انتخابات إسـ..رائيل 2026: انسداد سياسي مزمن وصوت عربي يبعثر أوراق الائتلافات
تتجه إسـ..رائيل مجددًا نحو مرحلة معقدة من الغموض والجمود السياسي، بعد أن كشفت النتائج النهائية للانتخابات التشريعية للكنيست الـ26 عن خارطة سياسية مأزومة ومستعصية على الحل؛ فلا معسكر رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو نجح في تأمين الأغلبية اللازمة للحكم، ولا معسكر المعارضة بقيادة رئيس أركان الجيش الأسبق غادي آيزنكوت تمكن من حسم معركة إسقاطه بشكل قاطع. هذا الانسداد الهيكلي يعيد تقديم المشهد السياسي الإسرائيلي ليس كمجرد تنافس انتخابي، بل كأزمة بنيوية عميقة تفتقر إلى الأفق الاستراتيجي.
وفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، فقد استقر معسكر نتنياهو عند 53 مقعدًا (تصدرها حزب الليكود بـ27 مقعدًا)، في حين حصد معسكر المعارضة 48 مقعدًا (توزعت بين حزب "ياشار" بزعامة آيزنكوت بـ21 مقعدًا، وحزب "بياحاد" بقيادة نفتالي بينيت بـ12 مقعدًا، وقوى أخرى). ومع بقاء المعسكرين بعيدين عن عتبة الـ61 مقعدًا المطلوبة لتشكيل الحكومة، برز القطب الثالث المتمثل في الأحزاب العربية التي حققت اختراقًا تاريخيًا غير مسبوق بحصدها 19 مقعدًا في الكنيست.
إن هذا الارتفاع القياسي في تمثيل الصوت العربي، الذي قادته القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة، جاء مدفوعًا بنسبة مشاركة تاريخية بلغت نحو 77.7% من الناخبين الفلسطينيين في الداخل. ورغم أن هذا الصعود نجح عمليًا في قطع طريق الأغلبية أمام اليمين المتطرف وحرم نتنياهو من حسم الائتلاف فورًا، إلا أنه يضع النظام السياسي الإسرائيلي أمام مرآة عنصريته؛ حيث ترفض قطاعات واسعة من أحزاب المعارضة اليهودية، لأسباب أيديولوجية وانتخابية، بناء شراكة رسمية أو الاعتماد المباشر على النواب العرب لتشكيل الحكومة.
أمام هذا الاستعصاء، تلوح في الأفق عدة سيناريوهات أحلاها مرّ بالنسبة للشارع الإسرائيلي:
حكومة أقلية هشّة: قد يحاول غادي آيزنكوت تمرير حكومة معارضة تعتمد على دعم الأحزاب العربية من الخارج أو امتناعها عن التصويت، وهو خيار تحيط به حقول ألغام سياسية واعتراضات من شركائه في اليمين كأفيغدور ليبرمان.
سوق المقايضات ومناورات اللحظة الأخيرة: يراهن نتنياهو – المستمر في منصبه كرئيس لحكومة تصريف أعمال – على كسر الجمود عبر تقديم "جوائز ترضية" وحقائب سيادية لاستمالة منشقين أو إقناع أحزاب حريدية بتقديم تنازلات في ملفات شائكة مثل قانون التجنيد.
الهروب نحو التصعيد الأمني: يخشى مراقبون من أن تدفع حالة الانسداد الحالية نحو افتعال أزمات أمنية أو تصعيد عسكري في الضفة الغربية أو الجبهات الإقليمية، بهدف خلق "أجواء طوارئ" تفرض حكومة وحدة وطنية وتنقذ نتنياهو من الإطاحة.
انتخابات مبكرة جديدة: في حال فشل كافة المفاوضات، سيكون الخيار التلقائي هو العودة إلى صناديق الاقتراع، مما يعيد الأزمة برمتها إلى نقطة الصفر ويُبقي البلاد في دوامة شلل دستوري ممتد.
في المحصلة، تُثبت انتخابات 2026 أن صناديق الاقتراع في تل أبيب لم تعد تنتج حلولًا، بل تعيد توزيع أوراق اللعب في حلقة مفرغة. وبينما تظل الحسابات الحزبية رهينة الائتلافات المعقدة، فإن الثابت الوحيد هو أن الأزمة السياسية في إسرائيل لم تعد أزمة شخوص أو برامج، بل هي أزمة نظام بنيوي منقسم على نفسه، وعاجز عن إيجاد صيغة حكم مستقرة في خضم تحديات إقليمية ومحلية متفجرة.



