"الفجر" ووزارة الإعلام!
منذ أن عصفت الرياح بمسار الأحداث في شهر سبتمبر الماضي، دخل المشهد في البلاد منعطفًا تسارعت فيه الوتيرة على وقع السقوط المباغت لمناطق الساحل الغربي، وتمدد الحـ..وثيين نحو مواقع حيوية في الحديدة وتعز، وصولًا إلى المخا وجزيرة ميون ومضيق باب المندب بأسره ؛ وجد الوطنيون أنفسهم أمام مخاض عسير تتشابك فيه خيوط المصير؛
ففي الخامس من أكتوبر الجاري، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، د. رشاد العليمي، انطلاق عملية «فجر اليمن» العسكرية بهدف استعادة مؤسسات الدولة والعاصمة صنعاء، التي سقطت في يد الحوثيين منذ سبتمبر 2014م ، غير أن رقعة المواجهة اتسعت على عكس اتجاه صنعاء، لتلقي بظلالها الثقيلة على تعز ومناطق الصبيحة، ولتمتد صواريخ الميليشيا الانقلابية وطائراتها المسيرة مهددةً عدن، وضاربةً مواقع في مأرب وشبوة وحضرموت، بل وطالت البنى التحتية والمرافق المدنية في الجارة المملكة العربية السعودية.
وفي خضم ذلك، يخوض أبطال القوات المسلحة، وفي طليعتهم قوات العمالقة الجنوبية والتشكيلات العسكرية الأخرى، ملاحم بطولية تسطر بالدم طموحات شعب بأكمله في كبح جماح هذا العدوان. وهنا تبرز المفارقة المؤلمة؛ إذ لا تأتي السهام فقط من جبهات الخصوم، بل تنطلق الطعنات الغادرة من «دكاكين» إعلامية وأبواق فضائية مستحدثة تقتات على الأزمات ، فبينما يواصل النزيف البشري تدفقه بلا توقف، يخرج علينا من على منبر تلك المنصات من يشكك ويلوك العبارات بلسان أعوج، مزهوًا بجهالته، ومن غير حياء ، ليقرر ببساطة مستفزة أن «هذه المعركة لا تعنينا»!
ولعل السخرية المرة لا تكمن فقط في هفوات أصوات النشاز تلك، بل في الصمت المريب للمؤسسة الرسمية؛ فوزير الإعلام في الحكومة الشرعية -ربما- يقيم على مرمى حجر من مقر أحد تلك «الدكاكين» الإعلامية التي تروج للهراء وتبث سموم التخاذل، ومع ذلك يقف موقف المتفرج الأبكم، عاجزًا حتى عن التلويح بمساءلة قانونية، ولا نقول إيقاف هذا السقوط الهابط أو الدفاع عن حرمة دماء الأبرياء التي تُسفك بلا شفقة.
إنها لغرابة عجيبة أن تتحول وزارة الإعلام إلى «كومبارس»، متناسيةً أن السيادة لا تدافع عنها البنادق وحدها في الجبهات، بل تحميها الكلمة المسؤولة والقانون الرادع الذي يلاحق الخيانة الناطقة على الهواء مباشرة .. فإذا كان «الفجر» العسكري يعبر عن إرادة الدولة في استعادة هيبتها وبوصلتها، فإن «فجر» الوزارة المزعوم يبدو وكأنه غرق في سبات عميق، غير آبه بأن التخاذل أمام طابور التشكيك الإعلامي لا يقل خطورة عن رصاصة الغدر في خندق القتال.
أما آن لهؤلاء المسؤولين أن يغادروا أبراجهم العاجية، وأن يعلموا أن شرعية الحكومات لا تُستمد من البقاء في الخارج، بل من القدرة على حماية الوعي من التزييف، ووضع حد لهذا العبث الرخيص والفوضى التي تستهين بدماء الأبرياء وتضحيات الأبطال على مرأى ومسمع من الجميع؟



