مصطلح "القروية السياسية" لا يسيء إلى الانتماء القروي!
البعض يحتاج وقتًا طويلًا لكي يفهم ويستوعب مرامي أي طرح يصل إلى مسامعه، خصوصًا إذا جاء هذا الطرح من طرف أو كيان أو شخص يرى فيه ذلك البعض خصمًا يهدد أحلامه في اختزال الأوطان وقضاياها في محيط العقلية الضيقة سياسيًا وفكريًا، أيًا كانت تلك العقلية: قروية أو حزبية أو عائلية أو غيرها!
الأوطان والقضايا الوطنية الكبيرة تحتاج إلى عقليات واسعة المدارك متمردة على كل حدود جغرافيا القرية والعائلة والقبيلة والحزب والجماعة، فالأوطان مزيج من الثقافات المتعددة والمتنوعة، وأحيانًا المتضادة اجتماعيًا وسياسيًا وعقديًا، وتحتاج لإدارة شؤونها إلى عقليات منفتحة وليست منغلقة ومحصورة!
عندما نصف بعض الظواهر التي يطفح بها الواقع الجنوبي وتضيق بها آفاق التطلع إلى أي تقدم وحرية واستقرار بأنها تمثل نتاجًا لعقلية سياسية محصورة في العائلة أو القبيلة أو القرية أو المنطقة أو الجماعة أو الحزب، فنحن هنا نقرر واقعًا ولا نسيء إلى تلك التكوينات التي يمثل بعضها جزءًا من حركة تطور المجتمعات على مدى التاريخ، ونهدف إلى رفع وعي البعض المتخندق في زوايا تلك المسميات، والذي يريد إقناعنا بأن الأوطان على اتساعها، ستعود أو ستتحرر أو ستستقر من خلال السفر في دهاليز تلك المسميات الضيقة والعقليات المؤمنة بها!
نحن جميعًا أبناء قُرى ونعتز بانتماءاتنا إلى قُرانا ومجتمعاتنا، ولكننا نخجل أو نجد صعوبة في أن نسعى لتسجيل حضورنا على مستوى الوطن الأكبر من خلال قُرانا وأنسابنا وانتماءاتنا المناطقية، فالأوطان أكبر من كل تلك التجمعات، ومحاولة البعض اختزال الأوطان في تلك المسميات يستحق أن يطلق على أصحابها لقب رواد العقلية السياسية القروية وبامتياز!
في مجتمعنا الجنوبي اليمني تسابق البعض على الوصول إلى الجنوب واختطافه، وفي مضمار اندفاع هذا البعض داسوا على كثير من الفضائل والقيم والأخلاقيات، وللمتابع أن يمر على صفحات التواصل الاجتماعي وما يسمى الإعلام الجنوبي للتأكد من هذه الحقيقة المؤلمة ومن كم القاذورات التي تنتجها بعض تلك المواقع، والتي تؤكد أن المجتمع بات يعاني أزمة حقيقية في انحسار تلك الصفات التي تقوم على أساسها المجتمعات، ويكفي المجتمع الجنوبي بلاءً أن المتشدقين بتمثيله لا يجدون متعتهم إلا بالرقص على أنغام مفردات خطاب الصهيوني (نتنياهو وتابعه ترامب) المروجة لدعوات أبراهام المشبوهة!
ولا تنحصر مساوئ الاعتماد والاستناد إلى الانتماءات القروية والحزبية والقبلية على التبشير بمصطلح العقلية السياسية القروية فقط، بل تمتد لنصرة ذلك التبشير لتؤسس للتبعية والارتزاق والركون إلى الخارج والمساومة على قضايا الوطن وسيادته لتحقيق مآربها، فالوضع هنا يكون طبيعيًا حين تسود كل تلك المعيبات ساحة أي صراع يحاول فيه الصغير اختزال الأكبر منه والضعيف احتواء الأقوى منه، وحين تعجز عقلية القرية عن تحطيم جدرانها والخروج إلى أفق الوطن الأوسع، فتذهب إلى محاولة جر الوطن الواسع إلى زواياها الضيقة!
ليس هناك ما يمنع القروي من قيادة الأوطان شريطة أن يضع عقليته القروية الضيقة المحصورة على تلك المساحة الضيقة سياسيًا وجغرافيًا واجتماعيًا في دولاب والدته أو صندوق شيخ قريته أو قبيلته أو جماعته، وينطلق إلى الوطن الأكبر والأوسع بعقلية تستوعب ذلك الوطن بأكمله بتناقضاته الاجتماعية والسياسية والعقدية، فعربة الوطن أكبر من أن تجرها مقطورة القرية!
في ما يتعلق بالمشاريع المشبوهة والانغماس في التبعية لها والتي يتحسس البعض رؤوسهم كلما تحدثنا عنها، فنحن في هذا الصدد لا نفتري على أحد، بل نقرر واقعًا يتباهى به أصحابه حين يحملون على أكتافهم أعلام دول، وهم يدعون زورًا رئاسة دول أخرى، وحين يرفعون تقاريرهم المتعلقة بتصفية القُدم المالية إلى الجهات الخارجية التي صنعتهم وصنعت جماعاتهم، وحين يتحول خطابهم مع انفتاح أية نافذة (صدقة سياسية) جديدة تمنحهم التقدم في مواجهة القوى الأخرى الرافضة لتوجهاتهم المشبوهة، وحين يلوثون أسماع أتباعهم بخطابات مليئة بروائح الانبطاح الكريهة مثل خطاب "سيدي فلان" أو "نحن جنود بيد الملك علان يضرب بنا حيث يريد برًا أو بحرًا أو جوًا"، أو غيرها من العبارات التي لا تنتمي إلى قاموس السياسة، وحين تتخلى عناوين صفحاتهم عن رايتهم التي يأكلون من ورائها (عيش)، لتحتل مكانها صور شيوخ ورؤساء وأعلام دول المصروف اليومي والشهري والسنوي!



