ذاكرة الضوء
تعز... ليست مدينة تُكتب، بل وجعٌ يسكن القلب.
هناك مدنٌ تُعرف بحدودها، وتعز تُعرف بأثرها. مدنٌ تُقاس بمساحتها، وتعز تُقاس بما زرعته في أرواح اليمنيين من علمٍ وثقافةٍ وكرامة. ليست حجرًا وجبالًا فحسب، بل ذاكرة وطن، وحلم أمة، ووجعًا ظل يحمل وجع الجميع حتى أثقله وجعه.
تعز... المدينة التي حملت هموم اليمن على كتفيها حتى أثقلتها الجراح، ووشمتها ندوب الغدر والانتقام.
هي الحالمة التي فتحت دروب المعرفة والثقافة والفن والمواطنة إلى عقول أبناء اليمن جميعًا، فإذا بها تُحاصَر، وتُغلق الطرق من حولها، وكأن العقاب أصبح نصيب المدينة التي اختارت أن يكون سلاحها الكتاب لا البندقية.
مدينة الحرية التي أرسلت أبناءها ليضيئوا مدن اليمن وقراه، تعيش اليوم بين ظلام الحصار والحرب والخذلان، وتدفع ثمن إيمانها بمشروع الدولة المدنية التي تتسع لكل اليمنيين.
لم تطلب يومًا من أحد أن يرد لها الجميل، ولم تنتظر تمثالًا يُقام لها، ولا قصيدة مديح، ولا معلقة شكر. كانت تؤمن أن العطاء الحقيقي لا ينتظر التصفيق، وأن الوطن لا يُخدم طلبًا للثناء، بل وفاءً له.
لم تكن يومًا مدينةً تعيش لنفسها، بل كانت، وما تزال، عقل اليمن المستنير وقلبه النابض.
من مدارسها خرج المعلمون، يحملون الطباشير والكتب، ويقطعون السهول والجبال ليزرعوا في عقول الأطفال الحروف الأولى، ويغرسوا في نفوسهم نور المعرفة، وقيم الفكر، والتنوير، وقبول الآخر.
ومن أبنائها خرج الأطباء يداوون الأوجاع، والمهندسون يبنون ويعمرون، والعمال يكدحون بعرق جباههم، والتجار وأصحاب الشركات والمصانع والبنوك والمطاعم ينشرون خبراتهم وأرزاقهم في كل مدينة وقرية من اليمن.
لم تسأل أحدًا يومًا: من أين أنت؟ ولا إلى أي قبيلة تنتمي. لذلك أحبها كل من زارها، وعشقها كل من سكن فيها.
أرسلت أبناءها إلى كل شبر من الوطن، ولم ترسل معهم رصاصًا، ولا سلاحًا، ولا كراهية؛ بل أرسلت علمًا، وفكرًا، وثقافةً، وفنًا، ودواءً، وعملًا، وخبزًا، ومحبة.
كم من طفلٍ يمني تعلّم على يد معلمٍ من تعز؟ وكم من مريضٍ خفّ ألمه على يد طبيبٍ من تعز؟ وكم من بيتٍ ارتفع بسواعد رجالها؟ وكم من أسرةٍ وجدت رزقها في مشروع أقامه أحد أبنائها؟
لم تكن تُحصي ما تعطي، لأنها لم تعتبر عطائها فضلًا على أحد، بل واجبًا تجاه وطن أحبته، وآمنت بأن نهضته لا تكتمل إلا بنهضة جميع أبنائه.
لكن انظروا إليها اليوم... مدينةً تحاصرها خناجر الغدر والانتقام، مغروسةً في جسدها من كل اتجاه.
كل ما كانت تتمناه ألا تُنسى أيادي أبنائها، وألا يُترك أطفالها فريسةً للرصاص والجوع والخوف والجراح، وألا تصبح المدينة التي علّمت الآخرين معنى الحياة عاجزةً عن أن تعيش بسلام.
يا أهل اليمن...
إن نسيتم اسمها، فتذكروا معلمًا من أبنائها علّمكم، أو طبيبًا عالجكم، أو مهندسًا شيّد لكم، أو صاحب شركةٍ أو بنكٍ أو مشروعٍ وفر لكم فرصة عمل أو لقمة عيش كريمة، أو عاملًا بنى بيوتكم، أو رجلًا من تعز شارككم رغيفه قبل أن يسألكم عن أسمائكم.
لم تطلب منكم أن تحبوها أكثر من مدنكم، بل أن تتذكروا أنها كانت، وما تزال، وستبقى جزءًا من ذاكرة كل مدينة في اليمن، وجزءًا من حكاية كل بيتٍ عرف العلم، أو الطب، أو العمل، أو الثقافة.
فإن خفتت في اليمن مصابيح كثيرة، فسيبقى في تعز فتيلٌ يقاوم العتمة. وإن انكسرت أحلام المدن، فسيظل في قلبها حلمٌ يرفض الانكسار.
ستبقى تعز... ليست لأنها مدينة بلا ألم، بل لأنها مدينة حوّلت الألم إلى رسالة، والحصار إلى صبر، والجراح إلى كرامة، والعلم إلى وطن.
فإذا سأل التاريخ يومًا: من أشعل أول شمعة في هذا الليل الطويل؟ فسيكتب، بمدادٍ من وفاء: مرّت من هنا تعز... ومضت تاركةً في القلوب نورًا لا ينطفئ.



