اليمن ومصر والسعوديةحرب المصالح ومأزق السلام
الحرب في اليمن لم تعد شأنًا داخليًا أو صراعًا محصورًا بين أطراف يمنية، حيث أصبحت جزءًا من معادلة إقليمية تتداخل فيها حسابات السعودية ومصر وإيران وإسرائيل، وتتقاطع المصالح الاقتصادية وأمن البحر الأحمر وباب المندب. ومع تصاعد التوترات يعود السؤال هل تتجه المنطقة نحو تسوية تنهي الحرب، أم نحو جولة جديدة يدفع اليمنيون وشعوب المنطقة ثمنها؟
تتعامل السعودية مع التهديدات الحوثية باعتبارها مسألة تمس أمنها المباشر، بينما الإمارات لا تمس مصالحها، خصوصًا مع ارتباط قدرات الجماعة العسكرية بالدعم الإيراني وغير الإيراني، واستخدام الصراع ورقة ضغط إقليمية، لكن استمرار المواجهة لا يضمن إنهاء التهديد، مثلما أن الحل العسكري وحده لا يستطيع بناء دولة يمنية مستقرة. فالتسوية الحقيقية تتطلب معالجة أسباب الصراع، وضمان أمن دول الجوار، وإنهاء احتكار السلاح خارج مؤسسات الدولة.
أما مصر، فإن أمن البحر الأحمر وباب المندب يرتبط مباشرة بقناة السويس وحركة التجارة ومصالحها الاقتصادية. وأي تصعيد يهدد الملاحة يضيف أعباءً على اقتصاد يعاني أصلًا ضغوط الديون وارتفاع تكاليف المعيشة. ومن هنا يمكن فهم أهمية التعاون الأمني مع السعودية، والذي يمثل ردع أي هجوم حوثي من الحدود السعودية اليمنية، لكن دعم أمنها لا يعني بالضرورة الانخراط في حرب مفتوحة لا تتضح نهايتها أو كلفتها السياسية والاقتصادية.
وتفرض العلاقة الاقتصادية بين القاهرة والرياض حسابات إضافية، في ظل الاستثمارات والودائع والمساعدات التي مثلت عنصرًا مهمًا في العلاقات بين البلدين، غير أن ربط أي قرار مصري بشأن الأمن الإقليمي بصفقة مالية محددة يحتاج إلى أدلة واضحة، لا إلى افتراضات. فالمصلحة المصرية تقتضي حماية الأمن القومي، مع تجنب تحميل الاقتصاد أعباء تدخل عسكري طويل قد تتجاوز كلفته مكاسبه.
وفي المقابل، تواجه السعودية تحديات تنفيذ مشروعاتها التنموية ورؤية 2030 وسط اضطرابات المنطقة وتكاليف الأمن والدفاع. كما أن استضافة كأس العالم 2034 تمثل مشروعًا اقتصاديًا ورياضيًا كبيرًا يتطلب بيئة إقليمية أكثر استقرارًا. لذلك، فإن استمرار الحروب لا يهدد اليمن وحده، بل يضغط أيضًا على خطط التنمية والاستثمار في المنطقة بأكملها.
وتثير التحركات نحو ترتيبات دفاعية إقليمية، بما فيها ما يُتداول عن «حلف مكة»، تساؤلات بشأن أهدافها وحدودها. فالتنسيق الأمني قد يردع بعض التهديدات، لكنه لا يقدم حلًا تلقائيًا للأزمة اليمنية. كما أن المواقف الإسرائيلية من التصعيد الإقليمي تستحق المتابعة، لكن ينبغي التمييز بين التحليلات الصحفية والمصالح السياسية المعلنة وبين ما تثبته الوقائع من تنسيق أو تدخل مباشر.
ومن المهم هنا ألا يُختزل الموقف اليمني في تأييد الحوثيين أو الاصطفاف مع خصومهم. فاليمنيون هم أصحاب المصلحة الأولى في إنهاء الحرب واستعادة دولتهم. ومن حقهم رفض تحويل بلادهم إلى منصة لإطلاق الصواريخ وتصفية الحسابات الإقليمية، كما أن من حقهم رفض أي تدخل يتجاهل حياة المدنيين أو ينتقص من سيادة اليمن ووحدة أراضيه. فرفض سلطة السلاح لا يمنح أي طرف خارجي تفويضًا مفتوحًا لإدارة البلاد، ورفض الحرب لا يعني القبول باستمرار الانتهاكات أو تعطيل بناء الدولة.
إن أمن السعودية لا يتعارض مع سيادة اليمن، وحماية المصالح المصرية لا تتعارض مع حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم. بل إن استقرار الدول الثلاث مترابط، وأية تسوية تتجاهل مصالح إحداها ستظل هشة. والمطلوب ليس نقل اليمن من نفوذ إقليمي إلى آخر، وإنما إنهاء الظروف التي تسمح للجماعات المسلحة والقوى الخارجية بالتحكم في قراره، وإعادة بناء مؤسسات وطنية تقوم على المواطنة والقانون والشراكة السياسية.
في النهاية، لن تحقق الحرب أمنًا دائمًا، ولن تنجح التسويات التي تكتفي بوقف إطلاق النار من دون معالجة جذور الصراع. يحتاج اليمن إلى سلام عادل يضمن أمن جيرانه، ويحفظ سيادته، ويعيد القرار إلى مؤسسات الدولة، ويمنح اليمنيين فرصة لاستعادة اقتصادهم وحياتهم. أما استمرار استنزاف البلاد، فلن يصنع نصرًا مستدامًا لأي طرف، بل سيُبقي المنطقة كلها رهينة حرب تتجدد كلما تعثرت المصالح.



