حين يُدان رد الفعل ويُنسى الفعل.. من يصنع الصراع في اليمن ومن يدفع ثمنه؟
من الصعب إصلاح مجتمع يشيع فيه الفساد والنهب والخيانة، ويظل بعض أفراده يعتبرون النقد إهانة، والاختلاف خيانة، والمطالبة بالإصلاح عداوة. فالمشكلة لا تكمن في وقوع الأخطاء وحدها، بل في رفض الاعتراف بها، ومحاربة كل من يحاول كشفها أو الدعوة إلى معالجتها. وحين يصبح الدفاع عن الصورة أهم من إصلاح الواقع، يتحول النقد إلى خصومة، ويصبح التهرب من المسؤولية وسيلة لحماية الأخطاء وإدامتها.
ولعل ما يدور في يمننا اليوم يقدم صورة مؤلمة لهذه المفارقة؛ فبعد سنوات طويلة من الصراع، لا يزال كل طرف يستحضر مظالمه، ويعدد أخطاء خصومه، ويقدم نفسه بوصفه صاحب الحق المطلق، بينما يتراجع الاعتراف بالأخطاء ومراجعة الذات أمام الرغبة في تبرير المواقف والانتصار للروايات الخاصة. وبين هذه المواقف المتعارضة، يقف المواطن اليمني مثقلًا بالخوف والفقر والحرمان، يدفع ثمن صراع لا يملك وحده قرار إنهائه، ولا يستطيع أن يتحكم في نتائجه.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي ألا نتجاوزه: من يصنع الصراع، ومن يدفع ثمنه؟ ومن يبدأ الأذى، ثم يتنصل من مسؤوليته عندما تتغير الظروف؟ ولماذا يُسلَّط الضوء أحيانًا على رد فعل المتضرر، بينما تُهمَل الأسباب التي أوصلته إلى تلك اللحظة؟
من أكثر المفارقات إيلامًا في العلاقات الإنسانية أن يمارس الإنسان الأذى بحق الآخرين، ثم يستنكر أن يواجه نتائج أفعاله، وأن يتجاهل معاناة من ظلمهم، ثم يتقمص دور الضحية عندما تتغير موازين الموقف. يريد من الآخرين أن يتفهموا مشاعره، بينما لم يمنحهم يومًا حق الشعور، ويطالبهم بالسلام، بينما لم يتوقف عن ممارسة ما يهدمه.
وقد نرى شيئًا من هذه المفارقة في الخطاب السياسي اليمني، حين يركز كل طرف على ما تعرض له من ظلم، لكنه لا يمنح القدر نفسه من الاهتمام لما يُنسب إلى جانبه من انتهاكات أو أخطاء. وقد تتحول المظلومية، التي يفترض أن تكون مدخلًا إلى تحقيق العدالة، إلى وسيلة لتبرير ممارسات جديدة، وكأن مظالم الماضي تمنح أصحابها حقًا مفتوحًا في اتخاذ القرارات أو انتهاك حقوق الآخرين.
لكن الحقيقة التي ينبغي أن نتمسك بها هي أن المظلومية لا تمنح أحدًا حصانة من المحاسبة، كما أن إدانة أخطاء طرف لا تعني تبرئة الطرف الآخر. فلا يجوز أن تكون مظالم الأمس تصريحًا مفتوحًا لارتكاب مظالم اليوم، ولا أن تتحول معاناة فئة من اليمنيين إلى مبرر لتجاهل معاناة فئة أخرى. فالعدالة لا تتجزأ بحسب هوية المتخاصمين، ولا تتغير مبادئها بتغير مواقع القوة والضعف.
قد يكون الانتقام في بعض صوره تعبيرًا عن العجز أو الغضب أو الرغبة في رد الألم بالألم، وقد يتحول إلى سلوك مدمر لا يعيد الحقوق ولا يحقق الاستقرار. لكن الحكم على رد الفعل بمعزل عن الفعل الذي سبقه لا يكشف الحقيقة كاملة؛ فهناك فرق بين من يبدأ الأذى ويصر عليه، ومن يجد نفسه في مواجهة أذى متواصل ويحاول إيقافه أو الخروج من دائرته.
إن اختزال المشكلة في رد فعل المظلوم، مع تجاهل الأفعال التي سبقته، نوع من الانتقائية في الحكم، وقد يتحول إلى وسيلة تمنح المعتدي حصانة أخلاقية، وتضع المظلوم موضع الاتهام مرتين: مرة حين وقع عليه الظلم، ومرة حين حاول الخروج من دائرته. وليس من العدل أن نحاكم الإنسان على صوته حين يصرخ من الألم، ونتجاهل اليد التي دفعته إليه، أو أن نراقب لحظة انفجار الأزمة ونغفل تاريخًا طويلًا من التجاوزات التي صنعتها.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا نجعل المظلومية مبررًا مفتوحًا للانتقام، وألا نمنح كل رد فعل صفة الحق لمجرد أن صاحبه تعرض للظلم. فمن حق المظلوم أن يطالب بالإنصاف، وأن يدافع عن كرامته، وأن يسعى إلى استرداد حقوقه بالوسائل المشروعة، لكن ليس من حق أحد أن يجعل الألم مبررًا لإيذاء الأبرياء أو انتهاك حقوق الآخرين. فالتصحيح لا يعني الانتقام، واسترداد الحق لا يعني استباحة حقوق الغير، ومواجهة المعتدي لا تستلزم تبني منطقه.
وفي اليمن، لا يمكن أن يتحقق السلام بمجرد أن يعلن المتخاصمون رغبتهم فيه، أو أن يتبادلوا الدعوات إلى التسامح بينما تظل أسباب المعاناة قائمة. فالمواطن الذي فقد مصدر رزقه، أو عجز عن توفير الدواء لأطفاله، أو اضطر إلى بيع ممتلكاته لتأمين احتياجات أسرته، لا يستطيع أن يستعيد شعوره بالأمان بمجرد سماع خطاب سياسي جديد. إنه يحتاج إلى ما يلمسه في حياته اليومية من عدالة وأمان وخدمات وحقوق مصونة، وإلى ضمانات حقيقية تمنع تكرار ما عاناه.
وليس كل من يرفع شعار السلام يسعى بالضرورة إلى تحقيقه؛ فقد يصبح السلام عند البعض مجرد عودة الآخرين إلى الصمت، وقبولهم بالأمر الواقع، والتنازل عن حقوقهم حتى تستقر مصالح من أضروا بهم. وهنا يتحول السلام من دعوة إلى إنهاء الظلم إلى وسيلة لتجنب مواجهة أسبابه. فالسلام الذي يطلب من المظلوم أن ينسى، دون أن يطالب المسؤول عن ظلمه بأن يتوقف ويصحح ما أفسده، لا يعالج الجرح، بل يطلب من صاحبه إخفاءه.
ومن المؤلم أن يصبح التسامح واجبًا على المتضرر وحده، بينما تظل مراجعة الذات مؤجلة، وأن يُطلب من المواطن الصبر إلى أجل غير معلوم، بينما لا يجد إجابات مقنعة عن راتبه أو معيشته أو أمنه أو مستقبل أبنائه. وهكذا يصبح الصمت فضيلة حين يتعلق الأمر بالمطالبة بالحقوق، ويصبح الاعتراض مشكلة، ويُعامل النقد أحيانًا وكأنه تهديد، بدلًا من أن يكون وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتصحيحها.
إن الوطن الذي يخاف فيه المسؤول من النقد، أو تعتبر فيه الجماعة اختلاف الناس معها خيانة، أو يُتهم فيه المواطن لمجرد مطالبته بحقه، لا يستطيع أن يبني حياة سياسية واجتماعية سليمة. فالوطنية ليست أن توافق المسؤول في كل ما يفعل، وليست أن تبرر أخطاء جماعتك أو حزبك أو الطرف الذي تؤيده؛ بل أن تضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة، وأن تمتلك الشجاعة للاعتراف بالخطأ، حتى عندما يصدر ممن تتفق معه.
ولا يمكن فهم الصراع اليمني من خلال الشعارات وحدها، بل ينبغي النظر إلى أسبابه ومراحله ونتائجه، وإلى القرارات التي أطالت أمده، والفرص التي أُهدرت لإنهائه، والمصالح التي استفادت من استمراره، والأثمان التي دفعها المواطنون. فليس السؤال فقط من انتصر في هذه المعركة أو تلك، بل ماذا بقي للمواطن بعد كل هذه المعارك؟ وماذا جنت البلاد من سنوات الصراع؟ ومن يتحمل مسؤولية استمرار المعاناة؟
قد تختلف المسؤوليات من واقعة إلى أخرى، ولا يصح أن نساوي بين الأطراف في كل فعل دون النظر إلى الأدلة والظروف وطبيعة الانتهاكات. لكن المبدأ الذي يجب ألا يتغير هو أن كل طرف مسؤول عن أفعاله، وأن أحدًا لا ينبغي أن يكون فوق المساءلة، وأن معاناة اليمنيين لا يجوز أن تتحول إلى أداة لتبرير استمرار الحرب أو التهرب من المسؤولية.
لقد تعب المواطن اليمني من تعدد الشعارات وتضارب الوعود، ومن سماع من يتحدثون باسمه بينما تتراجع مصالحه أمام مصالح القوى المتصارعة. يريد أن يعرف متى سيعيش بأمان، ومتى سيحصل على راتبه، ومتى يستطيع أن يعالج مريضه دون أن يرهق أسرته بالديون، ومتى تصبح الطرق والمطارات والخدمات وسائل لخدمته لا أعباء إضافية على حياته. هذه ليست مطالب هامشية، ولا دليلًا على ضعف الانتماء الوطني؛ بل هي جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، وأساس أي مشروع حقيقي لاستعادة الاستقرار.
فالوطن ليس مجرد أرض تتنازع القوى السيطرة عليها، ولا شعارًا يرفعه المتخاصمون في خطاباتهم، بل هو الإنسان الذي يعيش عليها، وكرامته التي ينبغي أن تُصان، وحقوقه التي يجب ألا تكون رهينة لموازين القوة أو الولاءات السياسية. ولا قيمة لأي انتصار إذا انتهى إلى مواطن أكثر فقرًا وخوفًا وحرمانًا، ولا معنى لأي حديث عن استعادة الوطن إذا ظل أبناؤه عاجزين عن استعادة أبسط حقوقهم.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يسمح المظلوم لمن ظلمه بأن يحدد له أخلاقه، أو أن يحوله إلى صورة أخرى منه. فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على رد الأذى بأذى أكبر، بل في القدرة على إيقاف الظلم، ومحاسبة المسؤول عنه، ومنع تكراره، دون الانزلاق إلى دائرة لا تنتهي من الثأر المتبادل. والعدالة لا تكتمل بمجرد تغيير مواقع المتخاصمين، بحيث يصبح المظلوم ظالمًا ويصبح الظالم ضحية، وإنما تكتمل حين يتوقف الظلم، وتُصان الحقوق، ويخضع الجميع لمعيار عادل لا يتغير بتغير الأشخاص والمصالح.
إن اليمن لا يحتاج إلى طرف جديد يتقمص دور الضحية ليبرر أخطاءه، ولا إلى انتصار يُفرض على حساب كرامة المواطنين، بل يحتاج إلى دولة تحمي الناس من الظلم، وتساوي بينهم في الحقوق والواجبات، وتتيح لهم الاختلاف دون خوف، والمطالبة بحقوقهم دون اتهام، والمشاركة في بناء مستقبلهم دون إقصاء أو استعلاء. ويحتاج إلى ثقافة تعترف بالخطأ بدلًا من إنكاره، وتقبل النقد بدلًا من تجريمه، وتجعل الحوار وسيلة لمعالجة الخلاف لا غطاءً لفرض الأمر الواقع.
أما السلام الحقيقي، فلا يتحقق بإسكات المتألم، ولا بإجبار المتضرر على التنازل عن حقوقه، ولا بتبادل المتخاصمين مواقع القوة. إنه يبدأ بالتوقف عن ممارسة الأذى، والاعتراف بالأخطاء، ومعالجة آثارها، ورد الحقوق إلى أصحابها، وتوفير الضمانات التي تمنع تكرار الانتهاكات. فالسلام ليس غياب الاعتراض، ولا انعدام المواجهة، بل وجود مناخ يستطيع فيه الإنسان أن يعيش بكرامة، ويختلف دون خوف، ويطالب بحقه دون أن يُعاقب.
وفي نهاية المطاف، لا يُقاس نبل الإنسان بما يردده من شعارات التسامح، بل بموقفه حين يمتلك القدرة على الإيذاء، ولا تُقاس عدالته بقدرته على إدانة خصمه، بل باستعداده للاعتراف بمسؤوليته ومراجعة أخطائه. فالذي يريد إصلاح الآخرين عليه أن يبدأ بإصلاح نفسه، والذي يريد السلام عليه أن يكف عن صناعة أسبابه، والذي يطالب الناس بتجاوز أخطائهم لا يجوز له أن يجعل أخطاءه استثناءً دائمًا من المحاسبة.
فلا تبرروا الظلم باسم رفض الانتقام، ولا تبرروا الانتقام باسم مقاومة الظلم. أنصفوا الحقيقة كاملة، ولا تحاكموا رد الفعل بمعزل عن الفعل الذي سبقه. فلا نريد أن يتبادل الظالم والمظلوم المواقع، بل نريد أن ينتهي الظلم، وتتحقق العدالة، ويستعيد الإنسان اليمني حقه في وطن آمن وعادل.
لقد آن الأوان لأن نخرج من دائرة السؤال عمن ينتصر على من، إلى سؤال أكثر أهمية: من ينتصر لليمن واليمنيين؟ فمن حق المواطن أن يعيش دون خوف، وأن يطالب بحقه دون أن يُتهم، وأن يختلف دون أن يُقصى، وأن يجد في وطنه ملاذًا يحميه، لا ساحة تتجدد فيها معاناته.
فاليمن لا يحتاج إلى من ينتصر في خصومته مع اليمني الآخر بقدر ما يحتاج إلى من ينتصر لحق اليمنيين جميعًا في الحياة الكريمة، والعدالة، والسلام.



