الأحد 1 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • الشرعية السياسية سلطة الشعب لا فوهات البنادق

الشرعية السياسية سلطة الشعب لا فوهات البنادق

تستمد السلطة السياسية شرعيتها من الشعب، باعتباره مصدر السلطة وصاحب الحق في اختيار من يحكمه، وتفويضه بإدارة الشأن العام وفق إرادته الحرة، وفي إطار قواعد دستورية وقانونية تضمن المساءلة والمحاسبة وتداول السلطة. فالشرعية السياسية لا تُصنع بالقوة، ولا تُمنح بفوهات البنادق، ولا تُفرض على ظهور الدبابات، وإنما تقوم على القبول الشعبي والاختيار الحر واحترام إرادة المواطنين وحقوقهم ومصالحهم.

وتعبر الشرعية السياسية عن مدى قبول المحكومين بسلطة الحاكم ونظام الحكم، واعترافهم بحقه في ممارسة السلطة وفق قواعد مشروعة ومتفق عليها. ولا يعني هذا القبول مجرد الخضوع للأمر الواقع أو الصمت تحت وطأة الخوف، بل يتجسد في حرية الاختيار والمشاركة السياسية والثقة بالمؤسسات والقدرة على محاسبة من يتولى المسؤولية. فالولاء الذي يُنتزع بالإكراه لا يعادل القبول النابع من الإرادة الحرة، والخضوع للقوة لا يمثل دليلًا على شرعية السلطة.

ويُعد صندوق الاقتراع الحر والنزيه إحدى أهم الوسائل الديمقراطية التي يختار الشعب من خلالها ممثليه والحكام الذين يتولون إدارة شؤونه. فمن خلال الانتخابات التنافسية، يعبّر المواطنون عن إرادتهم، ويمنحون تفويضهم لمن يرونه أهلًا للمسؤولية، مع احتفاظهم بحقهم في تجديد الثقة بهم أو استبدالهم عبر الوسائل الدستورية والقانونية. غير أن الشرعية الديمقراطية لا تتوقف عند الوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات، بل تستلزم احترام الدستور والقانون، وصيانة الحقوق والحريات، وضمان التعددية السياسية، والخضوع للمساءلة والمحاسبة، وإتاحة التداول السلمي للسلطة.

فالسلطة التي تصل إلى الحكم بالقوة المسلحة، أو تفرض نفسها على المجتمع من دون تفويض شعبي حر، لا تستطيع أن تجعل من سيطرتها الفعلية دليلًا كافيًا على شرعيتها السياسية. فالفرق جوهري بين امتلاك أدوات القوة وامتلاك الحق المشروع في الحكم؛ إذ قد تفرض القوة الأمر الواقع، لكنها لا تمنح صاحبها تلقائيًا حق تمثيل الشعب أو التحدث باسمه. وقد تتمكن البنادق من إخضاع الناس فترة من الزمن، لكنها لا تستطيع أن تحل محل إرادتهم، أو تحول الإكراه إلى رضا، أو الغلبة إلى شرعية ديمقراطية.

وتقتضي الشرعية السياسية أن تكون السلطة منبثقة من إرادة الشعب، ومقيدة بالدستور والقانون، وخاضعة للمساءلة والمحاسبة، ومسؤولة أمام المواطنين عن قراراتها وسياساتها ونتائج إدارتها للشأن العام. فالحاكم ليس مالكًا للسلطة، والشعب ليس تابعًا له؛ وإنما يتولى الحاكم مسؤولية عامة بموجب تفويض محدد، ويظل ملزمًا بأداء واجباته واحترام حقوق المواطنين، والامتناع عن استغلال موقعه لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية على حساب المصلحة العامة.

ومن مقتضيات الشرعية أيضًا أن تكون مدة الحكم محددة وفق القواعد الدستورية، وأن يظل تداول السلطة ممكنًا عبر انتخابات حرة ونزيهة، بما يمنع احتكار الحكم أو تحويله إلى امتياز دائم. فالسلطة مسؤولية مؤقتة، وليست ملكية خاصة، والمنصب العام تكليف لا تشريف، ولا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لفرض الإرادة أو احتكار النفوذ أو إقصاء المنافسين. وعندما تُعطَّل الانتخابات، وتُقيَّد الحريات، وتغيب المحاسبة، وتُحتكر القرارات، تتآكل شرعية الحكم مهما امتلك من أدوات القوة والسيطرة.

ولا تُقاس شرعية السلطة بمجرد بقائها في الحكم أو قدرتها على إخضاع المجتمع أو ما ترفعه من شعارات، بل بمدى استنادها إلى إرادة الشعب، واحترامها للقانون، والتزامها بحقوق المواطنين، وقدرتها على إدارة الشأن العام بمسؤولية وكفاءة. فالسلطة التي تتجاهل الناس، وتتعامل معهم باعتبارهم رعايا لا مواطنين، وتطالبهم بالطاعة من دون أن تقبل المساءلة، تبتعد عن جوهر الحكم الديمقراطي، مهما حاولت تبرير بقائها أو تقديم نفسها بوصفها الممثل الوحيد للمجتمع.

إن العلاقة السليمة بين الشعب والسلطة تقوم على التفويض والمساءلة، لا على التبعية والإذعان؛ وعلى المواطنة المتساوية، لا على الامتيازات والولاءات الشخصية؛ وعلى صندوق الاقتراع، لا على فوهات البنادق. فالشعب هو صاحب الحق في اختيار ممثليه، وتجديد الثقة بهم أو استبدالهم بالوسائل السلمية والقانونية. ومن دون هذه المبادئ، تفقد المشاركة السياسية معناها، ويتحول الحكم من مسؤولية عامة إلى سيطرة مفروضة على المجتمع.

إن ترسيخ الشرعية السياسية يقتضي الاعتراف بأن الشعب هو صاحب الحق في اختيار من يحكمه، وأن السلطة لا يجوز أن تضع نفسها فوق إرادته أو خارج نطاق المساءلة. فالحكم الرشيد يستند إلى الثقة لا الخوف، وإلى القانون لا السلاح، ويكتسب احترام المواطنين بالعدل والإنجاز وصيانة الكرامة الإنسانية، لا بالقهر وفرض الأمر الواقع.

الشعب أبقى، والسلطة مؤقتة وزائلة. هذه هي القاعدة التي ينبغي أن تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم؛ فالمناصب تتغير، والحكومات تتبدل، وموازين القوة لا تدوم، لكن الشعب يظل صاحب الحق في اختيار من يتولى شؤونه وتحديد المسار الذي يريده لمستقبله. ومن هنا، فإن الشرعية السياسية الحقيقية لا تُفرض على الشعب، بل تنبع من إرادته الحرة، ولا تُصان بالقوة، بل باحترام حقوقه، ولا تستمر بالاستئثار بالحكم، بل بالالتزام بالدستور والقانون والديمقراطية والمساءلة والتداول السلمي للسلطة. فالبنادق قد تفرض حاكمًا، لكنها لا تمنحه حق الشعب في اختياره، والقوة قد تفرض واقعًا، لكنها لا تصنع وحدها شرعية.