جيوبوليتيك اليمن والسعودية والأمن القومي العربي: قراءة في الجغرافيا السياسية والصراع ومآلاته
قبل سنوات، أهداني صديقي العزيز الدكتور عمر كامل حسن رسالة ماجستير نوقشت في جامعة الأنبار العراقية، بعنوان "الأهمية الجيوبوليتيكية لدولة اليمن في الأمن القومي السعودي" ، أعدّتها الباحثة ابتِهال ناصر جبير المحلاوي، بإشراف الأستاذ الدكتور عمر كامل حسن، أستاذ الجغرافيا السياسية وصاحب الباع الطويل في الدراسات الجيوبوليتيكية، التي تناول فيها النظام الإقليمي العربي وتحدياته ومتغيراته ومستقبله، والسياسة الخارجية الأمريكية، والنظام الشرق أوسطي وتأثيره في الأمن القومي العربي، والمجالات الحيوية في الاستراتيجية الإيرانية، وغيرها من الدراسات المهمة.
نبهتني تلك الرسالة الاكاديمية في الجغرافيا السياسية إلى أهمية نظرية المجال الحيوي في تفسير الصراعات السياسية والاستراتيجية، وإلى أن الجغرافيا ليست مجرد مساحة مرسومة على الخرائط، ولا حدودًا تفصل دولة عن أخرى، وإنما هي عنصر فاعل في تشكيل المصالح، وتحديد موازين القوة، وصياغة تصورات الدول عن أمنها ومستقبلها. فالموقع الجغرافي قد يمنح الدولة فرصًا هائلة للتأثير، لكنه قد يتحول، في ظل ضعف مؤسساتها وانقسام سلطتها، إلى مصدر استقطاب وتنافس بين القوى الإقليمية والدولية.
والسؤال الملح اليوم ليس فقط: ما أهمية اليمن الجيوبوليتيكية بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية؟ بل أيضًا: لماذا عجزت اليمن، على الرغم من موقعه الاستراتيجي وإمكاناته البشرية والبحرية، عن تحويل هذه المزايا إلى قوة دولة مستقرة، ومصدر ازدهار لشعبه، وعنصر أمان لجيرانه ومحيطه العربي؟
لفت نظري توصيفٌ استهلت به الباحثة فصلها الثاني، نقلًا عن برايان وينكر في كتابه The Birth of Modern Yemen، ومفاده أن اليمن بلد ذو تاريخ طويل للأرض وقصير للدولة. وهي عبارة تختزل مفارقة تاريخية تستحق التأمل؛ فاليمن يمتلك عمقًا حضاريًا وإنسانيًا ضاربًا في القدم، لكنه لم ينجح، عبر مراحله السياسية المختلفة، في بناء دولة حديثة راسخة تتجاوز الانقسامات المناطقية والاجتماعية، وتحوّل التنوع الجغرافي والبشري إلى مصدر قوة وطنية مشتركة.
وهذا ما سبق وأن كتبت عنه في مقال (اليمن الذي لم تفهمه نخبه) إذ أسهمت التضاريس الوعرة، والجبال العالية، والوديان المتباعدة، والمناطق الساحلية والصحراوية، في تشكيل أنماط متعددة من الاستقلال المحلي، وأثرت في علاقة المركز بالأطراف، وفي قدرة السلطات المتعاقبة على بسط نفوذها. لكن الجغرافيا، مهما بلغت سطوتها، لا تصنع مصير الشعوب وحدها؛ فالذي يحوّلها إلى نعمة أو نقمة هو نمط الحكم، وطبيعة المؤسسات، ومدى قدرة الدولة على بناء عقد اجتماعي عادل يضمن المواطنة المتساوية ويستوعب الاختلاف.
ورغم اهمية الجغرافيا في تشكيل المجتمعات والدولة يلزمنا الحذر من القول بالحتمية الجغرافية لتفسر إخفاق الدولة اليمنية بتضاريسها وحدها، أو تجعل من التاريخ الجهوي قدرًا لا فكاك منه. فهناك دول كثيرة واجهت ظروفًا جغرافية صعبة، لكنها استطاعت، بفضل المؤسسات الفاعلة والسياسات الرشيدة، أن تجعل من التحديات فرصًا للتنمية والتكامل. ومنها سويسرا الراقية وقد سبق وان كتبت مقالا عن التجربة السويسرية في الحكم الكونفدرالي في صحيفة النداء اليمنية التقدمية بعنوان ( التجربة السويسرية في الحكم الرشيد) أما حين تتقدم العصبيات والمصالح الشخصية على المصلحة العامة، وتتحول الدولة إلى غنيمة تتنازعها القوى المتنافسة، فإن الجغرافيا تصبح مسرحًا مفتوحًا للصراع، بدلًا من أن تكون إطارًا جامعًا للحياة الوطنية.
ومن المهم التاكيد إن الموقع الاستراتيجي لليمن، المطل على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، والمشرف على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تتصل عبرها طرق التجارة والطاقة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط. فهذا الموقع يجعل اليمن جزءًا من معادلة تتجاوز حدوده الوطنية، وترتبط بأمن الملاحة الدولية، ومصالح الدول المطلة على البحر الأحمر، وأمن شبه الجزيرة العربية، وتوازنات القوى في الشرق الأوسط.
لكن المفارقة المؤلمة أن الموقع الذي كان يمكن أن يجعل اليمن مركزًا للتجارة البحرية والتكامل الاقتصادي والاستثمار، أصبح في ظل انهيار الدولة ساحةً للتنافس العسكري، وممرًا لتبادل رسائل القوة، ونقطة ضغط في صراعات إقليمية ودولية. وهكذا يتحول الامتياز الجغرافي، حين تغيب الدولة القادرة على إدارته، إلى عبء يدفع المواطن اليمني ثمنه من أمنه ومعيشته ومستقبله.
وقد ازدادت هذه الحقيقة وضوحًا في أكتوبر 2026، مع عودة المواجهات العسكرية واتساعها إلى جبهات متعددة، وتطور القتال في الساحل الغربي ومحيط باب المندب، بالتزامن مع هجمات استهدفت مواقع داخل المملكة العربية السعودية. وفي إحاطته أمام مجلس الأمن في التاسع من أكتوبر، حذّر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من انزلاق البلاد مجددًا إلى حرب واسعة النطاق، مع تصاعد القتال في محيط تعز ولحج ومأرب والجوف وحجة، وتدهور الوضع الإنساني
إن هذه التطورات تعيدنا إلى جوهر المسألة الجيوبوليتيكية: فالصراع على اليمن ليس صراعًا على السلطة في صنعاء أو عدن فحسب، بل هو أيضًا صراع على الموانئ والجزر والممرات البحرية ومواقع النفوذ، وعلى طبيعة النظام الإقليمي الذي سيتشكل في المنطقة. وهذا هو فحوى كتاب بيروت وصنعاء وعدن؛ مدن متنازع عليها ) للكاتب الفرنسي فرانك مرميه؛ نشره بداية عام 2026م وهذا يعني إن اختزال الأزمة اليمنية في التنافس السعودي الإيراني وحده لا يكفي لفهمها؛ إذ تتداخل فيها عوامل داخلية تتصل بفشل الحكم، وانقسام المؤسسات، وتعدد القوى المسلحة، وعوامل إقليمية ودولية ترتبط بالمصالح الاستراتيجية وأمن الطاقة والملاحة. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لا يبقى شأنًا يمنيًا أو عربيًا محضًا، بل يمتد أثره إلى التجارة الدولية وأسواق الطاقة وحسابات الأمن البحري.
إن التدخل الخارجي لا ينشأ في فراغ، بل يجد بيئته المناسبة حين تضعف الدولة، وتفقد مؤسساتها قدرتها على احتكار القوة المشروعة، ويتحول المجال الوطني إلى ساحات نفوذ متنافسة. ومن هنا فإن مسؤولية اليمنيين عن بناء دولتهم لا تسقط بسبب التدخلات الخارجية، كما أن مسؤولية القوى الإقليمية والدولية لا تُعفى من المحاسبة بحجة وجود صراعات داخلية. فالمسؤوليات متداخلة، لكن الخروج من الأزمة يبدأ بالاعتراف بها جميعًا، لا بتوظيف بعضها للتغطية على بعضها الآخر.
أما المملكة العربية السعودية، فإن أمنها القومي لا يمكن فصله عن استقرار اليمن. فبين البلدين حدود جغرافية طويلة، وروابط اجتماعية وتاريخية، ومصالح اقتصادية وأمنية متشابكة. وكلما اتسعت مساحة الفوضى في اليمن، ازدادت المخاطر المرتبطة بالحدود، وتهريب السلاح، والهجمات العابرة للحدود، وتهديد المنشآت الحيوية، واضطراب الملاحة في البحر الأحمر. ولذلك فإن استقرار اليمن ليس منحة تقدمها السعودية لجارها، ولا شأنًا يخص اليمنيين وحدهم؛ إنه مصلحة استراتيجية مشتركة تفرضها الجغرافيا وضرورات الأمن الإقليمي.
غير أن الدرس الذي ينبغي استخلاصه من سنوات الحرب هو أن الأمن لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، مهما كانت ضرورتها في حماية المدنيين والدفاع عن الأراضي والمنشآت. فالقوة التي لا تسندها تسوية سياسية عادلة، ومؤسسات وطنية شرعية، وتنمية اقتصادية مستدامة، قد تنجح في تغيير خطوط التماس، لكنها لا تضمن سلامًا دائمًا. ولعل أخطر ما تكشفه الأزمة اليمنية هو أن إضعاف الخصم عسكريًا لا يعني بالضرورة بناء الدولة، وأن استعادة مدينة أو ميناء لا تعني تلقائيًا استعادة السيادة أو إنهاء أسباب الصراع.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة عربية تتجاوز إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، وتدرك أن الأمن القومي العربي لا يُصان بالقوة العسكرية وحدها، بل ببناء الدول المستقرة، وحماية مؤسساتها، وتحقيق العدالة والتنمية، واحترام إرادة الشعوب. فاليمن ليس هامشًا جغرافيًا في الخريطة العربية، بل يمثل بعمقه التاريخي وموقعه الاستراتيجي في باب المندب والبحر الأحمر ركيزة أساسية في معادلة الأمن الإقليمي، كما أن أمن المملكة العربية السعودية واستقرار دول الخليج يظلان مرتبطين باستعادة الدولة اليمنية وإنهاء دوامة الحروب والتدخلات الخارجية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور المصري بوصفه ركيزة محورية في منظومة الأمن القومي العربي؛ فمصر، بثقلها السياسي والاستراتيجي وموقعها المتصل بالبحر الأحمر وقناة السويس، مطالبة بالإسهام الفاعل في بناء توافق عربي يحمي المصالح المشتركة، ويدعم التسوية السياسية في اليمن، ويصون أمن الملاحة الدولية، ويحول دون تحويل الممرات البحرية إلى ساحات للصراع وتصفية الحسابات. إن التكامل بين مصر والسعودية وسائر الدول العربية ليس ترفًا دبلوماسيًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة التحديات الراهنة.
وإذا كنت قد تناولت هذه القضايا في مقالي المنشور في 4 مايو 2022م، فإن تطورات اليوم تؤكد أن التحذير من مخاطر انهيار الدولة اليمنية كان استشرافًا لمأزق لم تنتهِ تداعياته بعد. فالأمن القومي العربي يبدأ من يمنٍ مستقر، ويتعزز بتكامل عربي فاعل، وتظل مصر والسعودية في قلب هذه المعادلة. فالجغرافيا تحدد أهمية المكان، لكن الحكمة السياسية هي التي تحوّل هذه الأهمية من مصدر للصراع إلى جسر للسلام والتنمية.



