الخميس 29 أكتوبر 2026

اليمن ومخاطر استمرار الصراع

مع اشتداد المواجهات العسكرية وفرض حصار جائر على مدينة تعز من قبل قوات سلطات صنعاء، وتفاقم المعاناة الإنسانية داخل المدينة بسبب القصف العشوائي للأحياء المدنية، وشح المواد الغذائية والمياه والمشتقات النفطية، ولا سيما الغاز المنزلي، تعجز الحكومة الشرعية ودول التحالف عن فعل شيء إزاء هذه القضايا. وفي الوقت نفسه، يقف المبعوث الأممي والأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والحقوقية موقف المتفرج، ملتزمين الصمت والحياد، حتى إن عبارات القلق التي صدّعوا رؤوسنا بها طوال السنوات الماضية لم نسمعها إزاء ما تتعرض له المدينة وسكانها المحاصرون.

ورغم قناعتي الكبيرة بأن ما يدور على الساحة اليمنية اليوم هو جزء من لعبة دولية وفصل من فصول مخطط أممي يهدف إلى إعادة رسم خارطة المنطقة العربية وفق سيناريو يخدم دولة الكيان الصهيوني ويحفظ أمنها واستقرارها، فإن أكثر ما يخيفني في هذه اللعبة القذرة هو محاولة البعض توصيف الصراع الدائر بين الأطراف اليمنية على أسس طائفية ومناطقية وعرقية، الأمر الذي قد يفضي إلى نتائج كارثية على اليمن واليمنيين وهويتهم ونسيجهم الاجتماعي في المستقبل القريب.

ولعل الكثير ممن يسوّقون لهذه الفكرة الخطيرة لا يهتمون بمستقبل اليمن واليمنيين، ولا بالمصير الذي سنصل إليه إذا اتجه الصراع المسلح بين الأطراف المتحاربة في هذا السياق، واكتسب هذا الطابع الذي لم يعرفه اليمنيون منذ قرون. ويعود ذلك إلى أن مستقبل هؤلاء وأسرهم لم يعد مرتبطًا بمستقبل اليمن واليمنيين؛ فقد استثمروا مواقفهم من الحرب في ترتيب أوضاعهم وأوضاع أسرهم في مختلف دول العالم، ولم يعد يهمهم من اليمن سوى استمرار الصراع والحرب، اللذين يمثلان بالنسبة إليهم مصدر دخل يعيشون عليه في بلدان إقامتهم.

لقد تحدثت وكتبت كثيرًا، ومرارًا، عن مخاطر استمرار الصراع في وطني الحبيب، وعن ضرورة إيقاف الحرب وتحقيق السلام وحقن الدماء. ولا أزال متمسكًا بموقفي، رغم الاتهامات وحملات السب والتحريض، إيمانًا مني بسلامة موقفي وعدالة قضيتي التي أتمسك بها، باعتبارها وسيلة للنضال الوطني السلمي، وتعبيرًا حقيقيًا عن صدق انتمائي إلى اليمن، وعمق هويتي الوطنية، وشدة محبتي لبلدي الذي لا أعرف سواه.

لقد كانت نظرتي إلى الحرب والصراع المسلح في وطني الحبيب محكومة بالكثير من المخاوف التي أعتقد أنها قد تتحول إلى مخاطر حقيقية تهدد مستقبل بلدي وأمنه واستقراره ووحدة نسيجه الاجتماعي. وفي مقدمة تلك المخاطر ترسيخ فكرة الصراع الطائفي والمناطقي، وتغذية عقول المقاتلين من الطرفين بهذه الأفكار، حتى تنعكس في أوساط المجتمع اليمني وتتحول إلى عقيدة ومبدأ راسخ يعيشون من أجلهما ويموتون في سبيلهما. وعندها ستحل علينا وعلى وطننا الكارثة الكبرى.

ومن وجهة نظري، إذا كان لا بد من استمرار القتال، فيجب على أطراف الحرب الالتزام بأخلاق الحروب وتقاليدها وقواعدها المتعارف عليها دوليًا، والحرص على إبقاء الصراع في حدوده السياسية، بوصفه صراعًا بين مشروعين: وطني ولا وطني، وبين سلطتين: شرعية وانقلابية، وبين قوتين: جمهورية وملكية، وتيارين: تنويري ورجعي، ونموذجين: مدني واستبدادي، وغيرها من التوصيفات السياسية التي لا تمس وحدة المجتمع اليمني ولا تهدد سلامته واستقراره.

وليكن لنا في مآلات الدول والمجتمعات التي خاضت حروبها انطلاقًا من تلك الأفكار والأسس الخطيرة عبرة وعظة، لندرك حجم الكارثة التي يمكن أن تنتج عن تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات طائفية ومناطقية واجتماعية يصعب احتواؤها أو تجاوز آثارها.

ختامًا، ليعلم الجميع، في الداخل اليمني والخارج، أن اليمنيين يختلفون سياسيًا، لكن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم. ولم يعرف المجتمع اليمني، عبر تاريخه، أنماطًا راسخة من الصراعات الطائفية والمناطقية التي يسعى البعض اليوم إلى تكريسها وتغذيتها، رغم وجود اختلافات وتباينات سياسية وفكرية واجتماعية بين أبنائه.

فليس كل أبناء الشمال مع سلطات صنعاء، وليس كل أبناء الجنوب مع السلطة الشرعية. هناك انقسامات حقيقية في التوجهات والقناعات السياسية، واختلافات وتباينات كبيرة في وجهات النظر ووسائل بناء الدولة، لكن ذلك لا يعني أن المجتمع اليمني يتبنى فكرة الصراع الطائفي أو المناطقي أو الجهوي، ولا يبرر دفع الناس نحو هذا المنزلق الخطير.

إن استمرار الحرب واتساع رقعتها لا يبرران للبعض الترويج لهذه الفكرة المدمرة، أو السعي إلى تحويل الخلافات السياسية إلى عداوات اجتماعية ممتدة بين أبناء الوطن الواحد.

وليتذكر الجميع أن وثيقة مخرجات الحوار الوطني الشامل، التي أنجزتها القوى والمكونات السياسية الوطنية خلال عامي 2012 و2014، تمثل مرجعية وطنية جامعة يمكن البناء عليها للخروج من الأزمة، وإعادة بناء الدولة، وصون وحدة اليمنيين ونسيجهم الاجتماعي.