ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي.. كيف انتهى الحلم اليمني؟
في يوم 11 أكتوبر 1977 لم يكن اغتيال رئيس فحسب، بل اغتيل مشروع دولة يمنية حديثة، في وضح النهار، وفي بيت نائبه الذي كان يثق به ثقة مطلقة.

ولد إبراهيم الحمدي عام 1943، وتولى السلطة إثر قيام حركة 13 يونيو 1974 التصحيحية، وخلال ثلاث سنوات فقط، حارب سلبيات القبيلة بترسيخ مفهوم الدولة، وحل مجلس الشورى القبلي، وأوقف مخصصات المشايخ، وأنشأ لجان التعاون الأهلي، وبنى المدارس وشق الطرقات، ورفع شعار "اليمن أولًا"، وتقارب مع الرئيس سالم ربيع علي في الجنوب اليمني، وخطا خطواته الأولى للتمهيد لوحدة يمنية حقيقية بين شطري الوطن. ولهذا أحبه الشعب، وكرهته مراكز القوى في الداخل وفي الدول المحيطة المتحالفة مع الغرب.

والرواية الحقيقية للغداء الأخير كما أطلق عليه مخرج سيناريو الغداء الأخير، عنوان الفيلم الوثائقي الذي يحكي قصة اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي في اليمن، ونشرته قناة الجزيرة القطرية، في وقت كان فيه الرئيس الحمدي يستعد للسفر بعد يوم من ذلك الغداء إلى عدن لإعلان اتفاق الوحدة، بعد أن تلقى دعوة غداء مباشرة من نائبه ورئيس الأركان المقدم أحمد حسين الغشمي، في منزله بمنطقة حدة بصنعاء، ولم تكن الدعوة من أخيه عبدالله كما روج الإعلام الرسمي، بل كانت فخًا مدبرًا، وقد تم استدعاء المقدم عبدالله الحمدي، قائد العمالقة، أولًا، إلى منزل الغشمي، لاستلام سيارات تابعة للجيش صُرفت للواء الذي يقوده في ذمار، وقُتل هناك، ووصل الرئيس إبراهيم الحمدي بعد ذلك إلى منزل الغشمي، تلبية لدعوة الغداء، فتمت تصفيته هو الآخر في نفس المنزل.
وبعد الجريمة، تم نقل الجثتين مع جثتي فتاتين فرنسيتين قُتلتا في مكان آخر، إلى منزل عبدالله الحمدي، لتصوير مسرح الجريمة المفبرك كفضيحة أخلاقية.
اختيار منزل الغشمي وتغييره في الرواية الرسمية كان مقصودًا، فقتل الرئيس في بيت نائبه يثبت الانقلاب، بينما قتله في بيت أخيه يسهل تسويقه كجريمة.
أذاع النظام رواية تحكي عن وجود الرئيس وأخيه مع فتاتين فرنسيتين، بهدف اغتيال سمعته بعد اغتيال جسده.
أما صمت فرنسا، فيفسره المحللون والمهتمون بالشؤون السياسية، بحرص باريس على علاقتها القوية مع النظام الجديد في صنعاء ومع السعودية، وخوفها من كشف شبكات استخباراتية كانت تعمل في اليمن آنذاك، فاستلمت الجثتين، وأغلقت الملف، ولا يزال مغلقًا حتى اليوم، ويقف وراء حادثة اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي في الداخل تحالف المشايخ والعسكر الذين قطع الحمدي امتيازاتهم، وكان أحمد حسين الغشمي الواجهة التنفيذية لهذا التحالف، كما يقف وراء الحادثة الخارج والقلق الإقليمي والدولي من قيام يمن مستقل وقوي وحدوي يتقارب مع المعسكر الشرقي الاشتراكي، فكان لا بد من وأد المشروع على أيدي القوى الرجعية والإمبريالية، قبل إعلان الوحدة بيوم واحد.
ولم يفتح التحقيق، لأن القاتل هو من أصبح رئيسًا في اليوم التالي، وتم اعتقال الضباط المحسوبين على الحمدي، وجرى إتلاف تقرير التشريح وإخفاؤه، ودفن الحمدي بعد أن أراد القتلة أن يذهب الحمدي إلى المقبرة بلا جنازة. وكل الأنظمة التي أتت بعده كانت شريكة بالصمت عن حادث مقتله.
وذكرى اغتيال الحمدي ليست ذكرى رجل قُتل في بيت نائبه، بل ذكرى وطن قُتل معه في ذلك البيت النحس، وفي ذلك الغداء المشؤوم.



