قراءة في مقال القاضي عبدالعزيز البغدادي: خطر إهدار الدماء وتعطيل الطاقات!
ثمة قضايا فكرية تستحق التوقف عندها، لا لمجرد الاتفاق أو الاختلاف مع ما تطرحه، وإنما لأنها تفتح بابًا للنقاش حول إشكاليات عميقة تتصل بمستقبل المجتمعات ومصير الإنسان وحقه في الحرية والمعرفة والمشاركة في بناء وطنه. ومن هذا المنطلق، قرأت مقال القاضي عبدالعزيز البغدادي المعنون "خطر إهدار الدماء وتعطيل الطاقات!"، المنشور في صحيفة الشورى الإلكترونية وعلى صفحته في فيسبوك يوم الثلاثاء 27 أغسطس 2026م، فوجدتني أتفق معه في جوهر تحذيره من الأصولية المتطرفة التي تستقطب الأطفال والشباب، وتستثمر جهلهم أو حاجتهم إلى اليقين والانتماء، وتعبئهم بخطاب التضليل والتعصب، ثم تزج بهم في صراعات السلطة والنفوذ، بما يؤدي إلى إرهاق أرواحهم، في معارك عبثية أو تعطيل طاقاتهم وإلحاق أفدح الأضرار بأوطانهم.
إن أخطر ما في هذه الأصولية ليس مجرد تمسكها بتفسيرات جامدة للنصوص أو انغلاقها على أفكار بعينها، بل ادعاؤها امتلاك الحقيقة المطلقة والحق في فرضها على الآخرين، وتحويل الاختلاف الفكري والمذهبي إلى مبرر للإقصاء والتكفير، وربما استباحة الدماء. وتزداد خطورتها حين تقترن بادعاء الحق الإلهي في الحكم، أو الاصطفاء الإلهي لسلالة أو جماعة بعينها، أو تقسيم الناس على أساس الولاء والبراء، بحيث يصبح الانتماء إلى جماعة معينة معيارًا للحق، ويغدو المختلف معها موضع اتهام أو عداء. هنا لا نكون أمام مجرد اختلاف في العقيدة أو التفسير، بل أمام مشروع للهيمنة على الإنسان ومصادرة حريته وحقه في اختيار من يحكمه.
وفي تقديري، فإن مواجهة هذا المنهج تقتضي التمييز بين قضايا كثيرًا ما يجري الخلط بينها، ومن أهمها علم الأنساب من جهة، وتحويل النسب إلى امتياز سياسي أو ديني من جهة أخرى. فعلم الأنساب، بوصفه مجالًا لدراسة القرابة والتاريخ العائلي والامتدادات البشرية، ليس علمًا زائفًا في ذاته، بل هو مجال معرفي له مناهجه وأدواته، ويمكن أن تتقاطع أبحاثه مع التاريخ والآثار والأنثروبولوجيا وعلم الوراثة. وقد أتاح علم الجينات الحديث وسائل جديدة لدراسة الأصول والقرابات البشرية والهجرات، وإن كانت نتائجه لا تبرر اختزال الهوية الإنسانية أو التاريخ الاجتماعي في تحليل جيني واحد، ولا تثبت بذاتها صحة كل رواية نسبية متداولة.
ومن ثم، فإن الاعتراض على علم الأنساب لمجرد أنه علم للأنساب ليس في تقديري اعتراضًا علميًا سليمًا، كما أن تقديس الروايات المتعلقة بالأنساب، أو قبولها دون تمحيص، لا يجعلها حقائق علمية. فلكل دعوى دليلها، ولكل رواية شروط التحقق منها، ولا يجوز الخلط بين دراسة النسب باعتباره موضوعًا للبحث والمعرفة، وبين توظيفه لإنتاج امتيازات موروثة لا تستند إلى حق إنساني أو أساس دستوري مشروع.
إن موضع الخلل الحقيقي هو الانتقال من النسب بوصفه حقيقة تاريخية محتملة الإثبات أو النفي إلى اعتباره دليلًا على التميز السلالي باعتباره حقًا إلهيًا، أو مصدرًا للقداسة، أو سندًا لاحتكار السلطة والثروة والحقوق. فالإنسان لا يكتسب فضيلته من اسم عائلته، ولا يستمد كفاءته من سلسلة أجداده، ولا يصبح أحق بالحكم لمجرد انتسابه إلى أسرة أو سلالة بعينها. وإذا كان لكل إنسان أن يعتز بأسرته وتاريخه وجذوره، فإن هذا الاعتزاز لا يمنحه حقًا في الانتقاص من الآخرين، ولا يجيز له المطالبة بامتيازات سياسية أو دينية لا تتاح لسائر المواطنين.
وهنا تتجلى أهمية العودة إلى النص القرآني الذي جعل التقوى معيارًا للتفاضل الأخلاقي في يوم الدين، وليس في الدنيا، أي عند الله ، كما في قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13). فالآية تتحدث عن الكرامة عند الله، ولا تمنح أحدًا في الحياة الدنيا سلطة تصنيف الناس أو احتكار حقوقهم باسم التقوى أو النسب أو الاصطفاء. بل إن مقتضى المساواة الإنسانية في الحقوق والكرامة أن تكون المواطنة أساس العلاقة بين أبناء الوطن، وأن تكون المسؤولية العامة خاضعة للكفاءة والإرادة الشعبية والقانون، لا لدعاوى التفوق الوراثي أو التفويض المقدس.
ومن هذا المنطلق، فإن ادعاء الحق الإلهي في الحكم، سواء اتخذ صورة دينية مذهبية أو سلالية أو أية صيغة أخرى، يظل من أخطر المداخل إلى الاستبداد؛ لأنه ينقل السلطة من مجال الاختيار البشري والمساءلة القانونية إلى مجال الادعاء الذي يصعب إخضاعه للنقد والمحاسبة. فالحاكم الذي يزعم أنه يحكم بتفويض إلهي لا يكتفي غالبًا بالمطالبة بالطاعة السياسية، بل قد يصور معارضته باعتبارها اعتراضًا على الدين أو خروجًا على المقدس، وبذلك يحصّن سلطته من المساءلة، ويحول المواطنين من أصحاب حق في اختيار حكامهم إلى رعايا مطالبين بالطاعة.
وهذا هو الجانب الذي ينبغي أن تتوجه إليه المواجهة الفكرية والسياسية: ليس محاربة الأنساب، ولا إنكار التاريخ، ولا مصادرة حق الناس في الاعتقاد، وإنما تفكيك الأوهام التي تحول النسب إلى سلطة، والمذهب إلى امتياز، والاعتقاد إلى أداة للإكراه، والاختلاف إلى ذريعة لإهدار الدماء. فالدين، في حياة المؤمنين، لا ينبغي أن يكون غطاء للاستبداد، كما أن التاريخ لا ينبغي أن يتحول إلى صك ملكية للوطن أو إلى تفويض أبدي بحكم الناس.
وفي السياق نفسه، أتفق مع القاضي عبدالعزيز البغدادي في ضرورة إخضاع دعاوى الإجماع والروايات المنقولة للنقد العلمي، وعدم تحويلها إلى مسلمات تعلو على العقل والبحث. غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين نقد استعمال الإجماع بوصفه أداة لإسكات المخالف، وبين الحكم ببطلان الإجماع في كل مسألة؛ فالإجماع مفهوم أصولي اختلف العلماء في تعريفه وشروط ثبوته وحجيته، كما اختلفوا في إمكان التحقق منه في مسائل كثيرة. ولذلك فإن الادعاء بأن الفقهاء أجمعوا على مسألة ما لا يكفي وحده لإثباتها، بل ينبغي تحديد من نقل عنهم الإجماع، ومتى انعقد، وما طبيعة الخلاف السابق أو اللاحق، ومدى صحة النقل.
والأمر نفسه ينطبق على الأحاديث والروايات المعنعنة وغيرها؛ فلا يصح قبول الرواية لمجرد تداولها، ولا رفضها لمجرد صيغة نقلها، بل تُدرس وفق مناهج نقد الرواية وأسانيدها ومتونها، فالقاعدة الأصولية تقول: "ليس كل ما صح سنده صح متنه، وليس كل ما صح متنه صح سنده"، مع ملاحظة أهمية الاستفادة من أدوات البحث التاريخي والعقلي في ذلك. فالعلم لا يقوم على التسليم المطلق ولا على الإنكار المطلق، وإنما على التحقق من الأدلة، والتمييز بين درجات اليقين والاحتمال، وإتاحة المجال للمراجعة كلما ظهرت معطيات جديدة. كما أن اختلاف المسلمين في تحديد بدايات الأشهر القمرية، ومنها رمضان وشوال، لا يثبت وحده استحالة الإجماع في جميع المسائل، لكنه يكشف بوضوح أن بعض القضايا التي تبدو بسيطة قد تتداخل فيها مناهج الاستدلال وتقديرات الوقائع، وأن إطلاق الأحكام العامة دون تحرير محل النزاع لا يخدم الحقيقة.
أما ما يتعلق بالديمقراطية والانتخابات، فإنني أتفق مع القاضي عبدالعزيز البغدادي في أن الدول التي تحترم إرادة مواطنيها وتخضع سلطاتها للمساءلة تتيح فرصًا أفضل لتوجيه الطاقات البشرية نحو البناء والإبداع، بدلًا من استنزافها في الصراعات على السلطة. لكن الديمقراطية الحقيقية لا تختزل في إجراء الانتخابات وحده، بل تقوم على منظومة متكاملة تشمل سيادة القانون، وتداول السلطة، واستقلال القضاء، وحرية التعبير والتنظيم، وحماية حقوق الأقليات، وضمان تكافؤ الفرص، ومنع احتكار القرار العام. فقد تجري الانتخابات من دون أن تتوافر الشروط التي تجعلها تعبيرًا حقيقيًا عن إرادة المواطنين، وقد تتحول إلى أداة دعائية لتجديد شرعية سلطة لا تسمح بمنافستها.
وفي المقابل، فإن استمرار بعض الملكيات العريقة، ومنها الملكية البريطانية، يبين أن الأشكال الدستورية للدول ليست واحدة، وأن وجود أسرة ملكية لا يعني بالضرورة احتكارها للحكم التنفيذي أو امتلاكها سلطة مطلقة. فالعبرة ليست بمجرد وجود ملك أو رئيس، وإنما بطبيعة النظام الدستوري، ومصدر السلطة الفعلية، وحدود الصلاحيات، وآليات المساءلة، ومدى خضوع الحكم لإرادة المواطنين. فالملكية الدستورية التي تكون فيها الحكومة مسؤولة أمام البرلمان تختلف اختلافًا جوهريًا عن نظام يزعم حقًا وراثيًا مقدسًا في حكم الشعب، ويصادر حقه في الاختيار والمحاسبة.
ولعل هذه النقطة تحديدًا تساعد على تحرير النقاش من الخلط بين الوراثة بوصفها آلية لتولي منصب رمزي مقيد بدستور، وبين الوراثة بوصفها ادعاء بحق حصري في السلطة السياسية. فالمرفوض ليس مجرد وجود تقاليد تاريخية أو أسر حاكمة، وإنما تحويل النسب إلى أساس لامتلاك الدولة واحتكار القرار العام، أو جعل المواطنين درجات متفاوتة في الحقوق بحسب أصولهم وانتماءاتهم.
إن المأساة تكمن في ادعاء الحق الإلهي، إذ تقدم مثالًا مؤلمًا على النتائج التي تترتب عليها حين تتغلب دعاوى الحق الحصري في الحكم على مبدأ المواطنة، وحين تستثمر الانقسامات المذهبية والسلالية في تعبئة الناس بعضهم ضد بعض، وتتحول طاقات الشباب من ميادين العلم والعمل والإبداع إلى وقود للحروب والصراعات الداخلية والإقليمية. فاليمن لا يعاني نقصًا في العقول والمواهب، وإنما يعاني، في جانب كبير من مأساته، من إهدار هذه الثروة البشرية في صراعات لا تنتج سوى مزيد من الفقر والجهل والتشظي، فيما تتعطل مؤسسات الدولة وتتراجع فرص التنمية ويتسع نطاق الخسائر الإنسانية.
والأشد خطرًا أن الأصولية، حين تلتقي بالمصالح السياسية والاقتصادية، تستطيع أن توظف المقدس لتبرير ما لا يمكن تبريره بالعقل أو القانون، وأن تجعل من الطاعة فضيلة مطلقة، ومن النقد خروجًا على الجماعة، ومن الولاء للأشخاص أو السلالات بديلًا عن الولاء للوطن ومؤسساته. وهنا تصبح حماية الأطفال والشباب من خطاب الكراهية والتعبئة المغلقة مسؤولية وطنية تتطلب إصلاح التعليم، وتشجيع التفكير النقدي، وتوسيع فضاءات الحوار، وترسيخ ثقافة المواطنة، وفتح أبواب المشاركة السياسية السلمية أمام الجميع.
ولا يعني ذلك أن كل متدين أصولي بالمعنى المتطرف، أو أن كل من يتمسك بتراث ديني أو مذهبي يمثل خطرًا على المجتمع؛ فالتعميم بدوره صورة من صور التفكير غير المنصف. إن موضع النقد هو الفكر الذي ينكر التعدد، ويصادر حق الآخرين في الاختلاف، ويبرر الإكراه والعنف، أو يمنح جماعة بعينها حقًا فوق حقوق سائر المواطنين. كما أن محاربة هذا الفكر لا تكون بإقصاء أصحابه من المجال العام لمجرد معتقداتهم، وإنما بمواجهتهم بالحجة، وبالقانون حين يتحول الاعتقاد إلى تحريض أو عنف أو اعتداء على حقوق الآخرين.
إن بناء الدولة المدنية الحديثة لا يتطلب من الناس التخلي عن أديانهم أو هوياتهم الثقافية، بل يتطلب اتفاقهم على قواعد مشتركة تضمن لهم جميعًا حرية الاعتقاد والتعبير والمشاركة، وتمنع تحويل أية هوية خاصة إلى مصدر لامتياز سياسي أو قانوني. فالدولة التي تتسع للجميع هي وحدها القادرة على تحويل الاختلاف من سبب للصراع إلى مصدر للثراء الفكري والاجتماعي، وعلى استثمار التنوع في بناء مجتمع تتكامل فيه الطاقات بدلًا من أن تتناحر.
وفي المحصلة، فإن قيمة مقال القاضي عبدالعزيز البغدادي تكمن في تنبيهه إلى الخطر الذي يهدد المجتمعات حين تُستنزف طاقاتها البشرية في خدمة مشاريع الهيمنة والتجهيل، وحين يُستبدل العلم بالخرافة، والمواطنة بالولاءات المغلقة، والاختيار الشعبي بادعاءات الحق المقدس. غير أن تعزيز هذه الرسالة يقتضي، في تقديري، التمييز بين العلم والخرافة، وبين دراسة الأنساب وتقديسها، وبين التدين والتطرف، وبين الملكية الدستورية واحتكار الحكم باسم النسب، وبين نقد الروايات وإصدار أحكام مطلقة عليها.
فليس المطلوب أن نحارب المعرفة باسم محاربة الخرافة، وإنما أن نحرر المعرفة من التوظيف السياسي، وأن نحمي الدين من استغلاله في تكريس الاستبداد، وأن نحرر التاريخ من تحويله إلى أداة لتقسيم المواطنين إلى سادة وعبيد. فكرامة الإنسان لا تُورث، والحق في المواطنة لا يتوقف على النسب، والسلطة العامة ليست ملكا لعائلة أو جماعة، بل مسؤولية يحددها الدستور وتضبطها القوانين وتمنح شرعيتها إرادة المواطنين.
إن أخطر ما يمكن أن تخسره الأوطان ليس ثرواتها المادية وحدها، بل عقول أبنائها وأرواحهم وفرصهم في الحياة الكريمة. وحين يصبح الإنسان غاية الدولة لا وقودًا لمشاريع الاستبداد، وحين تتقدم الكفاءة على النسب، والمواطنة على الامتياز، والعلم على الخرافة، والانتخاب الحر على ادعاء الحق الإلهي في الحكم، يصبح بالإمكان استعادة الطاقات المهدرة، وبناء وطن يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات، ولا يعلو فيه أحد على القانون بسبب اسمه أو نسبه أو معتقده.



