الخميس 22 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • من نداء الأزهر إلى تسوية يمنية شاملة

من نداء الأزهر إلى تسوية يمنية شاملة

تكتسب مبادرة شيخ الأزهر أهميتها من دعوتها إلى وقف الحروب وتشكيل لجنة وساطة من حكماء الدول العربية والإسلامية بما يمنح جهود السلام سندًا أخلاقيًا ودينيًا في مواجهة التعبئة والتحريض واستباحة الدماء. وبالنسبة لليمن يمكن لهذه الدعوة أن تفتح نافذة للحوار، وتساعد على تجاوز حالة الانسداد السياسي، غير أن مضمونها المعلن لا يزال نداء عامًا للوساطة، وليس مشروعًا تفصيليًا للتسوية، ولذلك فإن تقييمها ينبغي أن ينطلق من قدرتها على المساعدة في وقف الحرب وتقريب الأطراف وصولًا إلى اتفاق يعالج أسباب الصراع ويحفظ حقوق اليمنيين وأمن جيرانهم. فالقيمة الحقيقية لأية مبادرة تكمن في قدرتها على إنقاذ الأرواح وتحويل الدعوة إلى السلام إلى خطوات عملية.

وتثير المبادرة سؤال علاقتها بمرجعيات الحل المتمثلة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني وقرارات مجلس الأمن وفي مقدمتها القرار 2216، وهي مرجعيات تضمنت أسسًا للانتقال السياسي واستعادة مؤسسات الدولة واستئناف المفاوضات، غير أن احترام مقاصدها لا يعني تجميد العملية السياسية عند صيغ وآليات تعود إلى مراحل سابقة، فالأهم هو الحفاظ على جوهرها المتعلق بالدولة والمواطنة والشراكة ورفض احتكار السلطة بالسلاح مع البحث عن ترتيبات واقعية ومتوافق عليها لتحقيق هذه المبادئ. فالمرجعيات وضعت للمساعدة في حل الأزمة وحماية مستقبل اليمنيين، ومن الضروري أن يظل التعامل معها مرتبطًا بهذه الغاية.
وفي قراءة نقدية لمسار الأزمة يمكن القول إن أطرافًا يمنية وإقليمية ودولية عديدة تجاوزت في ممارساتها بعض مقتضيات هذه المرجعيات، أو تعاملت معها بصورة انتقائية، ولهذا يصبح من المشروع مساءلة التمسك الحرفي بها حين تستخدم لرفض أية تسوية جديدة، بينما يجري تجاوزها في إدارة الصراع والتحالفات وترتيبات السلطة، وهنا تظهر خشية تحولها إلى ما يشبه مسمار جحا الذي يستدعى لتعطيل الحل كلما اقتربت فرصته، فالمشكلة ليست في وجود المرجعيات، وإنما في تحويلها إلى حق اعتراض دائم على السلام، ومن يتجاوز بعض أحكامها في ممارساته تضعف حجته حين يستدعيها لرفض الحوار، ونقد هذا الاستخدام يقتضي التمييز بين الحقوق والمبادئ التي يجب صونها والصيغ التنفيذية التي يمكن تطويرها بالتوافق مع احترام الالتزامات القانونية ذات الصلة.
وتؤكد الجهود السابقة أن البحث عن السلام احتاج باستمرار إلى خطوات عملية تجمع بين التهدئة ومعالجة الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والتحضير للتفاوض السياسي، فمن مشاورات الكويت إلى اتفاق ستوكهولم وهدنة عام 2022 ثم الجهود السعودية والعمانية والالتزامات التي أعلن المبعوث الأممي في ديسمبر 2023 العمل على إدراجها ضمن خارطة طريق، ظلت الحاجة قائمة إلى إرادة سياسية تحول التفاهمات إلى واقع، ويمكن لمبادرة الأزهر أن تساعد في تهيئة المناخ لاستئناف هذه الجهود عبر خفض التحريض وفتح قنوات التواصل وتشجيع إجراءات بناء الثقة، على أن تبقى التسوية مملوكة لليمنيين، وتشمل تنوعهم السياسي والاجتماعي، وتعالج قضايا السلطة والسلاح والموارد والحقوق، وألا تختزل في تفاهمات بين القوى المسلحة أو الأطراف الخارجية.
وعليه فإن السؤال الأهم هو مدى قدرة مبادرة شيخ الأزهر على المساهمة في الوصول إلى سلام عادل وقابل للاستمرار، مع صون الحقوق التي استندت إليها مرجعيات الحل، فالأولوية هي وقف نزيف الدم وإنهاء معاناة الناس واستعادة مؤسسات تخدم الجميع ووضع ضمانات تمنع تجدد الحرب، ولا يكفي إعلان التمسك بالمرجعيات إذا لم يصاحبه استعداد لتسوية واقعية، كما لا يكفي رفع شعار السلام إذا كان غطاء لتكريس القهر والانقسام. والمطلوب شجاعة سياسية تراجع ما تعثر، وتبني على ما تحقق، وتجعل المرجعيات جسرًا نحو اتفاق يحفظ الحقوق ويستجيب للتحولات، فاستمرار الحرب ليس ضمانة لتنفيذ المرجعيات، والوصول إلى السلام هو الغاية التي ينبغي أن توجه جميع المبادرات والجهود.