قراءة نقدية
من الريادة إلى تراجع الحضور: الاشتراكي اليمني في ذكراه الـ48(الحلقة الثانية)
لا تستقيم قراءة تجربة الحزب الاشتراكي اليمني دون استحضار ما تحمّله أعضاؤه وأنصاره، في مراحل مختلفة، من ملاحقة وإقصاء واغتيالات، وما بذلوه دفاعاً عن قناعاتهم وتطلعاتهم إلى وطن أكثر عدلاً. كما أن الوفاء لهذه التضحيات يقتضي مساءلة الحزب عن كيفية صون معناها وترجمتها إلى فعل سياسي متجدد.
ما تزال الكراهية المتراكمة تجاه الحزب حاضرة في بعض الأوساط، تكشف عن قصور في الوعي بما شهدته اليمن من تحولات وصراعات في تاريخها الحديث، وعن رسوخ دعاية حجبت تعقيدات التجربة خلف أحكام جاهزة. فقد استقر لدى بعضهم تصور للحزب يستعيد اتهامات الماضي كلما ذُكر اسمه، دون معرفة جادة بمسيرته أو بمراجعاته أو بما قدّمه رجاله ونساؤه من تضحيات. وفي ظل هذا التصور، يصبح التشكيك في وطنيته وصدقية تبنّيه لقضايا الناس موقفاً سابقاً على النظر في أفعاله ومواقفه، وتغدو حتى مناقشة تجربته بإنصاف مدعاة للخصومة.
وتتضح جذور هذا العداء عند النظر إلى القضايا التي تبنّاها الحزب، وفي مقدمتها العدالة الاجتماعية وحقوق المرأة. فقد أثار دفاعه عن تعليم المرأة وعملها واستقلال إرادتها ومشاركتها في الحياة العامة غضب قوى دينية واجتماعية محافظة، رأت في هذه التحولات مساساً بسلطتها وبالعلاقات التي تستند إليها. وجرى توظيف هذا الصراع في تصوير مشروعه بوصفه تهديداً للدين والمجتمع، بما أسهم في تعبئة أوساط ضده، وحجب ما حملته تلك القضايا من مطالب تتصل بكرامة الناس وحقوقهم. وهكذا امتد العداء من رفض سياسات الحزب إلى الطعن في مقاصده، ومن محاججة أفكاره إلى نزع المشروعية عن وجوده ودوره.
ومن هذا المنطلق، تتابع هذه الحلقة تجربته في إعادة بناء دوره بعد حرب 1994، وإسهامه في المعارضة، وصولاً إلى سؤال حضوره الراهن ومسؤوليته عن استعادة المبادرة.
من الهزيمة إلى استعادة المبادرة — إعادة بناء الحزب ودوره في المعارضة
وضعت حرب 1994 الحزب الاشتراكي اليمني أمام واقع تجاوز خسارة موقعه في الحكم إلى تهديد تماسكه التنظيمي وحضوره السياسي، وأصاب مشروع الشراكة في دولة الوحدة في صميمه.
ومن هذا المنعطف، بدأت مرحلة جديدة في تجربته، انتقل فيها من شريك في السلطة إلى قوة معارضة تسعى إلى إعادة بناء صفوفها، ومقاومة الإقصاء، وإصلاح مسار الوحدة. ويقتضي تقويم هذه المرحلة النظر إلى الظروف القاسية التي أحاطت بمحاولته للنهوض، والخيارات التي اتخذها لمواجهتها، فإلى جانب سؤال قدرته على البقاء، يبرز سؤال مراجعته لأسباب الهزيمة، وتجديد علاقته بقواعده، واستعادة دوره وتأثيره في الحياة الوطنية.
فقبول انتهاء الحرب لم يكن قبولاً بشرعية الإقصاء أو تسليماً بحق المنتصر في الاستئثار بالدولة. ومع عودة عدد من قياداته إلى الوطن، وبجهود من بقوا من قياداته وكوادره، بدأ الحزب يلملم صفوفه ويعيد بناء حضوره من موقع المعارضة السلمية.
وفي هذا المسار، اتجه الحزب إلى مواجهة نتائج الهزيمة بالعمل السياسي والدعوة إلى المصالحة وإصلاح مسار الوحدة، بما يجنّب البلاد امتداد الاقتتال إلى حرب أهلية طويلة لا تُحمد عقباها. وقد عبّر ذلك عن قدرته على البقاء بعد خسارة السلطة وتصدّع التنظيم، وعن تمسّكه بإمكان استعادة الشراكة الوطنية بالوسائل السلمية.
غير أن إنصاف هذه المحاولة لا يعفي الحزب من مساءلة تجربته اللاحقة: إلى أي مدى استطاع تحويل إعادة بناء صفوفه إلى استعادة دوره وتأثيره في الحياة السياسية؟
وفي مقدمة ما تستدعيه هذه المساءلة، علاقة الحزب بقواعده الاجتماعية والتنظيمية، ولا سيما في المناطق الوسطى، حيث كانت له امتدادات سياسية ونضالية تعود إلى ما قبل الوحدة. فقد كان من مقتضيات إعادة البناء تجديد الصلة بهذه القواعد، والاهتمام بأوضاعها، وضمان مشاركتها في مراجعة التجربة وصنع القرار. وهنا يبرز السؤال عن مدى وفاء الحزب لهذا الرصيد: هل استطاع الحفاظ عليه وتنمية دوره، أم انشغل بترميم هيئاته وترتيب علاقاته السياسية، فيما تراجعت عنايته بالقواعد التي شكّلت أحد مرتكزات حضوره خارج الجنوب؟
إن استعادة النشاط القيادي، على أهميتها، لم تكن كافية لاستعادة الفاعلية ما لم تقترن بحضور بين الناس، ودفاع عن مصالحهم، وفتح المجال أمام كوادرهم للمبادرة والتأثير.
وكانت إعادة البناء تستدعي كذلك مراجعة التقديرات السياسية والعسكرية التي سبقت الهزيمة، ومنها القبول بتموضع وحدات عسكرية محسوبة على الحزب في مناطق يتمتع خصومه فيها بنفوذ قبلي وسياسي، بينما ظل الجيش منقسماً وغابت الضمانات الفاعلة للشراكة. فقد استوجب ذلك تقديراً دقيقاً لقدرة هذه الوحدات على الحركة والإمداد والإسناد، وللمخاطر التي قد تتعرض لها عند انهيار التسوية السياسية.
ولا تُسقط مساءلة هذه القرارات مسؤولية القوى التي دفعت نحو الحرب والإقصاء، لكنها تُبقي قيادة الحزب مسؤولة عن مراجعة حساباتها وحدود اطمئنانها إلى ترتيبات لم تستند إلى مؤسسات دولة موحّدة. ومن ثم، فإن تقويم تجربة الحزب في المعارضة يقتضي النظر أيضاً في مدى تحويل دروس الهزيمة إلى ممارسة سياسية وتنظيمية تُشرك قواعده في القرار، وتُخضع خيارات قيادته للنقاش والمساءلة.
ومع ما تستدعيه هذه التجربة من نقد ومراجعة، يظلّ لعلي صالح عباد "مقبل" ورفاقه دور بارز في إعادة بناء القيادة والمحافظة على تماسك الحزب. وتجلّت قيمة هذا الجهد في الحفاظ على تنظيم وطني قادر على العمل من خارج السلطة التي ارتبط بها طويلاً، وتهيئة الشروط لاستعادة مبادرته السياسية والمشاركة في بناء تحالف معارض ضمّ قوى كانت من خصومه.
ولم يعد تأثير الحزب يستند إلى ما كان يتيحه موقعه في مؤسسات الدولة من سلطة وموارد، بل أصبح مرهوناً بقدرته على الإقناع والتنظيم والعمل المدني والدفاع عن الحقوق. وتطلّب ذلك توسيع المشاركة داخل هيئاته، وتطوير خطابه لمخاطبة المواطنين خارج دوائر الانتماء الحزبي والذاكرة المشتركة، وربط نشاطه بقضاياهم اليومية ومطالبهم الاجتماعية. وعلى هذا الأساس، يغدو معيار قوته مقدار ما يكسبه من ثقة الناس، وما يتيحه لهم من فرص المشاركة والتأثير في العمل العام.
لكن هذا التحول جرى تحت ضغوط مستمرة، ولم تكن ساحة المعارضة مفتوحة على قدم المساواة. فقد وثّقت تقارير حقوقية إجراءات استهدفت نشاط الحزب وأعضاءه، ومنها إغلاق مقره في جعار واعتقال عدد من أعضائه ومؤيديه عام 2000.[10] وإلى جانب التضييق على النشاط السياسي، طالت المضايقات أعضاءً في الحزب يعملون في الجهاز الإداري للدولة، عبر تعطيل ترقياتهم الوظيفية، وتقييد صلاحياتهم أو سحبها، واستبعادهم من أداء مهامهم وفق النظم الإدارية المتبعة، بما أبقى بعضهم في وظائف بلا دور فعلي. وامتد الإقصاء إلى تقليص الفرص أمامهم وحرمانهم من الوظائف الأكاديمية رغم استيفائهم المؤهلات العلمية المطلوبة، فأصبح الانتماء الحزبي عائقاً أمام حقهم في العمل والتقدم المهني. واقترنت هذه الممارسات بضغوط نفسية ومعنوية، من خلال التهميش والانتقاص من مكانتهم وإشعارهم بانسداد الآفاق، لدفعهم إلى التسليم بالإقصاء وقبول الأمر الواقع. ومن ثم، لا يمكن تفسير تراجع قدرة الحزب التنظيمية بأخطائه الداخلية وحدها، فقد أسهمت هذه الممارسات في إضعاف أوضاع كوادره، والحدّ من قدرتهم على النشاط، والتأثير في صلته بجمهوره. ومع ذلك، فإن الاعتراف بهذه القيود لا يلغي مساءلة القيادة عن كيفية مواجهتها، ومدى دفاعها عن أعضائها، وقدرتها على تنظيم العمل وتوسيع المشاركة وتجديد صفوف الحزب.
وجاءت المبادرة الأبرز في تجاوز العزلة من خلال الإسهام في بناء اللقاء المشترك، الذي جمع قوى متباينة فكرياً وتاريخياً حول مطالب الإصلاح السياسي ومواجهة احتكار السلطة. وكان لجار الله عمر دور محوري في بلورة هذا التقارب، إلى جانب قيادات وشخصيات من الأحزاب المشاركة. [11] واكتسب التقارب مع التجمع اليمني للإصلاح دلالة خاصة، بالنظر إلى موقعه في تحالف حرب 1994؛ إذ عبّر عن استعداد لتجاوز خصومة دامية إلى عمل سياسي مشترك، دون اشتراط التطابق الأيديولوجي بين أطرافه.
بيد أن تقدير أهمية هذه المبادرة لا يكتمل دون النظر في تناقضات الشراكة التي قامت عليها. فقد ظل انتقال الإصلاح إلى المعارضة محكوماً بتفاوت مواقف مكوناته، وباستمرار صلات قيادات نافذة فيه بالسلطة. ومن أبرز مظاهر ذلك تأييد رئيس هيئته العليا، عبد الله بن حسين الأحمر، لعلي عبد الله صالح في انتخابات الرئاسة عام 2006، فيما كان الإصلاح، بوصفه حزباً، يدعم مرشح اللقاء المشترك فيصل بن شملان. كما احتفظ الأحمر برئاسة مجلس النواب بدعم الكتلة البرلمانية للمؤتمر الشعبي العام. [12] وهكذا اجتمعت داخل الشريك الأكبر في المعارضة التزامات التحالف ومصالح العلاقة بالحكم، بما جعل استقلال القرار المعارض موضع اختبار مستمر.
ولم تكن هذه الازدواجية محصورة في العلاقة بالرئاسة؛ فقد احتفظت شخصيات مؤثرة في الإصلاح بصلات وثيقة بعلي محسن الأحمر، الذي ظل أحد أركان النظام العسكري قبل انشقاقه عام 2011. [13] وفي تقدير هذه القراءة، أوجد تداخل العلاقات الحزبية والقبلية والعسكرية تفاوتاً داخل التحالف: فبينما امتلك الإصلاح قنوات للتأثير والتفاوض خارج أطر اللقاء المشترك، كان الاشتراكي يسعى إلى توسيع حضوره من موقع أضعفته الحرب والإقصاء. ومن هنا يصبح السؤال عن مدى توظيف تلك القنوات لخدمة مطالب المعارضة مجتمعة، أو إبقائها مجالاً لتفاهمات لا يشارك الحلفاء في صنعها.
كما واجه التقارب اعتراضات من اتجاهات سلفية داخل الإصلاح على التحالف مع الاشتراكي والناصري. [12] وهذا يضع قيادة الإصلاح أمام مسؤولية سياسية عن ترسيخ احترام شركائها ومواجهة خطاب نزع الشرعية عنهم، فالشراكة لا تكتمل باتفاق القيادات ما لم تجد ما يسندها في الخطاب والممارسة. وفي هذا المناخ، شكّل اغتيال جار الله عمر في افتتاح المؤتمر العام الثالث للإصلاح، في 28 ديسمبر 2002، [14] ضربة موجعة لأحد أبرز مهندسي التقارب. ومع إدانة الإصلاح للجريمة، فإن دلالتها في هذا السياق تتمثل في جسامة الخطر الذي واجه مشروع العمل المشترك، والحاجة إلى مواجهة التحريض والتعصب اللذين يهددان إمكان قيامه.
وعليه، لا يُعفي تقدير دور الإصلاح في بناء اللقاء المشترك من مساءلته عن أثر ازدواج علاقاته في تماسك المعارضة وقدرتها على الفعل. كما لا يعفي الاشتراكي من سؤال موازٍ: إلى أي مدى استطاع تحويل إسهامه في تأسيس التحالف إلى تأثير في برنامجه وقراراته، وضمان تضامنه مع قضايا أعضائه وجمهوره؟ فالمشكلة ليست في التحالف مع خصوم الأمس، بل في مدى قيامه على التزامات متبادلة، وقدرته على توسيع حضور أطرافه، عوضاً عن إبقاء التفاوت بينها أو تكريس تبعية الأضعف للأقوى.
وقد قام مشروع جار الله عمر في بناء هذا التحالف على الدفاع عن التعددية والحاجة إلى تغيير شروط المنافسة السياسية. [15] وتُظهر هذه المقاربة وجهاً من استعادة الحزب للمبادرة: الإسهام في صياغة علاقة جديدة بين قوى كانت صراعاتها تتيح للسلطة توظيف بعضها ضد بعض. ومن هنا، شكّل اغتياله منعطفاً مفصلياً في مسار الحزب والمعارضة معاً، إذ تجاوزت الخسارة غياب شخصية قيادية إلى إضعاف مشروع للتقارب السياسي كان يسعى إلى مواجهة احتكار السلطة بعمل معارض مشترك. وفي تقدير هذه القراءة، كشف الاغتيال أيضاً عن استمرار استهداف الحزب، رغم إبعاده عن السلطة وتراجع موارده ومحدودية قدرته على المواجهة؛ فقد ظل يدفع ثمن تمسّكه بمشروع الدولة والمواطنة والتعددية ورفض احتكار الحكم. وبذلك، لم يكن تراجع موقعه في موازين القوة كافياً لإنهاء استهدافه، ما دام يحمل مشروعاً سياسياً يناقض منطق الهيمنة.

وتجلّى أثر العمل المشترك في انتخابات الرئاسة عام 2006، حين التفت أحزاب المعارضة حول مرشح واحد هو فيصل بن شملان، وقدمت برنامجاً للإصلاح السياسي والاقتصادي. وأظهرت هذه التجربة قدرة المعارضة على خوض منافسة أوسع من حدود كل حزب منفرد، مع استمرار اختلال شروط المنافسة؛ إذ رصد المراقبون الأوروبيون تسخير موارد الدولة لمصلحة الحزب الحاكم، وانحياز أجهزة يفترض فيها الحياد إلى حملة الرئيس. [16] [19] وهكذا، واجه مشروع التغيير السلمي بنيةً تتداخل فيها سلطة الحكم وإمكانات الدولة على نحو يحدّ من تكافؤ الفرص بين المتنافسين.

ولم يقتصر هذا الاختلال على الموارد والإعلام، بل شمل توظيف الملف الأمني في الدعاية ضد مرشح المعارضة. فعشية الاقتراع، أعلن صالح أن أحد مرافقي بن شملان مرتبط بخلية لتنظيم القاعدة، مقدّماً الاتهام في توقيت بالغ الحساسية انتخابياً. وردّ اللقاء المشترك بأن الشخص المعني تطوّع للعمل ضمن الفريق الانتخابي، ثم استُبعد بعد اكتشاف صلته بأجهزة المخابرات، وطالب بتحقيق علني. [17] وفي تقدير هذه القراءة، أتاح طرح القضية بهذه الصورة نقل المنافسة من مناقشة برامج الإصلاح إلى إثارة الشبهة حول المرشح ومحيطه، ضمن خطاب ربط احتمال التغيير بمخاطر الاضطراب وفقدان الاستقرار.

وفي المقابل، كشفت الانتخابات حدود التماسك داخل التحالف المعارض، فقد أعلن الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، رئيس التجمع اليمني للإصلاح، تأييده لصالح، خلافاً لموقف حزبه الداعم لبن شملان. وكان قد عبّر عن تفضيله استمرار صالح في حوار تلفزيوني أواخر عام 2005 بالمثل الشعبي: "جني تعرفه ولا إنسي ما تعرفه". [12، 18] ويكشف هذا التباين، في تقدير هذه القراءة، استمرار تأثير الروابط الشخصية والقبلية مع رأس السلطة داخل قيادة حزب معارض، بما يضعف وضوح الالتزام ببديل سياسي مشترك، دون أن يلغي مشاركة قطاعات وقيادات إصلاحية فاعلة في حملة بن شملان.

وبهذه الدلالة، تُحتسب مشاركة الحزب الاشتراكي في انتخابات 2006 ضمن محاولاته استعادة المبادرة بعد الحرب، من خلال الإسهام في بناء تحدٍّ سياسي سلمي لاحتكار السلطة، مع نسبة هذه التجربة إلى جهد جماعي شاركت فيه قوى متعددة. كما تكشف التجربة أن الاتفاق على مرشح وبرنامج، على أهميته، كان يحتاج إلى التزام متماسك داخل أطراف التحالف، وإلى ضمانات مؤسسية تحمي المنافسة وإرادة الناخبين من هيمنة أجهزة الحكم وموارده.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين استعادة التأثير في المعارضة واستعادة القوة التنظيمية والانتخابية للحزب نفسه. فقد حصل في انتخابات مجلس النواب عام 2003 على ثمانية مقاعد، [20] وهي حصيلة محدودة قياساً بحضوره في صياغة التحالف المعارض وامتداد قواعده وتنظيماته في مختلف مناطق البلاد. ولا يمكن قراءة هذه النتيجة بمعزل عن آثار حرب 1994؛ إذ ظل خصوم الحزب يستحضرون تهمة الانفصال للنيل من موقعه الوطني، مجتمعين حيناً ومنفردين حيناً آخر، فيما أضعفت مصادرة أمواله وأرصدته وشح إمكاناته قدرته على النشاط والتنظيم وخوض المنافسة الانتخابية، قياساً بمنافسيه (الحزب الحاكم وشركائه في المعارضة) الذين امتلكوا كل مقومات الحملة الانتخابية.

لكن هذه القيود، على ثقلها، لا تُغني عن مساءلة الأداء الحزبي: لماذا لم يتحول انتشاره الجغرافي وحضوره السياسي إلى تمثيل برلماني أوسع؟ وهل استطاع توظيف دوره في اللقاء المشترك لتنشيط قواعده وتوسيعها وتجديد خطابه الاجتماعي؟ وإلى أي مدى ظل برنامجه بشأن العمل والتعليم والعدالة وحقوق المرأة واضحاً لدى الجمهور، إلى جانب المطالب الديمقراطية المشتركة؟ فنجاح التحالف لا يغني الحزب عن بناء أدواته المستقلة وصلته اليومية بالناس.
كما أن تجاوز الخصومات التاريخية، على ضرورته، كان يحتاج إلى مناقشة الخلافات الجوهرية بشأن الدولة والمواطنة والحقوق والاقتصاد. فالتقارب السياسي بين أحزاب المعارضة لم يكن يعني زوال الهوة بين مرجعياتها الفكرية، ولا انحسار الشكوك المتبادلة التي غذّتها صراعات الماضي وتباين تصوراتها للمستقبل. وهنا يبرز حدٌّ محتمل لتجربة اللقاء المشترك: القدرة على توحيد الاعتراض على السلطة، مقابل صعوبة بناء الثقة والاتفاق على مضمون البديل. ولا يصح الحكم على التحالف بالفشل لمجرد اختلاف أطرافه، فالاختلاف أساس طبيعي للتعددية. لكن معيار قوته يبقى قدرته على إدارة ذلك الاختلاف علناً، وتحويل التوافق السياسي إلى التزامات واضحة بشأن الدولة والحقوق والشراكة، تمنع تأجيل القضايا الأساسية إلى ما بعد الوصول إلى الحكم.
وبهذا المعنى، لا تُختزل تجربة الحزب في المعارضة في مسار التراجع؛ فقد استطاع خلالها استعادة جانب من دوره السياسي، وإن لم يتمكن من ترسيخ هذا النهوض وضمان استمراره.
يقتضي إنصاف هذه التجربة تقدير ما حققته، وفهم ما حال دون ترسيخ نتائجها والبناء عليها.
ومن منظور روح أكتوبر، يبقى السؤال: لماذا لم يتمكن الحزب من تطوير ذلك النهوض إلى قدرة مستدامة على المبادرة والفعل؟ بهذا السؤال ننتقل إلى بحث المرحلة التالية، وما تداخل فيها من ضغوط خارجية وخيارات حزبية أسهمت في تراجع حضوره.
من الدور المحوري في المعارضة إلى تراجع الحضور
لم يأتِ انفتاح أفق التغيير عام 2011 من فراغ، فقد سبقته سنوات من الاحتجاجات وتفاقم الأزمات الاقتصاديّة والسياسية واتساع منظومة الفساد، وخطوات التوريث للحكم، قابلتها محاولات المعارضة لانتزاع إصلاحات تتيح تداول السلطة وتحدّ من احتكارها.
لعب الحزب الاشتراكي اليمني دوراً محورياً، ضمن أحزاب اللقاء المشترك، في نقل المطالبة بالتغيير من الاعتراض على ممارسات الحكم إلى مناقشة قواعد النظام السياسي نفسه: (صلاحيات السلطة، وضمانات الانتخابات، وحياد مؤسسات الدولة، وعدالة التمثيل النيابي). واكتسب مطلب التمثيل النسبي أهميته من السعي إلى تقليص الفجوة بين أصوات الناخبين والمقاعد التي تحصل عليها القوى السياسية، وإتاحة تمثيل أكثر إنصافاً لتنوع المجتمع واتجاهاته.

وفي هذا السياق، جاء اتفاق 23 فبراير 2009 بين المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء المشترك، الذي أفضى إلى تأجيل الانتخابات النيابية عامين، لإتاحة الوقت لمناقشة الإصلاحات الدستورية والسياسية والانتخابية، بما فيها القائمة النسبية، واستكمال التوافق على تعديلات قانون الانتخابات وإعادة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات وفقاً للقانون.
كان الحزب الاشتراكي، ممثلاً بأمينه العام ياسين سعيد نعمان، طرفاً في هذا الاتفاق. [21] وبذلك شارك في محاولة فتح طريق للإصلاح بالتفاوض، يقوم على تغيير شروط المنافسة السياسية، بدلاً من تكرار انتخابات تعيد إنتاج اختلال موازين السلطة.

تزامن ذلك مع سعي المعارضة إلى توسيع دائرة الحوار خارج الأحزاب الممثلة في البرلمان، فتشكّلت خلال عام 2009 اللجنة التحضيرية للحوار الوطني، وأُعلن في سبتمبر مشروع الإنقاذ الوطني، الذي حضرت فيه القضية الجنوبية وإصلاح بنية الدولة ضمن قضايا الأزمة الوطنية. ثم وُقّع محضر 17 يوليو 2010 لتنفيذ اتفاق فبراير، بمشاركة ياسين سعيد نعمان إلى جانب ممثلي بقية الأحزاب، ونصّ على تشكيل لجنة مشتركة للإعداد والتهيئة لحوار وطني شامل، بالتساوي بين الطرفين، مع توسيع المشاركة واتخاذ القرارات بالتوافق. [21]
أتاح هذا المسار للاشتراكي أن يواصل دوره في طرح قضايا الإصلاح والشراكة ضمن إطار وطني يتجاوز ما أصابه وحده من إقصاء بعد حرب 1994.
لكن هذه التفاهمات لم تتحول إلى إصلاحات تفتح المجال السياسي؛ ففي ديسمبر 2010 مضى المؤتمر الشعبي العام، مستنداً إلى أغلبيته البرلمانية، في إقرار تعديلات قانون الانتخابات بصورة منفردة. ومثّلت هذه الخطوة تراجعاً عن المسار التوافقي الذي قامت عليه الاتفاقات، ودفعت المعارضة إلى تصعيد الاحتجاج. وتزامن تعطيل الإصلاح مع تصاعد المخاوف من التوريث، في ظل تركّز قيادات وحدات عسكرية وأجهزة أمنية رئيسية في أيدي نجل صالح وأبناء إخوته، وفي مقدمتهم أحمد علي، قائد الحرس الجمهوري، الذي أخذ اسمه يبرز بوصفه الوريث المحتمل للرئاسة. وبذلك، اكتسب الصراع حول الإصلاح بُعداً يتصل بمستقبل النظام الجمهوري نفسه: هل تُفتح مؤسسات الدولة للتنافس والتداول، أم تُستخدم لترسيخ حكم الأسرة وتهيئة انتقال السلطة داخلها؟ وهنا تتضح إحدى المقدمات السياسية لثورة التغيير؛ فقد أخذت الثقة بإمكان إصلاح النظام عبر الحوار تتآكل، بعدما تكررت الاتفاقات وتعطّل تنفيذها، فيما كان تركيز القوة داخل الأسرة يعمّق المخاوف من إغلاق طريق التغيير السلمي وتكريس السلطة لسنوات مقبلة.

دخل الحزب الاشتراكي عام 2011 حاملاً تجربة في العمل المعارض والتفاوض، ومواجهاً سؤال الانتقال من المطالبة بالإصلاح إلى المشاركة في تغيير أوسع.
فتحت الثورة الشبابية الشعبية عام 2011 أمام الحزب الاشتراكي اليمني أفقاً لنقل ما راكمه في المعارضة إلى المشاركة في تغيير وطني أوسع. فقد اتسعت ساحات الاحتجاج لقوى اجتماعية وسياسية متعددة، وشارك فيها شباب الحزب وكوادره، إلى جانب المستقلين وسائر القوى المطالبة بالتغيير. وحمل هذا الحضور تطلعاً إلى دولة مدنية تقوم على المواطنة والعدالة والشراكة، وتتجاوز احتكار السلطة والثروة. لكن اتساع المشاركة أدخل إلى مسار الثورة أيضاً قوى تقليدية وحسابات متعارضة، سرعان ما أثّرت في موازينها وفي قدرة مكوناتها المدنية على توجيهها.

ومثّلت مجزرة جمعة الكرامة في 18 مارس 2011 منعطفاً حاسماً؛ إذ أعقبها اتساع الاحتجاجات والانشقاقات داخل السلطة، ثم إعلان علي محسن الأحمر، في 21 مارس، تأييده للثورة ونشر قوات الفرقة الأولى مدرع في محيط ساحة التغيير بصنعاء تحت عنوان حماية المعتصمين. وبذلك أصبح جناح عسكري من بنية النظام السابق طرفاً مؤثراً في المشهد الثوري، بما يحمله من علاقات ومصالح وميراث في ممارسة السلطة.
في تقدير هذه القراءة، منح هذا التحول التجمع اليمني للإصلاح، بحكم صلاته بتلك القوى العسكرية والقبلية، ثقلاً إضافياً تجاوز قدرته التنظيمية والتعبوية بالاستناد إلى مراكز قوة كانت شريكة في النظام الذي خرجت الثورة لتغييره.
وقد ظهرت داخل الساحات مبكراً اعتراضات على هيمنة الإصلاح على جوانب من إدارتها وتنظيمها وتحديد أولوياتها. ومع أن قدراته في الحشد وتوفير الموارد أسهمت في استمرار الاحتجاجات، فإن توظيف هذا التفوق لفرض الوصاية على القرار أخلّ بالتعدد الذي منح الثورة اتساعها. ووجدت القوى المدنية والشباب المستقلون أنفسهم أمام معادلة غير متكافئة: (مشاركة في التضحيات والحضور الميداني، يقابلها تفاوت في القدرة على التأثير في القرار والتفاوض باسم الثورة).
وفي هذا السياق، لم يكن حضور الحزب الاشتراكي وكوادره كافياً لضمان وزن موازٍ في توجيه المسار، وهو ما يثير سؤالاً عن أثر محاولات تهميشه، وعن قدرته هو على تحويل رصيده السياسي والبشري إلى مبادرة مستقلة ومؤثرة.
زادت مشاركة الحوثيين وأنصارهم في ساحات الاحتجاج من تعقيد المشهد، فقد جمعتهم ببقية المكونات معارضة صالح، فيما اختلفت تصوراتهم لمستقبل الدولة ووسائل العمل السياسي. وتصاعد التوتر بينهم وبين الإصلاح، بالتوازي مع مواجهات مسلحة خارج الساحات بين الحوثيين وقوى قبلية ودينية منافسة. وأخذ صراع النفوذ يلقي بظلاله على فضاء الاحتجاج، ويزاحم المطالب المدنية التي خرج من أجلها جمهور واسع من المشاركين.
وهكذا تعرضت سلمية الثورة لضغط متزايد من قوى جمعت بين المشاركة السياسية والاستناد إلى السلاح.
ومع الانتقال إلى التسوية السياسية أواخر عام 2011، ثم تشكيل مؤسسات المرحلة الانتقالية، برز خطر تحويل التغيير إلى إعادة توزيع للمواقع داخل بنية السلطة القائمة. وأظهرت الخلافات حول التعيينات وإدارة مؤسسات الدولة أن الشراكة في معارضة صالح لم تُنتج اتفاقاً كافياً على قواعد الحكم بعده.
وجد الحزب الاشتراكي نفسه مجدداً في مواجهة مع نزوع جديد إلى الاستحواذ والإقصاء لدى قوى سبق أن شاركت في إقصائه عام 1994، حين كانت متحالفة مع نظام صالح، الذي فقدت معه مصالحها، ثم أصبحت شريكاً له في المعارضة والثورة على ذلك النظام. وقد عبّر الحزب حينها عن اعتراضه على الاستئثار وإقصاء الشركاء، وحذّرت أمانته العامة في سبتمبر 2012 من أثر الإجراءات الانفرادية في مسار التغيير السلمي.[22]
وفي تقدير هذه القراءة، كشف سلوك الإصلاح وحلفائه عن سعي إلى وراثة مواقع النفوذ التي خاصموا صالح عليها، وإعادة إنتاج ممارسات الإقصاء من موقع الشريك الأقوى. وهنا برز التناقض بين الشراكة التي بُنيت لمواجهة احتكار السلطة، والممارسة التي أخذت تضيّق على الشركاء حين لاحت فرصة الوصول إليها، بما أضعف الثقة بين قوى التغيير وقوّض فرص بناء شراكة وطنية تتجاوز منطق الغلبة والمحاصصة.
من هنا، لا يمكن تفسير تعثّر الحزب الاشتراكي في تحويل نهوضه المعارض إلى قدرة مستدامة على المبادرة بمعزل عن مسار جرى فيه احتواء جانب من زخم الثورة وإعادة إخضاعه لموازين القوى التقليدية. لكن ذلك يبقي مسؤوليته قائمة عن إدارة تحالفاته، وصون استقلال قراره، وتنظيم حضور كوادره، وبناء صلة أكثر فاعلية بالقوى الشبابية والاجتماعية المطالبة بالتغيير. فقد كان التحدي أن يحافظ على العمل المشترك، وأن يمتلك، في الوقت نفسه، القدرة على مواجهة الاستئثار داخله، حتى لا تتحول الشراكة إلى غطاء لتقليص دوره.
ولم تقتصر هذه المسؤولية على علاقته بشركائه في اللقاء المشترك، فقد واجه في الجنوب اختباراً آخر في كيفية التعامل مع قوى الحراك، التي عبّرت عن مظالم خلّفتها الحرب وسياسات الإقصاء، وضمت في صفوفها قيادات وكوادر ذات صلات بتاريخ الحزب وتجربته. [23] وكانت هذه العلاقة تتيح فرصة لبناء إطار تحالفي واضح، يسند المطالب العادلة، ويدعم سلمية النضال، ويفتح نقاشاً حول الحلول السياسية وضماناتها. وكان من شأن شراكة كهذه أن تمنح الحزب سنداً اجتماعياً وسياسياً يعزّز استقلال قراره، ويزيد قدرته على التأثير في موازين العمل الوطني في الشمال والجنوب معاً.
وهنا يبرز السؤال: هل بذل الحزب ما يكفي لبناء تلك الشراكة، أم ترك علاقته بالحراك موزعة بين الروابط التاريخية والمواقف المتفرقة، دون إطار يحدد المشتركات ويدير الخلافات؟ وإلى أي حد استنزفته تعقيدات الحراك وتباين توجهاته، فأضعفت قدرته على المبادرة وصوغ موقف يجمع بين الدفاع عن حقوق الجنوبيين وتقديم تصور لمستقبل الدولة؟ فالتعاطف مع المظالم، مهما بلغت صدقيته، يحتاج إلى عمل منظم يحوّله إلى قوة سياسية قادرة على انتزاع الحقوق والتأثير في القرار.
وزاد من صعوبة هذا الموقع أن الحزب كان مطالباً بإثبات صدقية دفاعه عن القضية الجنوبية، فيما ظل عرضة لاتهامه بتشجيع الانفصال كلما اقترب من مطالب الحراك. وبذلك واجه ضغطاً من اتجاهين: قوى جنوبية ترى مواقفه دون سقف تطلعاتها، وقوى في الشمال تنظر بريبة إلى انحيازه لحقوق الجنوب. ولم يكن تجاوز هذا المأزق ممكناً دون وضوح في مشروعه، وقدرته على شرح الفارق بين معالجة جذور القضية الجنوبية وإعادة إنتاج الانقسام، وبين الدفاع عن الوحدة والقبول باستمرار المظالم باسمها.
وكان لهذا التعقيد امتداده داخل الحزب أيضاً، في التباين حول موقع القضية الجنوبية في أولوياته، وحدود علاقته بقوى الحراك، وكيفية التوفيق بين خصوصية الجنوب وطابعه كحزب وطني يعمل في اليمن كله.
يقتضي تقويم هذه التجربة بحث مدى تحوّل تلك التباينات إلى استقطاب داخلي أثّر في وحدة القرار وفاعليته. فمسؤولية الحزب كانت أن يصوغ من تعدد مواقفه رؤية مشتركة، وأن يحوّل صلاته بالحراك إلى شراكة تعزّز حضوره الوطني، بدلاً من أن يبقى عالقاً بين ضغوط حلفائه وحسابات خصومه وتردد خياراته.
وامتد حضور الحزب في مرحلة الانتقال إلى مؤتمر الحوار الوطني الشامل، المنعقد برعاية الأمم المتحدة، حيث أسهم برؤاه السياسية والاقتصادية والاجتماعية في النقاش حول أسس الدولة الجديدة. وربط نجاح الحوار بمعالجة القضايا الوطنية التي راكمتها الحروب وسياسات الإقصاء، وفي مقدمتها قضيتا الجنوب وصعدة، وبإخراج السلاح من المعادلة السياسية. [24] وكان دفاعه عن هاتين القضيتين تعبيراً عن إدراك أن بناء الدولة يستلزم الاعتراف بالمظالم ومعالجة جذورها، وضمان الحقوق والشراكة المتساوية، عوضاً عن إعادة إخضاع أصحابها لموازين الغلبة.

وفي القضية الجنوبية، تمسّك الحزب بحل اتحادي من إقليمين يحفظ للجنوب كيانه، واعترض على تقسيمه إلى إقليمين شرقي وغربي، لما رآه في ذلك من تفريغ للقضية من مضمونها السياسي والتاريخي. [25] وقد وضعه هذا الموقف في مواجهة حسابات قوى أرادت تسوية القضية ضمن ترتيبات لا تمسّ جوهر اختلال الشراكة. وتشير دراسة عن التحالفات السياسية في اليمن إلى تنسيق غير معلن بين المؤتمر الشعبي العام والإصلاح خلال المرحلة الانتقالية لمواجهة نفوذ الحزب الاشتراكي، [11] وهو ما يكشف حدود الشراكة حين تصطدم مطالب التغيير بمصالح أطرافها.
ومع انتقال الصراع إلى فرض الوقائع بالسلاح، أخذت فرص التسوية تتراجع أمام تمدد الحوثيين وتحالفهم مع علي عبدالله صالح، فيما لم تنجح الرعاية الدولية والإقليمية في حماية المسار الانتقالي من الانهيار.
وفي هذا المناخ، انعقد المجلس الحزبي الوطني للحزب في صنعاء في ديسمبر 2014، بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة، ليجد الحزب نفسه أمام واقع تتقلص فيه قدرة السياسة السلمية على التأثير. ومع ذلك، تمسّك بالدعوة إلى استعادة العملية السياسية، وبناء دولة اتحادية تحتكر السلاح ويسودها القانون. [25]
وفي افتتاح المجلس، حذّر ياسين سعيد نعمان من أن يدفع اليمنيون أثمان حروب تُقحمهم فيها صراعات وتسويات لا يملكون قرارها، ومن انكفاء المشروع السياسي تحت ضغط العنف والتعبئة الطائفية والمناطقية. وربط إمكان الحل العادل للقضية الجنوبية بالحفاظ على كيان الدولة، محذّراً من أن انهيارها قد يفضي إلى مزيد من التفكك داخل الجنوب نفسه. [26]
وبهذا المعنى، عبّر الحزب عن خشيته من أن تطيح الحرب بإمكانات التسوية وما تحقق من توافقات، وأن تعيد القضايا التي طُرحت للحل السياسي إلى دوامة الصراع المسلح.
لكن إدراك الخطر، على أهميته، لم يكن كافياً لبناء قدرة سياسية واجتماعية تستطيع مقاومة هذا المسار، وهنا يتصل تقدير موقف الحزب بالسؤال النقدي عن أدواته وحدود تأثيره.
ولم يقتصر موقف الحزب على التحذير من مغبّة الحرب وانهيار الدولة، فقد أعلن رفضه للإعلان الدستوري الذي أصدره الحوثيون في السادس من فبراير 2015، وعدّه انقلاباً على شرعية التوافق الوطني وإلغاءً لمسار الشراكة السياسية. وحذّر من استئثار مكوّن واحد بالقرار الوطني، وما يفتحه ذلك من صراعات تهدد وحدة البلاد وكيانها. واقترن هذا الموقف بمطالب واضحة: وقف استخدام القوة لفرض الخيارات السياسية، وسحب المسلحين من المقرات السيادية والحكومية، ورفع الإقامة الجبرية عن رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء، واحترام الحريات والاحتجاج السلمي، واستئناف الحوار. [27]
وبذلك واجه الحزب إحلال الغلبة المسلحة محل التوافق، وتمسّك بالعمل السياسي سبيلاً لمعالجة الخلافات وصون ما أُنجز من تسويات وطنية.
غيّرت الحرب شروط التأثير السياسي، إذ اتسع نفوذ القوى المسلحة، وضاقت مساحات النشاط المدني المستقل، وأضعفت الانقسامات قدرة التنظيمات الوطنية على التواصل عبر المناطق.
يشير تقرير التحول السياسي لعام 2026 إلى تراجع قدرات المجتمع المدني تحت ضغط البيئة الأمنية والسياسية وشبكات التواصل الضعيفة بين الأقاليم. [28] وفي مثل هذا الواقع، يصبح الحزب الذي يعتمد على الإقناع والعمل السلمي في مواجهة أدوات نفوذ تتغذى من السلاح والموارد والتحالفات الخارجية. وهذه عوامل تفسّر جانباً من انحسار حضوره، لكنها لا تجعل الجمود نتيجة حتمية، ولا تُسقط سؤال المبادرات الممكنة داخل الحدود المتاحة.
ومع ذلك، فإن وصف الحزب بالغائب عن الحياة السياسية لا ينصف واقع حضوره ولا يساعد على تشخيص أزمته. فقد شارك في مؤتمر الرياض عام 2015 [29] ومشاوراته عام 2022، [31] واستمر في العمل ضمن أطر التشاور والتحالفات السياسية. كما أسهم في تأسيس التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية، [30] بما يعكس استمرار محاولاته التأثير في مسارات العمل المشترك. وهذه مشاركات تمتد عبر سنوات الحرب، وينبغي تقدير مضمونها ونتائجها عند تقييم دوره، بدلاً من اختزاله في الغياب أو الاكتفاء برصد نشاط عابر له.
ويمتد هذا الحضور إلى تمثيله في هيئة التشاور والمصالحة ومشاركته في لجان العمل السياسي، [32] وإلى ممارسة أمينه العام وقياداته نشاطهم من عدن، واستمرار منظماته في العمل في تعز ومحافظات أخرى، فضلاً عن بقاء مقره الرئيسي في صنعاء إطاراً للعمل الحزبي، دون أن يعني وجوده هناك اصطفافاً مع سلطة الغلبة. وتكشف أنشطة منظمة الحزب في تعز، ومنها تحركها بشأن الخدمات العامة والتواصل مع الأحزاب والنقابات والناشطين، عن صلة بقضايا المجتمع تتجاوز مجرد المشاركة في الاجتماعات. [33] ولذلك، ينصبّ النقد على مدى قدرة الحزب على وصل هذه الجهود المتعددة بمبادرة وطنية متماسكة، وتحويل امتداده التنظيمي ومشاركاته السياسية إلى قوة أقدر على التأثير في القرار العام، والدفاع عن مصالح الناس، واستعادة ثقتهم بجدوى العمل الحزبي.
وتبدأ المسؤولية الداخلية من سؤال التجديد: إلى أي مدى أتاح الحزب لقواعده مناقشة خياراته ومحاسبة قياداته والمشاركة في تحديد أولوياته؟ وكيف منح الشباب والنساء والكفاءات الجديدة فرصاً فعلية للمبادرة؟
لا يمكن الجزم بحجم الجمود التنظيمي دون فحص انتظام اجتماعات الهيئات وآليات اتخاذ القرار وتداول المسؤولية، غير أن هذه المعايير ضرورية لفهم التراجع. فالتنظيم الذي يريد تجديد الحياة السياسية يحتاج إلى ممارسة التجديد داخل مؤسساته، وتحويل الخبرة المتراكمة إلى مورد للأجيال الجديدة، بدلاً من بقاء القرار محصوراً في دوائر ضيقة.
ويتصل بذلك سؤال الجذور الاجتماعية التي منحت المشروع هويته الأولى. ففي بلد أنهكته الحرب، تتجدد الحاجة إلى صوت يدافع عن العامل الذي فقد أجره، والمعلم المنقطع راتبه، والفلاح الذي تضررت سبل عيشه، والشاب المحروم من فرص التعلم والعمل. وهنا تصبح استعادة الانحياز إلى العمال والفلاحين وسائر الفئات المتضررة مهمة تتطلب برنامجاً معاصراً: حماية الخدمات العامة، والدفاع عن الحقوق الاقتصادية، ومواجهة الفساد، وربط الإغاثة بالتعافي والإنتاج. ويُقاس حضور الحزب بقدرته على تنظيم هذه المطالب وإيصال أصحابها إلى المجال العام، بقدر ما يُقاس بمواقفه من صراعات السلطة.
أما جذوره الوحدوية، فتضعه أمام مسؤولية أكثر تعقيداً. فالحفاظ على أفق وطني يجمع اليمنيين يتطلب الاعتراف بالمظالم التي أصابت الجنوب، والتعامل معها باعتبارها قضايا حقوق وشراكة وعدالة، مع مقاومة تحويلها إلى خصومة بين السكان أو تمييز على أساس المنشأ. ويتطلب أيضاً الدفاع عن الحقوق والحريات في كل منطقة، بصرف النظر عن السلطة المسيطرة عليها.
من هذا الموقع، يمكن للحزب أن يجدد معنى الوحدة بوصفها علاقة يرضى بها المواطنون وتضمن كرامتهم ومشاركتهم، وأن يفتح نقاشاً مسؤولاً حول شكل الدولة وضماناتها، دون الاكتفاء باستدعاء الصيغ القديمة.
ولكي تتحول هذه المسؤولية إلى فعل، يحتاج الحزب إلى مراجعة واضحة لتحالفاته وحدودها: ما البرنامج الذي يدخل به أي تحالف؟ وما الالتزامات التي يحافظ عليها؟ وكيف يضمن أن تكون مشاركته وسيلة لخدمة المجتمع وتوسيع القرار المدني؟ كما يحتاج إلى صلة منتظمة بالنقابات والجامعات والمبادرات المحلية والنساء والشباب، وإلى خطاب يشرح للناس ما يستطيع إنجازه وكيف يطالب بمحاسبته عليه. ففي ظروف الحرب، قد تكون المبادرة المحلية المحدودة أكثر دلالة على الحيوية من بيان واسع لا يجد طريقاً إلى التنفيذ.
وتظل روح أكتوبر مرجعاً لهذه المراجعة، دون أن يحتكر الحزب تمثيلها. فقيم التحرر والكرامة والعدالة والانتماء الوطني تستمد حياتها من حاجات اليمنيين وتطلعاتهم، وتتجاوز مصير أي تنظيم. وتكمن مسؤولية الحزب في أن يبرهن، من خلال ممارسته، القدرة على حمل نصيبه من تلك القيم: الدفاع عن السلام، ورفض الإقصاء، ومساندة الحقوق، ومراجعة أخطائه. وهكذا، فإن استعادة دوره تبدأ من المجتمع ومن تجديد أدوات العمل فيه؛ فالمكانة التاريخية تمنحه رصيداً، أما شرعية الحضور المتجدد فيصنعها الفعل الذي يحتاجه الناس اليوم.
تعود القراءة، في نهايتها، إلى العلاقة بين الحزب والقيم التي استمد منها شرعيته. فأي معنى بقي لانحيازه إلى الكادحين، ولمشروعه الوحدوي، ولتبنّيه الجمهورية والتحرر؟ وأين يجد المواطن هذه المبادئ في فعله الراهن؟ إن الوفاء لسبتمبر وأكتوبر يُختبر في الدفاع عن حقوق الناس، ومقاومة الاستبداد والتمييز، والقدرة على مراجعة الأخطاء وتجديد العمل السياسي.
تزعم هذه القراءة أن الحاجة اليوم ملحّة إلى أن يبادر الحزب إلى توسيع تحالفاته الوطنية، وبنائها على برنامج واضح يجمع القوى السياسية والاجتماعية المؤمنة بالدولة المدنية والمواطنة المتساوية والعدالة والسلام. وتكتسب صلته بقوى الحراك السلمي في الجنوب، وبالشباب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني في عموم البلاد، أهمية خاصة في تجديد قاعدته الاجتماعية وتوسيع حضوره. ففاعلية هذه التحالفات مرهونة بقدرتها على تنظيم عمل مشترك حول مطالب الناس، مع صون استقلال قرار الحزب وتحويل رؤاه إلى مبادرات يلمس المجتمع أثرها.
المصادر والمراجع للحلقتين
[1] هيومن رايتس ووتش، حقوق الإنسان في اليمن أثناء حرب 1994 وبعدها، أكتوبر 1994؛ ولا سيما خلفية الأزمة والاعتداءات على الحزب ومقراته. (نسخة PDF)
[2] مجلس النواب اليمني، تقرير اللجنة المكلفة بدراسة بيان الحكومة الائتلافية المقدم في 4 يوليو 1993، أرشيف المركز الوطني للمعلومات.
[3] مجلس النواب اليمني، تعقيب المجلس على بيان الحكومة الائتلافية المقدم في 4 يوليو 1993؛ ووثيقة العهد والاتفاق في ما يتعلق بعدن والتنمية.
[4] أطراف حوار القوى السياسية، وثيقة العهد والاتفاق اليمنية، عمّان، فبراير 1994، النص الكامل.
[5] هيومن رايتس ووتش، حقوق الإنسان في اليمن أثناء حرب 1994 وبعدها، أكتوبر 1994، توثيق النهب والانتهاكات أثناء الحرب وفي أعقابها. (نسخة PDF)
[6] يحيى غالب، «مشروع قانون السلطة المحلية مخالف لالتزامات الحكومة اليمنية»، صحيفة الأيام، 29 سبتمبر 2007؛ ينقل التعهد الحكومي الموجّه إلى الأمم المتحدة عقب حرب 1994 بشأن بناء الدولة على أساس وثيقة العهد والاتفاق.
[7] مؤتمر الحوار الوطني الشامل، تقرير فريق القضية الجنوبية، التقرير النصفي والقرارات، بندا المنطقة الحرة وميناء عدن، والنص المتعلق بالمظالم والحقوق.
[8] الحزب الاشتراكي اليمني، النظام الداخلي؛ والبرنامج السياسي، منشوران في الموقع الحزبي.
[9] هيومن رايتس ووتش، باسم الوحدة: رد الحكومة اليمنية الوحشي على احتجاجات الحراك الجنوبي، 15 ديسمبر 2009.
[10] هيومن رايتس ووتش، التقرير العالمي 2001، فصل اليمن: وقائع إغلاق مقر جعار والاعتقالات عام 2000.
[11] مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، تاريخ التحالفات السياسية في اليمن ودروس المستقبل؛ أقسام اللقاء المشترك والمرحلة الانتقالية.
[12] عمرو حمزاوي، بين الحكومة والمعارضة: حالة التجمع اليمني للإصلاح، أوراق كارنيغي، رقم 18، نوفمبر 2009. (نسخة PDF)
[13] بيتر سالزبري، علي محسن الأحمر في اليمن: آخر رجال سنحان الباقين، معهد دول الخليج العربية في واشنطن.
[14] الجزيرة نت، الإصلاح اليمني ينفي أي علاقة له باغتيال جار الله، 28 ديسمبر 2002؛ وللموقف المنشور في موقع الإصلاح: تصفية الخصوم والاستفراد بالسلطة: أصابع الإرهاب الخفية في اليمن.
[15] مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، تاريخ التحالفات السياسية في اليمن ودروس المستقبل؛ أقسام اللقاء المشترك والمرحلة الانتقالية.
[16] إيرين، صالح يفوز لكن التحديات ماثلة، 25 سبتمبر 2006، محفوظ في موقع The New Humanitarian، تغطية صحفية تتضمن خلاصة ملاحظات بعثة الاتحاد الأوروبي؛ والتقرير الأصلي للبعثة مدرج في المرجع [19].
[17] البيان، تغطية الانتخابات الرئاسية اليمنية واتهام مرافق بن شملان ورد المعارضة، 21 سبتمبر 2006.
[18] الجزيرة، برنامج زيارة خاصة، عبد الله الأحمر: القبلية والسلطة، الجزء الأول، 13 ديسمبر 2005، نص الحوار التلفزيوني.
[19] بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات، اليمن: التقرير النهائي للانتخابات الرئاسية والمحلية لعام 2006، نسخة منشورة في أرشيف ACE.
[20] الاتحاد البرلماني الدولي، اليمن: انتخابات مجلس النواب في 27 أبريل 2003، النتائج النهائية، ومنها حصول الحزب الاشتراكي اليمني على ثمانية مقاعد.
[21] المؤتمر نت، المؤتمر والمشترك: خمس اتفاقيات في خمس سنوات حوار؛ يتضمن نص اتفاق فبراير 2009 ومحضر تنفيذه الموقع في 17 يوليو 2010 وأسماء ممثلي الأحزاب.
[22] الأمانة العامة للحزب الاشتراكي اليمني، بيان الاعتراض على استثناء الحزب من التعيينات، 12 سبتمبر 2012، منشور في المصدر أونلاين بعنوان «الحزب الاشتراكي يستغرب استثناءه من التعيينات الجمهورية ويقول إن إقصاء الشركاء يشوه عملية التغيير السلمية».
[23] مركز الجزيرة للدراسات، الحراك الجنوبي: قوة فاعلة غير رسمية، 2011؛ ولرؤية الحزب: حوار ياسين سعيد نعمان «الحراك الجنوبي سبق تونس»، مأرب برس.
[24] الحزب الاشتراكي اليمني، البيان الختامي للدورة التاسعة للجنة المركزية، الدورة المنعقدة في 5–7 يونيو 2013، منشور في الحوار المتمدن، 4 يوليو 2013.
[25] الحزب الاشتراكي اليمني، البيان الختامي للمجلس الحزبي الوطني، صنعاء، 15–17 ديسمبر 2014؛ بشأن الدولة الاتحادية من إقليمين واحتكار السلاح.
[26] الأيام، في افتتاح أعمال المجلس الوطني للحزب الاشتراكي: د. ياسين: لا بد من الحل السياسي لمعالجة القضية الجنوبية، 16 ديسمبر 2014؛ يتضمن عرض تحذيرات ياسين سعيد نعمان في افتتاح المجلس.
[27] الحزب الاشتراكي اليمني، بيان موقف الحزب من الإعلان الدستوري الصادر في 6 فبراير 2015، منشور في الاشتراكي نت.
[28] مؤسسة برتلسمان، مؤشر التحول BTI 2026، تقرير اليمن، ولا سيما قسم المجتمع المدني؛ يغطي فترة التقييم من فبراير 2023 إلى يناير 2025.
[29] العربي الجديد، حوار مع الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني بعنوان «المفاوضات لن تفشل»؛ يتضمن تفسير مشاركة الحزب في مؤتمر الرياض في مايو 2015.
[30] الأحزاب والمكونات المؤسسة، نص بيان إشهار التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية، عدن، 5 نوفمبر 2024، منشور في موقع الإصلاح.
[31] الاشتراكي نت، تغطيات لقاءات الأمين العام وقيادات الحزب المشاركة في مشاورات الرياض، أبريل 2022، أرشيف الأخبار.
[32] الاشتراكي نت، هيئة التشاور والمصالحة تشكل لجانها التخصصية، 4 أبريل 2024.
[33] المواطن، اشتراكي تعز يناقش أزمة الخدمات وتطورات الوضع السياسي.
[35] فواز طرابلسي، جنوب اليمن في حكم اليسار: شهادة شخصية، حاورته بشرى المقطري، بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2015.
[36] الحزب الاشتراكي اليمني، وثائق الكونفرنس الحزبي العام المنعقد في 20–22 يونيو 1987؛ السجل الببليوغرافي في كتب Google.
[37] جار الله عمر، مذكرات جارالله عمر 6/6، مجلة بدايات؛ مراجعة المركزية الديمقراطية والدعوة إلى التعددية.



