جنيف وميثاق الشرف القبلي: من التمثيل إلى المسؤولية الوطنية عن إنقاذ اليمن
بعد انعقاد مؤتمر الرياض، الذي جاء عقب انطلاق «عاصفة الحزم»، التقيت الدكتور عبدالكريم الارياني، رحمه الله، في بيروت، وكان قد وصل إليها في اليوم التالي لاختتام المؤتمر. قلت له يومها: لم أتوقع أن تشارك في مؤتمر الرياض. فأجابني: «شاركت لأنني أعلم أننا سنذهب إلى جنيف».

كان ذلك قبل انعقاد اللقاء بين المكونات اليمنية في جنيف بفترة طويلة. وقد استوقفتني إجابته لما حملته من دلالة على أن المشاركة في المؤتمرات لا تُقرأ دائما في حدود مكان انعقادها أو عنوانها المباشر، بل قد تتصل بمسارات سياسية أوسع وبما يُراد الوصول إليه في مراحل لاحقة.
وأستحضر هذه الواقعة اليوم، لا للحكم على النيات أو استباق النتائج، وإنما للتأكيد أن قيمة المؤتمرات لا تُقاس بمجرد انعقادها أو بأسماء المشاركين فيها، بل بأهدافها ومضامينها، وما تفضي إليه من خطوات عملية تسهم في معالجة الأزمات، ووقف النزيف، وفتح الطريق أمام السلام واستعادة الدولة.
وقد اطلعت على مسودة «ميثاق الشرف القبلي» الذي دُعي عدد من مشايخ اليمن إلى التوقيع عليه في جنيف وإعلانه. وبعد قراءته، أقول بوضوح: من حضر لتمثيل قيمه ومقاصده فقد مثّلني، ومثّل كل وطني مخلص، ومن وقّع عليه التزاما بمضامينه فقد وقّع عني، وأنا ملتزم بما ورد فيه من مبادئ ومسؤوليات.
فالمواقف الوطنية لا تحتكرها الأسماء، والقيم لا تصبح ملكا لأصحاب الدعوات. وما كان في مصلحة اليمن وأبنائه جديرا بالتأييد، بصرف النظر عمن تبنّاه أو تقدّم به. والعبرة ليست بمن أطلق المبادرة، بل بما تحمله من مضامين، وما تتركه من أثر، وما تفتحه من أبواب أمام الحلول.
وقد تابعت ردود الفعل المنتقدة للمؤتمر، ولاحظت أن بعضها انشغل بمن حضر ومن غاب، أكثر من انشغاله بأهداف الميثاق وبنوده، وكأن القضية صراع على المقاعد والتمثيل، لا مسؤولية وطنية تفرضها حرب تستنزف البلاد وتفتك بأبنائها.
فإذا كان لدى المنتقدين اعتراض على بند أو تحفظ على مضمون، فليطرحوه بوضوح، وليكن الاحتكام إلى النصوص والأهداف والنتائج، لا إلى حسابات الحضور والغياب أو الشعور بالإقصاء. فالمواثيق تُناقش بما تتضمنه، والمبادرات تُقيّم بما تحققه، لا بمجرد قائمة من شاركوا فيها أو غابوا عنها.
اليمن أكبر من أن يُختزل في مؤتمر، وأوسع من أن يحتكره شيخ أو حزب أو مكوّن أو منطقة، وأثمن من أن تتحول قضاياه المصيرية إلى منافسة على الألقاب والوجاهات.
لقد بلغ بنا الحال أن يتصرف كل يمني وكأنه شيخ مستقل بذاته، في بلد يقترب عدد سكانه من أربعين مليون نسمة، وكأن عشرات الآلاف ممن يحملون صفة المشيخة يمكن أن يصبح كل منهم ممثلا حصريا لجماعته أو قبيلته. فهل تتسع جنيف لكل من يريد إثبات حضوره بهذه الصفة؟ وهل تُحل أزمات الأوطان بتكاثر المؤتمرات وتعدد الألقاب، أم بتوحيد الجهود حول القضايا الجامعة وتحويل المبادرات إلى التزامات عملية ومسارات جادة نحو السلام؟
ليس الاعتراض على المشاركة أو التمثيل في ذاته؛ فلكل مكوّن اجتماعي حقه في التعبير عن مصالحه والمشاركة في صناعة مستقبله. وإنما الاعتراض على أن يتحول التمثيل إلى غاية، وأن تتقدم المنافسة على المواقع والصفات على المسؤولية عن مصير الوطن.
حين تصبح المنافسة على من يمثل مشايخ اليمن أهم من إنقاذ اليمن، نكون قد فقدنا البوصلة، وتركنا الوطن يدفع ثمن صراعات لا تنتهي.
اتقوا الله في اليمن وأهله، وعُودوا إلى رشدكم؛ فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى صراعات متشابكة بين مكونات يمنية، اتخذ بعضها طابعا مناطقيا أو مذهبيا، وتداخلت فيها الأجندات والحسابات السياسية، حتى باتت الهوية الوطنية الجامعة مهددة، وأصبح اليمنيون يُدفعون إلى متاريس متقابلة، فيما يجمعهم من التاريخ والجغرافيا والمصالح والمصير أكثر بكثير مما يفرقهم.
والأخطر أن تتوارى الدولة خلف المكونات، وتتقدم العصبيات على المواطنة، ويصبح الانتماء إلى المنطقة أو المذهب أو القبيلة أو الحزب معيارا للحقوق والمواقف، بدلا من الانتماء إلى وطن يتساوى أبناؤه في الكرامة والحقوق والواجبات.
فاليمن لا يحتاج إلى مزيد من المتاريس، ولا إلى إعادة توزيع أبنائه على خنادق متقابلة، بل إلى استعادة الدولة التي تجمعهم، وتضمن حقوقهم، وتحمي تنوعهم، وتمنع تحويل اختلافاتهم إلى وقود لحروب جديدة.
ولا يجوز اختزال هذه الحرب في الخلافات الداخلية وحدها؛ فلأدوار دول الجوار وسياساتها وحساباتها أثر لا يمكن تجاهله في مسار الصراع اليمني وما آلت إليه أوضاع البلاد. ومن حق اليمنيين أن يتساءلوا: إلى متى تستمر هذه الحرب؟ وإلى متى تظل مصالح القوى المختلفة وحساباتها مقدمة على حق اليمن في الأمن والاستقرار والسيادة واستعادة دولته؟
إن المسؤولية لا تقع على طرف واحد، ولا يعفي أي مكوّن نفسه منها بإلقاء اللوم على الآخرين. فالمكونات اليمنية مطالبة بمراجعة حساباتها والتخلي عن أوهام الحسم والإقصاء والاستئثار، كما أن دول الجوار مطالبة بمراجعة سياساتها تجاه اليمن، وإدراك أن استمرار استنزافه لا يصنع أمنا مستداما، وأن إضعاف الدولة اليمنية وتمزيق نسيجها الوطني لا يمكن أن يكونا أساسا لاستقرار الجزيرة العربية.
فاليمن ليس عبئا على جواره، ولا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، ولا خاصرة يجوز إبقاؤها نازفة ضمانا لأمن الآخرين.
إن أمن اليمن من أمن محيطه، واستقراره مصلحة مشتركة، وأي مقاربة تتجاهل هذه الحقيقة لا تفعل سوى تأجيل الأزمة وتراكم أسباب انفجارها من جديد. فالجغرافيا لا تتغير بتغير الأنظمة، والمصالح المتبادلة لا تلغيها الخلافات السياسية، والمستقبل المشترك لا يمكن أن يُبنى على استنزاف أحد أطرافه أو إضعافه.
فمتى تصحو المكونات اليمنية، وتدرك أنه لا منتصر حقيقيا في حرب يخسر فيها الوطن؟ ومتى تراجع دول الجوار حساباتها، وتنتقل من إدارة الصراع إلى المساهمة الجادة في إنهائه، ومن منطق النفوذ والمكاسب الآنية إلى منطق المصالح المشتركة والمستقبل الواحد؟
إن المطلوب اليوم ليس مؤتمرا جديدا يضاف إلى سجل المؤتمرات، ولا ميثاقا يُعلن ثم يبقى حبيس الأوراق، وإنما إرادة سياسية وأخلاقية تحوّل الأقوال إلى أفعال، والمواثيق إلى التزامات، والدعوات إلى خطوات ملموسة لوقف الحرب، ورأب الصدع، وصون وحدة اليمن وسيادته، واستعادة دولته ومؤسساتها، وفتح الطريق أمام مصالحة وطنية لا غالب فيها ولا مغلوب.
إن شرف القبيلة لا يكتمل بميثاق يُوقَّع، بل بموقف يحمي الدم اليمني، ويصون كرامة الإنسان، ويمنع الظلم والثأر، ويقدّم مصلحة الوطن على العصبية والمصلحة الخاصة. وشرف السياسة لا يُقاس بما تحققه من نفوذ، بل بما تنقذه من أرواح، وما تحفظه من أوطان، وما تفتحه للأجيال من أبواب المستقبل.
فلتكن جنيف محطة للتوافق، لا ميدانا لخلاف جديد، وليكن ميثاق الشرف خطوة نحو إنهاء الحرب، لا مناسبة لإعادة إنتاج الانقسام. ولتراجع جميع الأطراف حساباتها قبل أن يفقد اليمن ما تبقى من مقومات نهوضه.
فاليمن يستحق السلام، وأبناؤه يستحقون الحياة، والجزيرة العربية تستحق مستقبلا أكثر أمنا وتعاونا وكرامة.
وهذا لن يتحقق إلا حين يدرك الجميع أن إنقاذ اليمن ليس انتصارا لطرف على آخر، بل انتصار للجميع على الحرب، وأن بناء المستقبل يبدأ حين نتوقف عن استخدام اليمن ساحة للصراع، ونبدأ بالتعامل معه بوصفه وطنا يستحق أن يعيش بسلام وحرية وسيادة.
فالأوطان لا ينقذها التنافس على تمثيلها، بل التوافق على حمايتها؛ ولا تُستعاد كرامتها بكثرة المواثيق، بل بصدق الالتزام بها.



