الاشتراكي: من رصاصةِ جار الله إلى قاعاتِ التأبين
قُتل جار الله عمر في قلب المشهد، ومعه قُتلت روح الحزب وجذوته النضالية... وفي أتون الصراع المحتدم القائم حالياً على الساحة اليمنية، يبرز سؤال مصيري يفرض نفسه: أين اختفى الحزب الاشتراكي اليمني؟ وأين غابت قيادته؟ وأين احتجب الرفاق؟

لم يكن غياب جار الله عمر مجرد ترجل لقائد سياسي، بل كان اندحاراً للعقل الديناميكي والمشروع الرؤيوي الذي طالما صاغ التوافقات الوطنية وحافظ على الحزب في قلب المعادلة السياسية. ومما زاد الطين بلة، أن خلفه أبو بكر باذيب عجز عن سد تلك الثغرة الوجودية منذ عقد آخر مؤتمر عام للحزب عام العام 2005 حتى وافته المنية في 2021؛ ولن أنسى الأمين العام نفسه ياسين سعيد نعمان، إذ يبدو جلِيًا أنه اكتفى بالمكاسب والمنصب الممنوح له، متخليًا عن أمجاد الفكرة والشعار، ومبتعدًا عن تحقيق الأهداف والتطلعات، الأمر الذي كشف عن أزمة هيكلية حادة تتمثل في الارتهان لكاريزما الأشخاص غياب المأسسة التنظيمية، مما أدخل الحزب في حالة من الشلل الفكري والفاعلية السياسية.
لقد كان «الاشتراكي» مكوّنًا سياسيًا عتيدًا ومؤثرًا، ينافح كبار الفاعلين كـ«الإصلاح» و«المؤتمر» في نشاطه وقوته وصلابة منتسبيه، غير أن التحولات الجسيمة عَصَفت بأركانه في ظل غياب الراعي والداعم؛ فترتب على ذلك تشتت شمل قياداته، واستكان كلٌّ منهم لما بين يديه من مكتسبات فردية ومواقع دبلوماسية، تاركين الحزب لمصيره المجهول أمام تمدد الجماعات المسلحة والاستقطاب الطائفي والمناطقي الحاد الذي عجز نهجه المدني التقليدي عن مجاراته أو الحد من آثاره.
ولعل أبين شاهد على هذا التردي التنظيمي، أنني حضرتُ قبل فترة فعاليةً في مقر الحزب بصنعاء، وكانت ذات طابع تأبيني -على ما أعتقد- وهي لعمري الصورة المصغرة لواقع الحزب ككل؛ إذ إن كافة أنشطته وحراكه منذ عام 2017م باتت تدور في فلك التأبين ولا شيء غيره. ومن هذا المنطلق، فإن تحول الحزب إلى "حارس للذاكرة ومقيم للمآتم" يجسد حالة جلية من الانكفاء على الماضي والاستغراق في استذكار الأمجاد، سدًّا لثغرة العجز عن التعاطي مع الحاضر أو رسم خريطة طريق للمستقبل.
وبالرغم من هذا القتم المشهدي، لا تزال النواة الصلبة نابضةً بالحياة؛ فخلال تواجدي في تلك الفعالية، لمستُ حضورًا لافتًا لشبان وشابات، وكبار وصغار، ومثقفين وقيادات، ورأيتُ في ملامحهم حرقة وتطلعًا أصيلًا لمعاني الحرية، والاستقلال، والكرامة. بيد أن هذه الطاقة الجماهيرية والتوق الشبابي يصدمان بفجوة جيلية حادة وعزلة بين القواعد وقيادتها المنقطعة عن الواقع.
وبناءً على ما تقدم، فإن تلك الوجوه المفعمة بالأمل تؤكد يقينًا أن الحزب لا يزال يختزن مقومات النهوض، إلا أن شريطة ذلك تتطلب جهدًا تنظيميًا حثيثًا وإعادة هيكلة شاملة تضخ دماءً جديدة في شرايين هيئاته القيادية لتجاوز أسلوب الإدارة التقليدية، بالتوازي مع تحديث الأدبيات الفكرية والمسودة السياسية وتطويرها لتواكب متطلبات الشارع الراهن؛ كي يعود الحزب مجددًا فاعلًا حيًا يخرج من ضيق قاعات التأبين إلى سعة ميادين الفعل السياسـي، حاملًا بصدق طموحات الشباب اليمني وتطلعاته نحو الغد.



