كيف طال عمرك!

في حلقة «أين السعودية في حرائق الشرق الأوسط؟» من برنامج «سقراط»، بتاريخ 26 أكتوبر 2026، بدا الأستاذ عبدالرحمن الراشد، في بعض أطروحاته، أقل انشغالاً بتفكيك تعقيدات الحاضر، وأكثر استعداداً لإخبارنا بما سيقع في المستقبل. من أيام معدودة للحوثي، إلى علاقة جيدة بين إيران وإسرائيل، وصولاً إلى ملامح الشرق الأوسط القادم؛ كأن الخبرة السياسية تحولت فجأة إلى بلّورة تنبؤات، وكأن التاريخ سلّم الراشد نسخة مسبقة من فصوله القادمة.
لكن قوة العبارة ليست قوة الدليل، والثقة أمام الكاميرا ليست برهاناً. وكلما ارتفع سقف النبوءة، ارتفع معه عبء الإثبات. ولذلك فإن المشكلة الأساسية في بعض ما طرحه الراشد ليست جرأة التحليل، بل فائض اليقين في قضايا لا تزال وقائعها نفسها مفتوحة على احتمالات متناقضة، حيث قال:
«لا يتبقى للحوثي سوى أيام معدودة»
هذه العبارة تتجاوز التحليل إلى تنبؤ زمني شديد الحسم. ما المؤشرات العسكرية والسياسية التي تجعلها أياماً، لا أسابيع أو أشهراً؟ وهل المقصود استعادة صنعاء، أم انهيار سلطة الحوثيين، أم انتهاء الحركة نفسها؟ وإذا كانت الشرعية ضعيفة، فمن سيُسقط الحوثي؟
هنا تظهر واحدة من أهم فجوات الطرح. فإذا كانت الشرعية تعاني ضعفاً وانقساماً، بينما ما زال الحوثي يمتلك سلطة وتنظيماً وقدرة على فرض الأمر الواقع، فمن هي القوة التي ستحوّل ضعفه المفترض إلى انهيار خلال «أيام معدودة»؟
ضعف الحوثي لا يعني تلقائياً قوة الشرعية، وانهيار الخصم لا يخلق دولة بديلة من العدم.
وماذا بعد الحوثي؟
حتى لو افترضنا صحة توقع سقوطه، تبقى المسألة الأصعب بلا إجابة كافية: من سيحكم في اليوم التالي؟ من يمتلك المؤسسات والقوة والتوافق السياسي لإدارة صنعاء والمناطق الأخرى؟ إسقاط جماعة مسلحة شيء، وبناء دولة مستقرة بعد سقوطها شيء مختلف تماماً.
إيران لا تفسر الحوثي كله
إذا كان الحوثي يمتلك أيضاً مصادر قوة محلية، وشبكات مصالح، وقدرة ذاتية على الاستمرار، فلا يكفي ربط مستقبله بمصير النفوذ الإيراني وحده.
فإذا كانت إيران هي التفسير، فكيف نفسر عناصر القوة المحلية؟ وإذا كانت تلك العناصر موجودة فعلاً، فلماذا يُفترض أن إضعاف إيران يعني نهاية سريعة للحوثيين؟
«لماذا تخلّت أمريكا عن السعودية؟»
الإشكال موجود في السؤال نفسه. كلمة «تخلّت» تفترض أن التخلي حقيقة ثابتة قبل إثباتها. ولماذا لا يكون السؤال: هل تخلّت الولايات المتحدة فعلاً، أم تغيرت حدود التزامها ومصالحها؟
وضع النتيجة داخل السؤال، ثم البحث عن أسبابها، ليس اختباراً للفرضية، بل بناء للنقاش على فرضية لم تُثبت بعد.
«إيران ستكون على علاقة جيدة بإسرائيل»
هذه قفزة كبيرة من تحليل واقع قائم إلى تقرير مستقبل بالغ التعقيد. أي إيران يقصد؟ إيران بنظامها الحالي أم بعد تحول سياسي؟ وما المقصود بـ«علاقة جيدة»؟ وما سلسلة الأحداث التي ستقود إلى ذلك؟
التحليل لا يكتفي بإعلان محطة الوصول، بل عليه أن يثبت أن هناك طريقاً منطقياً يقود إليها.
«العراق لن يزدهر بوجود إيران»
هنا أيضاً يبرز خطر التفسير الأحادي. حتى لو كان النفوذ الإيراني عاملاً رئيسياً في تعثر العراق، فهل اختفاؤه سيعالج تلقائياً مشكلات المؤسسات والاقتصاد والانقسامات الداخلية وقدرة الدولة؟
اختزال أزمة دولة كاملة في متغير خارجي واحد يمنحنا تفسيراً مريحاً، لكنه ليس بالضرورة تفسيراً كافياً.
كان على الراشد أن يقدم أدلة بالصرامة نفسها، حيث أصبح اللقاء عرضاً واثقاً للتوقعات، لا تحليلاً محكماً للوقائع.
فالتاريخ لديه عادة سيئة جداً مع النبوءات السياسية: لا يحترم هيبة قائلها، ولا سنوات خبرته، ولا ثقته أمام الكاميرا.
إما أن تصمد الفرضية أمام الوقائع، وإما أن تسقط؛ لأن كل ما قيل سيكون، بعد ذلك، مجرد بلاغة.



