اليمن خلال 64 عاما من الصراعات والحروب والاغتيالات والنهم على السلطة والثروة
أود أن أرصد وأستعرض الصراعات والحروب والاغتيالات في اليمن إبان 64 عاما، وما آلت إليه من نتائج سلبية:
قامت الجمهورية العربية اليمنية في 26 سبتمبر 1962م برئاسة المشير عبدالله السلال، بعد الإطاحة بالمملكة المتوكلية اليمنية. واستمرت المعارك بين الملكيين والجمهوريين حتى تطويق الملكيين صنعاء في 27 نوفمبر 1967م، وفك الجمهوريون الحصار بعد سبعين يوما، وتحديدا في 8 فبراير 1968م، وبقيت المعارك محتدمة في موقع (قزان) حتى اندحار فلول الملكيين، وإعلان فتح طريق صنعاء _ تعز، في نهاية أغسطس 1968م.
وفي سياق متصل، التقى الرئيس جمال عبدالناصر، الملك فيصل بن عبدالعزيز، في الفترة 29 أغسطس _ 1 سبتمبر 1967م، على هامش مؤتمر القمة العربية في الخرطوم. وفي اللقاء، اتفق الجانبان على وقف مساعدات الملكيين والجمهوريين، وتحدثا أيضا حول تسوية المشكلة اليمنية. ثم عقدت لقاءات أخرى في مصر، وكانت أيضا ودية ومثمرة. وقد أسفرت عن قيام الصلح بين الجمهوريين والملكيين في جدة، برعاية الملك فيصل، في نهاية مارس 1970م. وتم التوصل إلى اتفاق المصالحة الوطنية تحت اسم الجمهورية العربية اليمنية.
كما قامت ثورة 14 أكتوبر 1963م ضد الاحتلال البريطاني، وانتهت بجلاء الاستعمار البريطاني في 30 نوفمبر 1967م، وقيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، برئاسة المهندس قحطان الشعبي، وبعدها بعامين، تم الانقلاب بقيادة الرئيس/ علي سالم ربيع علي (سالمين)، وتعديل اسم الدولة إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
وفي عام (1969م)، نشبت مواجهات عسكرية حدودية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وتمت السيطرة السعودية على مركز الوديعة.
اندلعت مواجهات عسكرية بين الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في (1972م) و(1979م)، وتم الصلح بينهما على التوالي: بوساطة ليبية، ووساطة كويتية.
قامت ثورة 13 يونيو 1974م التصحيحية، دون إراقة قطرة دم، بقيادة فخامة الرئيس المقدم إبراهيم محمد الحمدي، الذي انتهج التصحيح المالي والإداري، والرقابة والمحاسبة، والحد من تدخل سلطات المشايخ في شؤون البلاد، والقضاء على الفساد في جميع مؤسسات الدولة، والبدء في أول خطة خمسية، وتحسين الوضع الاقتصادي، وتشجيع المجالات التعاونية والاستثمارية، وتشييد الطرقات، وإقامة مشروع المياه والري، وتوسيع صناعة الغزل والنسيج... إلخ. كما قام بمنجزات خارجية شملت استقلال القرار اليمني، وتعزيز العلاقات مع الدول العربية والإسلامية الشقيقة والدول الأجنبية الصديقة... إلخ.
للأسف الشديد، تم اغتيال الرئيس إبراهيم محمد الحمدي في بيت مضيفه رئيس الأركان العامة أحمد حسين الغشمي، ومن معه من العملاء، في يوم 11 أكتوبر 1977م المشؤوم، بعد استدراجه لمأدبة الغداء التي أقيمت على شرفه قبل مغادرته إلى عدن، وفي أهم مرحلة تاريخية لنهضة اليمن الحديث.
حقا، إن اغتيال الرئيس إبراهيم محمد الحمدي يعتبر اغتيال وطن... وجاء استشهاده قبل بضع ساعات من سفره إلى (عدن) لإعلان قيام الوحدة اليمنية المباركة، مع أخيه الرئيس سالم ربيع علي (سالمين)، رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
وفي 15 أكتوبر 1978م، قامت الانتفاضة الشعبية الناصرية السلمية، بقيادة رئيس المجلس الثوري الأستاذ عيسى محمد سيف، وتم إلقاء القبض عليه ورفاقه. وحتى الآن، أي بعد مضي أربعين عاما، لم يعرف أهاليهم مكان دفنهم.
كما اضطرمت، في عام 1978، حرب الجبهة الوطنية الديمقراطية في المناطق الوسطى ضد الحكومة في الشمال، وانتهت بوقف إطلاق النار بين الجانبين عام 1982م، بمساندة جنوبية.
وفي 13 يناير 1986م، نشبت الحرب الأهلية في الجنوب بين جناحي الحزب الاشتراكي، وذهب ضحيتها آلاف القتلى، في مقدمتهم قيادة الجناح اليساري للحزب، وغادر الجناح الآخر إلى الشمال.
وبعد قيام الوحدة اليمنية المباركة في 22 مايو 1990م بين الرئيسين علي عبدالله صالح والرئيس الجنوبي علي سالم البيض، لم تستقر الأمور بين الجانبين منذ العام الأول للوحدة، وبخاصة بعد الانتخابات التشريعية صيف عام 1993م، وخروج شريك الوحدة، خلافا لأصول مبادئ الوحدة بين دولتين.
ولإصلاح ذات البين، تدخل الملك حسين بن طلال _ ملك المملكة الأردنية الهاشمية _ بين شريكي الوحدة. وباءت الوساطة بالفشل؛ لأن الخلافات قد بلغت أشدها بين الطرفين الألداء. ومن الأردن، اتجه نائب الرئيس علي سالم البيض ومن معه من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني إلى العاصمة الاقتصادية (عدن)، ورفضوا العودة إلى صنعاء كمؤشر للانفصال.
وبناء عليه، اشتعلت الحرب (حرب الردة والانفصال) في نهاية أبريل 1994م، وانتهت في 7 يوليو بوصول القوات الموالية للرئيس علي عبدالله صالح إلى (عدن)، ومغادرة نائب الرئيس علي سالم البيض ومن معه من الرفاق إلى سلطنة عمان، ملوحين بالانفصال.
في عام 1996م، استولت قوات إريترية على جزيرة حنيش الصغرى، ودحرت الحامية العسكرية اليمنية المرابطة هناك. وبعد أخذ ورد بين الحكومتين، وافق الجانبان اليمني والإريتري على التحكيم الدولي، وانتهى الحكم لصالح الجمهورية اليمنية، مع تقديم بعض التسهيلات للصيادين الإريتريين.
في سياق آخر، نشبت حروب صعدة الست خلال الفترة 2004 _ 2010م، خاضها الجيش اليمني ضد جماعة أنصار الله الحوثيين.
كما قامت ثورة الشباب السلمية في صنعاء وفي بقية الساحات اليمنية يوم 11 فبراير 2011م، وفي 21 مارس 2011م، تعرضت الساحة في صنعاء إلى إطلاق الرصاص، وذهب ضحيتها أكثر من 50 شابا _ يوم جمعة الكرامة، وكذا تعرضت ساحة تعز لإحراق الشباب ليلا. بعدئذ، توسعت دائرة الثورة لتشمل أحزابا ومدنيين.
ولتجنيب اليمن من الحرب الأهلية، قدم مجلس التعاون العربي الخليجي وساطته (المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية)، عبر صيغة «لا ضرر ولا ضرار»، تشمل الحزبين العميقين: المؤتمر الشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح.
وبناء عليه، تم نقل السلطة من الرئيس علي عبدالله صالح إلى نائبه عبد ربه منصور هادي، وباستفتاء شعبي عام تم اختياره رئيسا توافقيا في 25 فبراير 2012م.
لسوء الطالع، وكما يقال: إنه عمل لا بد منه، تم التوصل إلى تلك الصيغة المذكورة، وإعادة حزبي: المؤتمر والإصلاح وشركائهما لمرحلة انتقالية لمدة عامين. وكانت النتيجة مخيبة للآمال، إذ لم تستقر البلاد، وازدادت الاضطرابات بين الجانبين، وتدهور الاقتصاد، وساد عدم الأمن والاستقرار.
وفي هذه الأثناء، وبناء على حسابات، تحركت جماعة أنصار الله _ الحوثيون عسكريا من صعدة إلى دماج، ثم عمران، وأخيرا إلى صنعاء في 21 سبتمبر 2014م، ثم جنوبا حتى (عدن)، وذلك بالتعاون المعلن من قبل الرئيس السابق، زعيم المؤتمر الشعبي العام علي عبدالله صالح، إذ فتح لهم المعسكرات الخاضعة له لمحاربة الإصلاح، والدواعش، والقاعدة، ثم عادوا القهقرى بعد مقاومة داخلية، وتدخل خارجي.
وبرعاية الرئيس عبد ربه منصور هادي، أقيم مؤتمر الحوار الوطني عام 2014م، شمل جميع المكونات السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والأكاديميين، والإعلاميين، والمرأة، والشباب. أفضى المؤتمر إلى مخرجات وطنية، تضمنها الدستور الجديد كحل للصراعات في اليمن. ومن أهم ركائزها: إقامة جمهورية اليمن الاتحادية، والحكم الرشيد، والعدالة، والعمل الديمقراطي، وتقاسم السلطة والثروة، وحرية الإعلام... إلخ. للأسف الشديد، انسحب عند التوقيع من لا يرغب في الحكم الاتحادي والعمل الديمقراطي.
وفي سياق متصل، تم الاتفاق أيضا على وثيقة السلم والشراكة المقدمة من أنصار الله الحوثيين إلى الرئيس عبد ربه منصور هادي في 27 سبتمبر 2014م.
وفي وقت لاحق، تم الاستيلاء على المؤسسات الشرعية، كما تعرض منزل الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى اقتحام، أدى إلى مغادرته صنعاء إلى عدن، ثم توجه إلى الرياض في 25 مارس 2015م، وكان قد قدم طلبا رسميا من التحالف العربي بقيادة السعودية بدعم إعادة الشرعية إلى صنعاء.
وبدأت الحرب باسم عاصفة الحزم والأمل، بداية من 26 مارس 1915م باسم (الحزم)، و(الأمل) من 22 أبريل 2015م بهدف المساعدات. وبالتزامن مع ذلك، أصدر مجلس الأمن القرار 2216م بشأن اليمن يوم 14 أبريل 2015م.
وبرعاية الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي العربي، أقيم اجتماع يمني _ يمني، إبان الفترة 29 مارس 2022م حتى 7 أبريل 2022م، شمل جميع المكونات السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والأكاديميين، والإعلاميين، والشخصيات البارزة لمعالجة الشؤون اليمنية. وقد أفضى الاجتماع إلى إصدار إعلان في السابع من أبريل 2022م بتنازل الرئيس عبد ربه منصور هادي عن كامل صلاحياته الرئاسية لصالح مجلس قيادة رئاسي انتقالي، يرأسه الرئيس اللواء د. رشاد محمد العليمي، وسبعة أعضاء.
وفي ديسمبر 2025م، تمردت مليشيات المجلس الانتقالي بقيادة اللواء عيدروس الزبيدي، عضو المجلس الرئاسي. وقام بالاستيلاء على أبين، وشبوة، والمكلا حتى قيام المهرة، وكان على وشك إعلان دولة الجنوب العربي، لولا تدخل المملكة العربية السعودية في آخر لحظة، ودحر المليشيات حتى عقر دارها في الضالع، والاستغناء عن خدمات الإمارات، وهروب اللواء عيدروس الزبيدي إلى أبوظبي عن طريق أرض الصومال.
اندلعت الحرب في 9 أغسطس 2026م بين أنصار الله الحوثيين _ سلطة الأمر الواقع في (صنعاء) _ والحكومة اليمنية _ السلطة الشرعية في (عدن) _، بالتعاون مع التحالف العربي لدعم الشرعية بقيادة السعودية.
لسوء الطالع، لم يتحقق أي منجز طيلة إحدى عشرة سنة، وبقيت اليمن مسرحا للحروب والهدن والألم. ونأمل، ونتمنى أن تكون هذه الحرب خاتمة الحروب في اليمن.
حقيقة الأمر، إن الشعب اليمني لم يعد يطيق هذه الصراعات؛ فقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى.
وختاما، بعد الرصد والاستعراض لتطورات الأحداث تكة بتكة، لم يشهد اليمن استقرارا يذكر منذ 64 عاما حتى تاريخ يومنا هذا، الموافق 21 أكتوبر 2026م.
ويشار إلى أن عدد الحروب والاغتيالات والنزاعات والفتن قد بلغت تقديرا نسبة 95% من مجموع 64 عاما، وباستثناء نسبة قد تصل إلى 5%، وهي الفترة الذهبية الأكثر استقرارا وتقدما، شهدها اليمن الحديث في عهد الرئيس الشهيد إبراهيم محمد الحمدي، في الفترة من 13 يونيو 1974م إلى 11 أكتوبر 1977م.
ويستحضرني هذان البيتان من الشعر بمناسبة الذكرى الـ49 لوفاة الرئيس الشهيد إبراهيم محمد الحمدي:
ألا في سبيل الله ذاك الدم الغالي
والمجد ما أبقى من المثل العالي
سلام عليه في الحياة وهامدا،
وفي العصر الخالي، وفي العالم التالي.



