الثلاثاء 27 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • هل تنهي تفاهمات طهران حرب اليمن أم تكرس انقسامه؟

هل تنهي تفاهمات طهران حرب اليمن أم تكرس انقسامه؟

يفتح اجتماع دول حلف مكة مع إيران في طهران الباب أمام احتمال إعادة ترتيب التعامل الإقليمي مع الأزمة اليمنية ضمن تفاهمات أوسع تتصل بأمن السعودية والخليج والملاحة الدولية ومنع اتساع الحرب، فالهدف المعلن للمباحثات هو خفض التصعيد ودعم جهود الوساطة، لكن دلالتها بالنسبة لليمن تتمثل في إمكانية الانتقال من محاولة حسم المواجهة إلى البحث عن قواعد تضبطها وتحد من امتدادها خارج الحدود. ومن المرجح أن يبدأ أثر هذا المسار بمحاولة وقف الهجمات وتبادل الضمانات الامنية قبل التقدم نحو الملفات السياسية الأكثر تعقيدًا، ولذلك فإن الاجتماع يفتح احتمالًا للتهدئة، لكنه لا يكفي وحده للاستنتاج بأن تسوية يمنية شاملة أصبحت قريبة.

وقد تتجه السعودية إلى توسيع سياسة الاحتواء عبر الجمع بين الردع العسكري والضغط السياسي والحوافز الاقتصادية بهدف تقليل كلفة الصراع وحماية حدودها ومنشآتها ومصالحها التنموية، ويمكن لهذا النهج أن يحقق لها مكاسب أمنية حتى مع استمرار الحوثيين طرفًا مسيطرًا داخل اليمن، لكن استدامة هذه المكاسب تتوقف على وجود التزامات واضحة وآليات للتحقق من تنفيذها. والخطر هنا أن يصبح وقف التهديد الموجه إلى الخارج بديلًا عن معالجة أسباب الحرب في الداخل، فتستقر الحدود بينما يستمر الانقسام اليمني وتتعمق أزمة المؤسسات والاقتصاد، ولهذا ستكون قيمة التفاهمات مرتبطة بقدرتها على وصل أمن الجوار باستقرار اليمن واستعادة مؤسساته.

أما ردة فعل الحوثيين فالأرجح أن تتحدد وفقًا لما سيعرض عليهم وما سيطلب منهم، فقد يبدون مرونة محسوبة إذا وجدوا في التهدئة فرصة لتخفيف الضغوط وتحسين الوضع الاقتصادي وتعزيز حضورهم التفاوضي، وقد يقدمون أي تنازلات باعتبارها ثمرة لصمودهم وقدرتهم على فرض شروطهم، لكنهم قد يقابلون المسار بالتشدد إذا شعروا بأن التفاهمات تصاغ على حساب نفوذهم أو تقيد سلاحهم دون مقابل واضح. ومن المحتمل أيضًا أن يجمعوا بين خطاب يؤيد السلام وتحركات ميدانية ترفع كلفة تجاوزهم، ولذلك فإن اختبار موقفهم الحقيقي سيكون في السلوك والالتزام بالتهدئة ومدى استعدادهم لقبول شراكة سياسية داخلية.

ويبقى صدور رد فعل حوثي مستقل خارج سياق هذه التفاهمات احتمالًا قائمًا، فلا يصح افتراض أن علاقتهم بإيران تلغي حساباتهم المحلية أو تمنح طهران تحكمًا كاملًا في قراراتهم، فقد ترى الجماعة أن تثبيت سلطتها أو الحفاظ على التعبئة الداخلية أو منع تراجع وزنها الإقليمي يتطلب تصعيدًا لا يتطابق مع توقيت التهدئة الإيرانية، وقد يأخذ ذلك شكل خطاب متشدد أو تحرك عسكري محدود أو تعطيل لبعض خطوات التفاوض، غير أن استقلال القرار يظل مقيدًا بكلفة المواجهة وحاجتهم إلى الدعم والموارد، وخشيتهم من فقدان الغطاء السياسي. كما أن أي تصعيد محتمل لن يكون دليلًا كافيًا وحده على خلاف مع إيران، إذ قد ينتج عن تعثر التفاوض أو محاولة تحسين الشروط.

ومن ثم فإن مستقبل اليمن بعد اجتماع طهران سيتوقف على قدرة الأطراف على تحويل التهدئة الإقليمية إلى التزامات يمنية متبادلة تعالج الأمن والاقتصاد والسلطة معًا، فإذا اقتصرت النتائج على ضبط الحوثيين خارج الحدود فقد تنشأ حالة من الاستقرار الإقليمي فوق انقسام يمني طويل، أما إذا فتحت التفاهمات طريقًا لوقف شامل للحرب وصرف المرتبات واستعادة المؤسسات وحوار يعالج القضية الجنوبية ويضمن المشاركة السياسية، فإنها قد تصبح مدخلًا لسلام قابل للاستمرار. والمطلوب من القوى اليمنية أن تتقدم بمشروع واضح يحفظ مصالح المجتمع ويمنع اختزال البلاد في ملف تهديد أمني، فنجاح أي تفاهم سيقاس بقدرته على تحسين حياة اليمنيين وإنهاء أسباب تجدد الحرب.