الجمعة 30 أكتوبر 2026

الساسة الجهلاء والمبدعون المنسيون

لن يستطيع أي بلد أن ينجح، أو يصل إلى بر السلام والأمان، أو يتقدم ليكون في مقدمة البلدان المتطورة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وعلميا وعسكريا، ما لم يدرك قيمة مبدعيه ويحترم مكانتهم ويمنحهم الدور الذي يستحقونه في بناء المجتمع والدولة.

فالمبدعون ليسوا مجرد أفراد يمتلكون مواهب في الكتابة أو الفن أو الفكر، بل هم رئة الأوطان التي تتنفس بها، وصمام أمانها الثقافي والإنساني، والضمير الذي يراقب الاختلالات، والعقل الذي يطرح الأسئلة، والصوت الذي يستطيع أن يفتح النوافذ حين تغلق السياسة أبوابها.

إن الكتّاب والصحفيين والأكاديميين والمفكرين والفنانين والمبدعين بمختلف مجالاتهم يمثلون ثروة وطنية لا تقل أهمية عن الثروات الاقتصادية والطبيعية. بل إن هذه الثروات جميعها قد تتحول إلى عبء إذا غاب الوعي الذي يحسن إدارتها، وغابت الثقافة التي تصنع الإنسان القادر على البناء.

لكن ما يحدث في اليمن خلال السنوات الأخيرة يكشف عن مشهد مؤلم، يتسع فيه غياب المبدعين الحقيقيين، وتتزايد فيه مظاهر إقصائهم وإهمالهم، وكأن الثقافة والفكر والإبداع ترف لا يحتاج إليه البلد في زمن الصراعات.

لقد أصبحنا نشاهد كيف يجري استدعاء بعض الأصوات الرخيصة لتتحول إلى أبواق في وسائل التواصل الاجتماعي، مقابل حفنة من المال أو امتياز عابر، فتقول ما لا تعرف، وتدافع عما لا تفهم، وتخوض في قضايا أكبر من وعيها ومسؤوليتها، دون وازع وطني أو فكري أو أخلاقي.

وفي المقابل، يظل الكاتب الحقيقي والمثقف المستنير والفنان صاحب الرسالة والصحفي المهني خارج دائرة الاهتمام، يعاني العوز والتهميش، وربما يجد نفسه عاجزا عن توفير أبسط متطلبات الحياة، رغم ما يمتلكه من تجربة ومعرفة وقدرة على خدمة المجتمع.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: كيف يمكن لسلطة أو حكومة أو جماعة سياسية أن تتحدث عن بناء الدولة، بينما تهمل العقول التي تصنع وعي الدولة؟ وكيف يمكن أن تتحدث عن الأمن والاستقرار، وهي لا تمنح أصحاب الفكر والكلمة مساحة آمنة للتعبير والمشاركة؟

لقد عانى كثير من الصحفيين والكتّاب والمثقفين والفنانين اليمنيين معاناة قاسية، وأصبح بعضهم يعيش مأساة حقيقية، بين انعدام فرص العمل وغياب الرعاية والتضييق والإقصاء، في وقت تتسابق فيه الأطراف السياسية والفصائل المتنازعة على تقديم نفسها باعتبارها صاحبة الحق في تمثيل الدولة والحكومة والوطن.

وللأسف، لم نر اهتماما حقيقيا بهذه الفئة من جانب كثير ممن يتصدرون المشهد السياسي، أو ممن يرفعون شعارات المسؤولية الوطنية والحرص على مستقبل اليمن. لم نر مشروعا جادا لاستعادة دور الثقافة، أو برنامجا لدعم الكتاب والمبدعين، أو حتى مبادرة تليق بتضحيات أجيال من أصحاب الكلمة والفكر.

لقد وجدنا الأموال والأسلحة والذخائر والموارد متاحة لتمويل الصراعات، ووجدنا من يفتح أبواب الإنفاق على المقاتلين والجبهات، بينما لا يجد الكاتب الحقيقي من يسأله عن أحواله، ولا يجد الفنان الذي حمل رسالة وطنه من يمد إليه يد العون، ولا يجد الأكاديمي الذي أفنى عمره في التعليم من يلتفت إلى خبرته.

أي مفارقة هذه؟

أن تكون الرصاصة أكثر قيمة من الكلمة، وأن يحظى حامل السلاح بما لا يحظى به حامل المعرفة، وأن تتحول البندقية إلى استثمار سياسي، بينما يصبح الكتاب عبئا لا يرغب أحد في تحمله!

إننا لا نتحدث هنا عن مكافآت أو امتيازات شخصية، بل عن حق المبدعين في الحياة الكريمة، وعن حقهم في المشاركة في صناعة الوعي، وعن ضرورة وجودهم في أي مشروع وطني حقيقي. فالأوطان لا تبنى بالرصاص وحده، ولا تستقر بالقوة وحدها، ولا يمكن أن تستعيد عافيتها دون عقل يفكر، وقلم يكتب، وفن يعبر، وثقافة تحمي المجتمع من الانحدار.

وفي الحالة اليمنية، تزداد الحاجة إلى هذه الأصوات النظيفة والعاقلة، التي تستطيع أن تواجه خطاب الكراهية، وتكشف زيف الشعارات، وتعيد الاعتبار لقيمة الإنسان، وتضع أمام المجتمع حقيقة ما يجري بعيدا عن الضجيج والتضليل والتعبئة.

إن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الأبواق، بل يحتاج إلى أصوات تعرف ماذا تقول ولماذا تقول. لا يحتاج إلى مزيد من الذين يتقنون صناعة الخصومات، بل إلى الذين يستطيعون صناعة الجسور بين أبناء المجتمع. ولا يحتاج إلى من يصفقون للقوة، بل إلى من يذكرون الجميع بأن قوة الأوطان الحقيقية تبدأ من احترام الإنسان وكرامته وعقله.

إن أمية الساسة ليست بالضرورة أمية القراءة والكتابة، فقد يكون السياسي متعلما ويحمل أعلى الشهادات، لكنه يظل أميا في إدراك قيمة الثقافة، وفي فهم دور الكلمة، وفي معرفة أن المبدع ليس خصما للسلطة، بل شريك في بناء الوطن، وأن النقد ليس خيانة، وأن الاختلاف ليس جريمة.

ولعل أكثر ما يؤلم في المشهد اليمني أن كثيرا ممن يتحدثون باسم الوطن لا يدركون أن حرمان الوطن من كتّابه ومفكريه وفنانيه هو حرمان له من أحد أهم أسباب نهوضه.

فالكاتب الذي لا يجد من يقرأه اليوم قد يكون صوته هو الذي يحتاج إليه الوطن غدا. والفنان الذي يجري تهميشه اليوم قد يكون عمله هو الذي يحفظ ذاكرة الأجيال. والمثقف الذي يجلس بعيدا عن موائد السياسة قد يكون أكثر الناس قدرة على رؤية الطريق الذي عجز السياسيون عن رؤيته.

إننا بحاجة إلى مراجعة وطنية شاملة تعيد للثقافة مكانتها، وللمبدعين حقوقهم، وللكتاب حضورهم، بعيدا عن الولاءات الحزبية والمناطقية والسياسية. فالمبدع لا ينبغي أن يكون تابعا لهذا الطرف أو ذاك، ولا أن تكون كرامته مرهونة بموقفه من سلطة أو جماعة أو فصيل.

وأخيرا، لعل الحقيقة التي يجب أن يدركها كل من يتصدر المشهد السياسي في اليمن هي أن البلاد التي تهمل كتّابها ومبدعيها وفنانيها لا تموت بالضرورة من الجوع أو الفقر وحدهما، وإنما تموت حين يستوطن الجهل عقول أبنائها، وحين يصبح الصمت فضيلة، والتملق مهنة، والوعي تهمة، والكلمة الصادقة عبئا على أصحاب القرار.

إن الأوطان قد تنهض بعد الحروب، وقد تتعافى من الفقر، وقد تعيد بناء ما دمرته المدافع، لكنها لن تستطيع أن تبني مستقبلها إذا دمرت عقولها، وأقصت مبدعيها، وحرمت كتّابها من حقهم في الحياة والكلمة..