الجمعة 30 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • الموروث الفقهي بين الثابت الديني والتوظيف السياسي: الأمر بالمعروف.. أنموذجاً.

الموروث الفقهي بين الثابت الديني والتوظيف السياسي: الأمر بالمعروف.. أنموذجاً.

يُعدّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أمهات القواعد القرآنية، وهو قوام الشريعة وغاية مقصدها كما جاء في الأثر للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بل هو جوهر رسالة الأنبياء في حفظ المجتمع من الفساد والانحراف. لكن هذه القاعدة العظيمة، كغيرها من قواعد الفقه السياسي، تحوّلت في كثير من مراحل التاريخ الإسلامي من وظيفتها الإصلاحية إلى أداة سلطوية. فالإشكال لا يكمن في النص ذاته، بل في احتكار تأويله وتوظيفه أيديولوجياً كما ذكرنا في المقال السابق. وهذا المقال المقتضب يسلط الضوء على هذا الانحراف المنهجي، وكيف انقسم التطبيق التاريخي لهذه الشعيرة بين نموذجين متضادين.

ومن المؤكد مجدداً أن الإشكال ليس في النص الديني المؤسس، بل في تأويله وتوظيفه أيديولوجياً وسياسياً. فـ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" كنص قرآني قطعي، وسنة نبوية صحيحة، واجب شرعي لا خلاف على وجوب تطبيقه. وإنما يكمن الخلل في كيفية تحويل هذا الواجب من قبل السلطان المستبد إلى سوط للجلد وأداة للقمع.

فالحاكم المستبد لا يرى المعروف إلا ما وافق هواه ورسّخ حكمه، ولا يرى المنكر إلا ما هدد سلطانه ولو كان نصحاً صادقاً. فمن يجرؤ على نقده من الخاصة والمقربين، أو من أهل الحل والعقد الذين يتخذون من الكلمة والنصيحة وسيلة لتبصيره بمثالب سياساته وعيوبها ومضارها على الرعية وانعكاساتها عليه عاجلاً أو آجلاً، فإن مصيره التنكيل. فمن لم يذعن له، جُعلت معارضته تمرداً وخروجاً، ونقده منكراً يجب إزالته.

وبهذه الحيلة الفقهية، يعيد السلطان تعريف المفاهيم: فطاعته المطلقة تصبح من قبيل "الأمر بالمعروف"، ومعارضته تصبح من قبيل "المنكر" الذي يجب النهي عنه، مستنداً في ذلك إلى تأويل مجتزأ لقوله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}. وهكذا تتحول معارضة سياساته الجائرة إلى معصية لله تستوجب العقوبة في الدنيا والتوبة في الآخرة، ويُلبَس الاستبداد لباس الشرعية الدينية.

غير أن التاريخ السياسي الإسلامي لا يقدم نموذجاً واحداً. فمثلما نجد نماذج صارخة لأئمة وسلاطين الجور والطغيان الذين وظفوا هذه الشعيرة لتأبيد بقائهم على كراسي الحكم والتنكيل بخصومهم، نجد في المقابل نماذج مضيئة لسلاطين عُرفوا بالعدل والحكمة، جعلوا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأً للشورى والمحاسبة، يبدؤون به بأنفسهم، "أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم" كما في خطبة للخليفة أبي بكر الصديق. وفي الفضل والأثر يرد عن الإمام علي بن أبي طالب "أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق، لكن يضاعفان الثواب ويعظمان الأجر، وأفضل منهما كلمة عدل عند إمام جائر". وهذا التفضيل يثبت أن ممارسة الجور من قبل أي حاكم في أي زمان وفي أي مجتمع إسلامي هو منكر قائم بذاته، ومواجهته بالكلمة العادلة مسؤولية تندرج في باب الأمر بالمعروف..

وإذا كان المحتسب في التاريخ الإسلامي هو المنوط به تطبيق شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن طريق مراقبته للأسواق وضبط حركة البيع والشراء ومنع الغش والتطفيف في السلع، وكذلك صاحب الشرطة والعسس والقضاة، فإنه في تاريخنا المعاصر يُناط الأمر في المقام الأول بالسلطة التشريعية (البرلمان)، التي تختص بمراقبة السلطة التنفيذية وتُخضعها للمساءلة والمحاسبة وتسحب الثقة منها إذا أخطأت أو أخلَّت أو قصرت في واجباتها وفقاً لأحكام الدستور والقوانين النافذة.

ويمكن القول إن تطبيق الحكام المسلمين لشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبر التاريخ قد سلك مسارين متضادين لا ثالث لهما:

المسار الإيجابي: حيث كانت الشعيرة أداة لتحقيق العدل، وحفظ أمن المجتمع، وصون حقوقه، ومحاسبة الحاكم نفسه قبل المحكوم، وهو مسار دولة الشورى والعدل.

المسار السلبي: حيث تحولت الشعيرة إلى أداة أيديولوجية لتأبيد الاستبداد، وتبرير التنكيل بالخصوم السياسيين، والتضييق على الحريات، ومصادرة حق النصح والنقد، تحت ذريعة حماية الدين والدولة.

الخلاصة: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سيظل سلاحاً ذا حدين: فإما أن يكون سلطة للمجتمع على الحاكم، تحاسبه وتقوّمه، وإما أن يكون سلطة للحاكم على المجتمع، تقمعه وتستعبده. وبين هذين المسارين يُكتب مصير الأمم، إما إلى عدل ورشاد، أو إلى جور وفساد.