الجمعة 23 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • بيان من تعز.. عندما يتكلم الصمت الأممي

بيان من تعز.. عندما يتكلم الصمت الأممي

لأول مرة منذ سنوات، لا يقول بيان الأمم المتحدة "جميع الأطراف". يقول اسمًا واحدًا بوضوح: سلطات الأمر الواقع الحـ..وثية.

بيان منسق الشؤون الإنسانية في اليمن، لوران بوكيرا، حول تعز، ليس بيانًا إنسانيًا عاديًا. هو وثيقة إدانة مغلفة بلغة القانون الدولي. دعنا نقرأ ما وراء السطور.

لغة الأرقام التي تقتل

البيان لا يتحدث عن "نقص". يتحدث عن منظومة انهيار متكاملة ومتعمدة:

• وقود + غذاء: الأسعار تضاعفت أكثر من الضعف. هذا ليس تضخم حرب، هذا خنق إمداد.

• صحة: مستشفيات بلا طاقة، مرضى بلا أكسجين. في لغة الطب، انقطاع الأكسجين لا يعني "تدهور الحالة"، يعني حكم إعدام سريري لمئات المرضى في العناية المركزة.

• ماء: الإنتاج انخفض إلى النصف. في مدينة جبلية مثل تعز، الماء ليس خدمة، هو معركة يومية. نصف الإنتاج يعني أن نصف المدينة قرر له أن يعطش اليوم.

المنسق الأممي يرسم مثلث الموت الكلاسيكي في الحصار: بلا وقود، بلا ماء، بلا دواء. والثلاثة مترابطة. لا وقود يعني لا مضخات ماء، ولا مولدات مستشفيات، ولا شاحنات غذاء.

لماذا تعز دائمًا؟

تعز ليست مجرد مدينة محاصرة. تعز هي فشل الحصار كفكرة.

منذ 2015 وتعز هي المدينة الوحيدة الكبرى في اليمن التي لم يستطع الحوثي ابتلاعها بالكامل، فقرر معاقبتها. إغلاق الطرق الرئيسية -الحوبان، جولة القصر، عصيفرة- ليس تكتيكًا عسكريًا، هو عقاب جماعي. هو تحويل 4 ملايين إنسان إلى رهائن جغرافيا.

لهذا، جملة البيان "إغلاق الطرق وانعدام الأمن يمنعان وصول الإمدادات"، هي جملة دبلوماسية مهذبة جدًا لحقيقة فجة: هناك طرف واحد يغلق الطريق، ويزرع الألغام عليه، ويقنص من يحاول فتحه.

التحول الخطير في لهجة الأمم المتحدة

على مدى 10 سنوات، كانت بيانات الأمم المتحدة عن تعز تستخدم صيغة "ندعو جميع الأطراف لفتح الطرق". وهي صيغة متوازنة لدرجة أنها ظالمة.

اليوم، البيان يقول: "أدعو سلطات الأمر الواقع الحوثية إلى فتح ممرات آمنة بشكل عاجل... دون أي عوائق".

هذا ليس تغييرًا لغويًا، هذا تغيير قانوني وسياسي.

مصطلح "سلطات الأمر الواقع" هو اعتراف أممي بأن من يغلق تعز هو سلطة تتحكم بالأرض وتتحمل مسؤولية السكان تحت القانون الدولي الإنساني. وبالتالي، ما يحدث في تعز لم يعد "أثرًا جانبيًا للنزاع"، بل أصبح "منعًا متعمدًا للمساعدات"، وهو جريمة حرب وفق المادة 8 من نظام روما.

وعندما يختم البيان بـ"وجوب احترام القانون الدولي الإنساني"، فهو لا يذكرنا بالقانون، هو يلوح به.

#اليمن_لا_يحتمل_الانتظار.. لكنه ينتظر تعز منذ 10 سنوات

الهاشتاغ الذي ختم به البيان هو الأكثر صدقًا. اليمن لا يحتمل الانتظار، لكن تعز انتظرت.

انتظرت مفاوضات الكويت، وستوكهولم، وعمّان، وكل خارطة طريق كانت تبدأ بعبارة "فتح طرق تعز" وتنتهي بصورة جماعية وابتسامات.

المأساة أن بيان بوكيرا يأتي ليؤكد أن الحصار لم يعد مجرد إغلاق طرق ترابية، بل تطور إلى حصار حديث: خنق رقمي للوقود والكهرباء والأكسجين. حصار لا تراه الأقمار الصناعية، لكن تراه أمهات تبحث عن قارورة ماء.

الخلاصة

بيان الأمم المتحدة مهم، لكنه لن يفتح طريقًا. الطرق لا تفتحها البيانات، تفتحها الإرادة والضغط.

ما فعله بوكيرا هو أنه نزع ورقة التوت عن الحياد الزائف. سمّى الجلاد باسمه، وسمى الضحية باحتياجاتها: ماء، دواء، أكسجين.

الآن، السؤال ليس للأمم المتحدة، بل لنا: إذا كان النظام الصحي على وشك الانهيار، والمياه انخفضت للنصف، والجوع يحصد الأرواح.. فماذا ننتظر بعد ليكون الوضع "طارئًا بما يكفي"؟