الفساد الإداري في اليمن.. من يدفع الثمن؟
ليس أخطر من الفقر إلا أن تُهدر موارد الدولة، وليس أشد إيلامًا من حاجة المواطن إلا أن يجد أبواب المؤسسات مغلقة أمامه، بينما تُفتح الأبواب لغيره بفعل النفوذ والمحسوبية. هنا لا يعود الفساد الإداري مجرد مخالفة للقانون، بل يتحول إلى أزمة تمس كرامة الإنسان، وتضعف ثقته بالدولة، وتسرق من المجتمع فرصه في الحياة الكريمة.
في اليمن، حيث أثقلت سنوات الصراع كاهل المواطنين، وتراجعت الخدمات الأساسية، وأصبحت متطلبات الحياة اليومية عبئًا على كثير من الأسر، تزداد أهمية حماية المال العام ومحاسبة كل من يستغل موقعه الوظيفي لتحقيق مصالح خاصة. فالموارد المحدودة لا تحتمل الهدر، ومعاناة الناس لا تحتمل مزيدًا من التعطيل أو الاستغلال.
الفساد لا يسرق المال وحده؛ إنه يسرق الفرص أيضًا. يسرق فرصة المريض في الحصول على خدمة صحية مناسبة، وفرصة الطالب في تعليم أفضل، وفرصة الموظف الكفء حين تتقدم المحسوبية على الاستحقاق. وحين يصبح النفوذ أقوى من القانون، يشعر المواطن بأن حقوقه لم تعد مضمونة، وأن العدالة قد تتحول إلى امتياز لا حق للجميع.
لكن الفساد لا ينمو في الفراغ؛ فهو يجد بيئته المناسبة عندما تضعف الرقابة، وتتراجع الشفافية، وتغيب المساءلة، ويُطبَّق القانون بصورة انتقائية. ولذلك، فإن مواجهته لا تتحقق بالشعارات أو الحملات المؤقتة، وإنما بإصلاح مؤسسات الدولة، واستقلال الأجهزة الرقابية، وتعزيز دور القضاء، وربط الوظائف العامة بالكفاءة والنزاهة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الاعتداء على المال العام.
إن مكافحة الفساد ليست تصفية حسابات سياسية، ولا اتهامًا جماعيًا لموظفي الدولة؛ بل هي مسؤولية وطنية وقانونية تتطلب الأدلة والعدالة والمساواة أمام القانون. كما أن حماية المال العام مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والمجتمع والإعلام، الذي ينبغي أن يكشف الاختلالات بمهنية، بعيدًا عن التشهير والاتهامات غير المثبتة.
اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الوعود بمكافحة الفساد بقدر ما يحتاج إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية. يحتاج إلى مؤسسة تنجز معاملته دون رشوة، وإدارة تمنح الوظيفة لمستحقها، ومسؤول يدرك أن المنصب تكليف لا امتياز، وأن المال العام أمانة لا غنيمة.
فالدولة القوية لا تُبنى بكثرة الشعارات، وإنما بعدالة مؤسساتها ونزاهة إدارتها. وحين يصبح القانون فوق النفوذ، والمصلحة العامة فوق المصالح الشخصية، يمكن للمواطن أن يستعيد ثقته بأن الدولة وُجدت لخدمته، لا ليبحث عن وسيلة تحميه من تعسفها.
إن أخطر ما يتركه الفساد ليس المال الذي يضيع، بل الأمل الذي ينكسر.



