الجمعة 30 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • المنظمات الدولية في مناطق الحـ..وثيين: بين تهمة التواطؤ وحقيقة الاختطاف

المنظمات الدولية في مناطق الحـ..وثيين: بين تهمة التواطؤ وحقيقة الاختطاف

في كل أزمة إنسانية في اليمن، يتكرر نفس المشهد: يشتكي المواطن في صنعاء أو صعدة أو الحديدة، من أن المساعدات لا تصل، ثم يتهم المنظمات الأممية بأنها "متواطئة مع الحـ..وثيين" أو "تموّلهم". وفي الجهة المقابلة، تقرأ تقارير المنظمات نفسها فتجدها تشتكي من القمع والاعتقال والمصادرة. فأين الحقيقة؟

الحقيقة أن العلاقة بين المنظمات الدولية والحوثيين ليست علاقة تحالف، بل علاقة ابتزاز مستمر، يدفع ثمنها الموظف اليمني أولًا، والمستفيد اليمني ثانيًا.

أولًا: من أين جاءت تهمة التواطؤ؟

هناك ثلاثة أسباب موضوعية جعلت الناس تتهم الأمم المتحدة:

1. التمركز الجغرافي: 70-80% من سكان اليمن يعيشون في مناطق سيطرة الحوثيين، ومعظم مقرات المنظمات في صنعاء منذ 2014. طبيعي أن يظهر عملها وكأنه في تلك المناطق فقط.

2. التعتيم الإعلامي المفروض: الحوثيون يمنعون المنظمات من الحديث علنًا عن انتهاكاتهم، ويجبرونها على العمل عبر ما يسمى "المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية - SCMCHA". هذا المجلس يفرض قوائم مستفيدين، ويتدخل في التوظيف، ويؤخر التصاريح. المنظمة إذا اشتكت علنًا تُطرد، وإذا سكتت يُقال إنها متواطئة.

3. تحويل المساعدات: تقارير أممية ودولية سابقة وثقت مصادرة مساعدات وتحويل مسارها من قبل سلطات الأمر الواقع. هذا الفساد حقيقي، لكنه لا يعني أن المنظمة هي من قررت التحويل، بل إنها أجبرت على العمل في بيئة فاسدة.

ثانيًا: الوجه الآخر الذي لا يراه الناس -المنظمات كضحية

ما لا يعرفه الكثيرون أن المنظمات الدولية هي اليوم أكبر ضحية للحوثيين بعد المواطن اليمني نفسه.

منذ 31 مايو 2024، شنت جماعة الحوثي حملة مداهمات واعتقالات واسعة طالت موظفي الأمم المتحدة والمجتمع المدني. الأرقام صادمة:

• اعتقال 13 موظفًا أمميًا وما لا يقل عن 50 موظفًا في منظمات المجتمع المدني في الموجة الأولى فقط.

• حتى 5 أكتوبر 2026، لا يزال 72 موظفًا أمميًا يمنيًا وعشرات العاملين الإنسانيين رهن الاحتجاز التعسفي.

• في يناير 2025، اعتقال 8 موظفين أمميين إضافيين دفع الأمم المتحدة لإعلان تعليق كل تحركاتها الرسمية داخل مناطق الحوثيين.

• في فبراير 2025، توفي موظف من برنامج الغذاء العالمي WFP داخل سجون الحوثيين.

• اليوم، يحاكم الحوثيون 8 من هؤلاء الموظفين -بينهم موظفان أمميان واستشاري أممي- بتهم تجسس كيدية تصل عقوبتها إلى الإعدام.

منظمة يتعرض موظفوها للاختطاف والتعذيب والمحاكمة بالإعدام، لا يمكن وصفها بأنها "متواطئة". هي منظمة رهينة.

بل إن 11 منظمة دولية كبرى علقت أو نقلت برامجها من الشمال بعد إعادة تصنيف الحوثيين وتصاعد الاعتقالات في 2025، وعلق برنامج الغذاء العالمي أنشطة الوقاية من سوء التغذية بسبب نقص التمويل والقيود.

ثالثًا: هل بقاؤها ضروري رغم كل هذا؟

وهنا جوهر سؤال المقال. الجواب الصعب هو: نعم، بقاؤها ضروري، لكن بشروط.

لماذا ضروري؟

لأن انسحابها الكامل يعني حكمًا بالإعدام على 20 مليون إنسان. في مناطق الحوثيين لا توجد دولة تقدم خدمات. المرتبات منقطعة منذ سنوات، النظام الصحي منهار، وبرنامج الغذاء العالمي وحده كان يدعم الملايين. إذا انسحبت المنظمات، لن يعاقب الحوثي، بل ستعاقب الأم التي تبحث عن كيس دقيق لطفلها.

العمل الإنساني في القانون الدولي مبدأه "البقاء والعمل"، تظل موجودًا حتى لو كانت البيئة معادية، لأن البديل هو الفراغ.

لكن بأي ثمن؟

هنا يجب أن تتغير المعادلة. لا يمكن الاستمرار بنفس النموذج القديم:

1. لا صمت بعد اليوم: يجب على الأمم المتحدة أن تتوقف عن سياسة "الصمت مقابل البقاء". حماية الموظفين اليمنيين يجب أن تكون خطًا أحمر، لا ورقة تفاوض.

2. نقل مركز القرار: يجب نقل القرار المالي والإداري إلى عدن أو خارج اليمن، والإبقاء في صنعاء على الحد الأدنى التنفيذي فقط، لكسر احتكار SCMCHA.

3. الشفافية مع الناس: المنظمات مطالبة بنشر تقارير شهرية بلغة عربية بسيطة: كم استلمت، أين وزعت، وما العراقيل التي واجهتها ومن وضعها. الشفافية هي وحدها التي تكسر تهمة التواطؤ.

4. ربط المساعدات بالحماية: لا يمكن أن تستمر المساعدات بينما الموظفون في السجون. على المجتمع الدولي جعل الإفراج عن الـ72 موظفًا شرطًا لأي تمويل جديد.

اتهام المنظمات بالتواطؤ مفهوم من مواطن جائع يرى مساعدته تباع في السوق، لكنه اتهام في غير محله. المشكلة ليست في نية المنظمة، بل في بنية السيطرة التي تفرضها جماعة مسلحة حولت العمل الإنساني إلى أداة جباية وسيطرة.

المنظمات ليست ملائكة، ولديها أخطاء بيروقراطية ومجاملات سياسية، لكنها اليوم تدفع ثمن بقائها من دماء موظفيها اليمنيين. المطلوب ليس طردها، بل إصلاح شروط عملها، وحماية موظفيها، ومصارحة الناس بما يجري خلف الجدران المغلقة في صنعاء.

انسحابها انتصار للحوثي، وبقاؤها الصامت أيضًا انتصار له. الحل الثالث هو بقاءٌ شجاع وشفاف.