الأربعاء 28 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • حين تخدع الشعاراتُ العقول… اليمن الذي لا يعرفه كثير من العرب

حين تخدع الشعاراتُ العقول… اليمن الذي لا يعرفه كثير من العرب

مؤسف أن يتحدث كثير من المثقفين والسياسيين والناشطين العرب عن اليمن وهم لا يعرفون، أو لا يريدون أن يعرفوا، ماذا حدث لليمنيين طوال أكثر من عقدين.

قبل أن يسمع العالم شعارات «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل» بوصفها مادة يومية في الخطاب السياسي والإعلامي لجماعة الحوثي، كان اليمنيون أنفسهم يدفعون ثمن صعود هذه الجماعة دمًا وحربًا وتهجيرًا وانقسامًا.

بدأت حروب صعدة منذ عام 2004، وتعاقبت ست جولات من المواجهات المسلحة التي استنزفت الدولة والمجتمع وسقط فيها آلاف اليمنيين بين قتيل وجريح ومهجّر. ولم تكن المشكلة مجرد خلاف سياسي مع السلطة، بل كانت تتنامى في قلبها رؤية مذهبية وسلالية تعتبر الحكم حقًا لفئة بعينها، وتمنح النسب مكانة سياسية ودينية فوق المواطنة المتساوية.

وهنا تكمن القضية التي يجهلها كثيرون خارج اليمن.

نحن لا نتحدث فقط عن جماعة مسلحة اختلفت مع حكومة، بل عن مشروع سياسي وعقائدي يرى أن لجماعة محددة، استنادًا إلى النسب، أحقية في الحكم والقيادة والامتيازات المالية والاجتماعية. وفي خطابها وممارساتها تبرز مفاهيم من قبيل «الخُمس» والاصطفاء و«الولاية»، وهي مفاهيم تضع المجتمع عمليًا أمام طبقات غير متساوية في الحقوق والسلطة.

ثم جاء 21 سبتمبر 2014.

دخلت الجماعة صنعاء بقوة السلاح، وسيطرت تدريجيًا على مؤسسات الدولة ومعسكراتها ووزاراتها، ووُضع رئيس الجمهورية والحكومة تحت الضغط والقوة المسلحة، قبل أن تنفتح البلاد على واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخها الحديث.

منذ ذلك اليوم لم يعد الأمر مجرد خلاف سياسي.

ظهر ما يسمى بـ«المشرف» في الوزارات والمؤسسات والمصالح الحكومية؛ شخص يتبع الجماعة ويتمتع في الممارسة بنفوذ يتجاوز أحيانًا الوزير أو المدير أو المسؤول الرسمي. وأصبحت مؤسسات الجمهورية التي يفترض أن تخضع للقانون والدستور واقعة تحت سلطة موازية تستمد قوتها من السلاح والانتماء للجماعة.

أُغلقت وسائل إعلام، وتعرض معارضون وناشطون للاعتقال والملاحقة، وصودرت ممتلكات، وفُجرت منازل في سياق الصراع، وتعرضت الحياة السياسية والمجتمعية إلى تضييق واسع.

وامتدت المعركة إلى المدرسة أيضًا.

تغيرت مضامين تعليمية وثقافية، وأصبحت المناهج والأنشطة المدرسية جزءًا من معركة تشكيل الوعي لدى الأطفال والأجيال الجديدة، في الوقت الذي تحول فيه الأطفال أنفسهم إلى إحدى أكثر الفئات تضررًا من الحرب والتجنيد والاستقطاب العقائدي.

وتوقف دفع رواتب أعداد هائلة من الموظفين لفترات طويلة، بينما استمر كثير منهم في أداء أعمالهم تحت ظروف اقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة.

وتشرد ملايين اليمنيين داخل البلاد وخارجها.

أسر كاملة فقدت منازلها وأعمالها ومدخراتها. أطباء وأساتذة جامعات ومهندسون ورجال أعمال وطلاب انتشروا في القاهرة والرياض وعمّان وماليزيا وتركيا وأوروبا وأمريكا وغيرها، ليس بحثًا عن حياة مترفة، وإنما هربًا من حرب سلبت منهم الدولة والأمن والاستقرار.

ومع ذلك، يأتي من بعيد من لا يعرف شيئًا عن كل هذه المأساة ليختزل الجماعة كلها في شعار:

«الموت لأمريكا… الموت لإسرائيل».

وهنا تكمن واحدة من أكبر مشكلات العقل السياسي العربي:

الانبهار بالشعار بدل فحص السلوك.

لا يكفي أن تقول إنك تقاوم إسرائيل لكي تصبح عادلًا مع شعبك.

ولا يكفي أن ترفع علم فلسطين لكي تحصل على صك براءة من كل ما تفعله داخل بلدك.

القضية الفلسطينية قضية عادلة ومركزية في الوجدان العربي والإنساني، ولا ينبغي أن تتحول إلى غطاء يمنح أي جماعة أو نظام حصانة أخلاقية من النقد والمساءلة.

من يقف مع فلسطين حقًا يجب أن يقف أيضًا مع الإنسان اليمني والسوري والعراقي واللبناني عندما تُنتهك حقوقه، لأن العدالة لا تتجزأ.

ولا يمكن أن نرفض قتل المدني الفلسطيني ثم نصمت أمام قتل المدني اليمني.

ولا يمكن أن نطالب للفلسطيني بحقه في الدولة والكرامة والحرية، ثم نتسامح مع مشروع ينزع من اليمني حقه في المواطنة المتساوية ويصنف الناس وفق النسب أو المذهب أو الولاء.

لقد أثبتت تجارب المنطقة أن الشعارات الكبيرة يمكن أن تتحول إلى أدوات شديدة الفاعلية في تضليل الجماهير.

إيران وأذرعها في المنطقة رفعت طوال عقود شعارات تحرير فلسطين ومواجهة أمريكا وإسرائيل، لكن شعوبًا عربية دفعت في الوقت ذاته أثمانًا باهظة من الاستقطاب والحروب الأهلية والانهيار الاقتصادي وتفكك مؤسسات الدولة.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مثقف عربي على نفسه ليس:

ماذا تقول هذه الجماعة؟

بل:

ماذا تفعل بالناس الذين تحكمهم؟

كيف تتعامل مع المواطن المختلف عنها؟

هل تحترم الدولة والقانون؟

هل تؤمن بتداول السلطة؟

هل تقبل بالمواطنة المتساوية؟

هل يستطيع الإنسان أن يعارضها دون أن يخشى على حياته وحريته وماله؟

هل تقبل أن يحكمها شخص لا ينتمي إلى سلالتها أو مذهبها أو جماعتها؟

هذه هي الأسئلة التي تكشف حقيقة أي مشروع سياسي، وليس عدد المرات التي يردد فيها شعارات فلسطين أو أمريكا أو إسرائيل.

مؤسف أن يعيش جزء من النخبة العربية حتى اليوم على ذاكرة سياسية عمرها نصف قرن، وكأن العالم لم يتغير.

مؤسف أن تتحول المواقف السياسية إلى ردود أفعال عاطفية لا إلى قراءة للوقائع.

ومؤسف أكثر أن يصبح اليمني الذي عاش المأساة مطالبًا بإقناع شخص لم يقرأ تاريخ اليمن الحديث بأن ما عاشه حقيقة، بينما يكتفي الآخر بمشاهدة خطاب أو صاروخ أو شعار فيقرر من القاهرة أو بيروت أو لندن من هو المقاوم ومن هو الضحية.

اليمنيون يعرفون من قتل أبناءهم.

ويعرفون من هدم دولتهم.

ويعرفون من حول مدارس أبنائهم إلى ساحات تعبئة عقائدية.

ويعرفون من صادر السياسة لصالح السلاح.

ولا يحتاج اليمني إلى من يشرح له من بعيد حقيقة ما عاشه بنفسه.

نحن لسنا أمام صراع شعارات.

نحن أمام سؤال أعمق بكثير:

هل يكون الإنسان مواطنًا كامل الحقوق لأنه إنسان وينتمي إلى وطن، أم يصبح تابعًا لسلالة أو طائفة أو جماعة مسلحة تدعي امتلاك حق إلهي في الحكم؟

هنا يبدأ النقاش الحقيقي.

أما فلسطين، فستظل قضية شعب يستحق الحرية والدولة والكرامة، ولن تكون ملكًا لإيران، ولا للحوثيين، ولا لأي حزب أو جماعة تستخدم دماء الفلسطينيين لتجميل صورتها أو لتبرير سلطتها على شعب آخر.

من يريد أن ينصر فلسطين، فليبدأ باحترام الإنسان.

فالحرية لا يمكن أن تُبنى بالاستعباد،

والعدالة لا يمكن أن تُدافع عنها بالتمييز،

وكرامة الفلسطيني لا يمكن أن تكون مبررًا لإهدار كرامة اليمني.

والشعارات، مهما علت، لا تمحو حقائق الأرض.