفي للتباهي، وإنما عمل متواصل تحافظ به الأجيال على ما أنجزه السابقون، وتضيف إليه ما يجعل حياة اللاحقين أفضل.
لقد كان فأر سد مأرب، في الأسطورة، كائنًا صغيرًا ينخر في بناء عظيم، أما في واقعنا السياسي فقد أصبح الفأر رمزًا لعقلية تستطيع استهلاك إنجازات أمة كاملة دون أن تضيف إليها شيئًا.
وهنا تكمن المأساة اليمنية: لقد استطاع أجدادنا أن يبنوا سدًا صنع الحياة في الصحراء، وما زلنا نبحث عمن يستطيع بناء دولة تحمي الحياة في وطن أنهكته الصراعات.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه به اليمنيون كل من يتولى مسؤولية عامة:
هل جئت لتضيف حجرًا جديدًا إلى سد الوطن، أم لتكون فأرًا آخر ينخر في أساساته؟



