الدم اليمني
في مشهد مأساوي يتواصل نزيف الدم اليمني في مختلف أرجاء البلاد، وسط دوامة من القتل والحرب والصراع على السلطة والنفوذ، تحركها الأطماع والأهواء، وتتشابك فيها المصالح المحلية مع الأجندات الخارجية، بينما يدفع الشعب اليمني الثمن من أرواح أبنائه وأمنه واستقراره ومستقبله.
لم يعد الدم اليمني، في ظل هذا العبث المستمر، يحظى بالحرمة التي تفرضها القيم الدينية والإنسانية والوطنية، وكأن حياة اليمنيين أصبحت تفصيلًا هامشيًا في حسابات المتصارعين، وكأن هذا الشعب خُلق ليكون وقودًا لحروبهم، وضحية لأطماعهم، وجسرًا يعبرون عليه نحو مصالحهم ومشروعاتهم الخاصة. تتبدل الشعارات والرايات، وتتعدد المبررات، لكن النتيجة واحدة: مزيد من القتلى والجرحى والمشردين، ومزيد من الأحقاد والانقسامات، ووطن ينزف وشعب تتآكل مقومات حياته.
لقد نهى ديننا الإسلامي عن الإسراف، وحرّم الاعتداء على النفس البشرية، وجعل للدماء حرمة عظيمة لا يجوز انتهاكها. فإذا كان الإسراف مذمومًا في موارد الحياة ومقوماتها، فإن سفك الدماء بغير حق جريمة أشد فداحة، لا تبررها الشعارات، ولا تمنحها المشروعات السياسية حصانة أخلاقية، ولا تحولها ادعاءات الحق والانتصار إلى فعل مشروع. فحرمة الدم لا تتجزأ، وحياة الإنسان ليست رخيصة حتى تُهدر في سبيل نزوات الحكام وأطماع المتنفذين وحسابات القوى المتصارعة.
إن الحكم بالغلبة والقهر، وفرض الإرادة بقوة السلاح، وتحويل السلطة إلى غاية تبرر كل الوسائل، لا يصنع استقرارًا، ولا يؤسس شرعية راسخة، ولا يحقق أمنًا دائمًا. فالسلطة التي تستند إلى القوة وحدها تظل أسيرة الخوف والصراع، أما الدولة الحقيقية فتقوم على المؤسسات والقانون والمواطنة المتساوية، وتحمي حق الإنسان في الحياة والكرامة والحرية، وتجعل خدمة الشعب مسؤولية، لا وسيلة للاستعلاء عليه وإخضاعه.
وما يجري في اليمن ليس مجرد صراع على السلطة، بل مأساة وطنية تتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية، وتدفع كلفتها الأجيال الحاضرة والقادمة. فحين تتقدم المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية، ويُستخدم السلاح لفرض التوجهات السياسية والعقائدية والمذهبية، ويتحول الإنسان إلى أداة في صراعات المتنفذين وحساباتهم، تتراجع قيمة الوطن، وتتسع دائرة المأساة، ويغدو استمرار الحرب تهديدًا لحياة المجتمع ومستقبل البلد.
والأشد خطورة أن اعتياد مشاهد القتل وسقوط الضحايا قد يفضي إلى تبلد الإحساس الإنساني، حتى يصبح الموت خبرًا عابرًا، والضحية رقمًا في حصيلة يومية، والدم المسفوك مشهدًا مألوفًا في حياة الناس. وهذه من أقسى نتائج الحروب؛ إذ لا تكتفي بإزهاق الأرواح وتدمير الممتلكات، بل تضرب الضمير الجمعي، وتزرع الأحقاد، وتعمّق الانقسامات، وتترك جراحًا قد تمتد آثارها إلى سنوات طويلة بعد توقف القتال.
إن اليمنيين ليسوا أرقامًا في سجلات الحرب، ولا وقودًا لصراعات لا تنتهي، ولا رعايا خُلقوا ليخضعوا لإرادة المتغلبين. إنهم أصحاب الحق في الحياة والأمن والكرامة، ومن حقهم أن يعيشوا في وطن تحكمه دولة عادلة، وتصان فيه الحقوق، وتُحل فيه الخلافات عبر السياسة والحوار، لا عبر فوهات البنادق وأكوام الجثث.
إن وقف نزيف الدم اليمني يتطلب إرادة سياسية مسؤولة، تضع حياة الإنسان فوق حسابات النفوذ، وتقدم المصلحة الوطنية على الإملاءات الخارجية، وتدرك أن استمرار الحرب لا يمنح أحدًا حقًا أبديًا في الحكم، ولا يصنع مستقبلًا آمنًا لليمن. كما يتطلب بناء دولة مؤسسات وقانون، تقوم على المواطنة المتساوية والديمقراطية والتعددية السياسية، وتتيح للشعب اختيار من يحكمه بإرادته الحرة، بعيدًا عن الإكراه والقهر وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح.
سيظل الدم اليمني شاهدًا على فداحة الأطماع التي تتقدم على حياة البشر، وعلى عبث الصراعات التي تجعل الوطن ساحة لتصفية الحسابات. ولن تمحو الشعارات مسؤولية من أسهموا في إطالة أمد المأساة، ولن تعيد ادعاءات الانتصار الأرواح التي أُزهقت، أو تعوض الأمهات عن أبنائهن، والأسر عن أحبتها، أو الأجيال عن أعمارها التي تبددت في الخوف والحرمان.
إن قيمة أي سلطة تُقاس بقدرتها على حماية الناس وصون كرامتهم، لا بعدد من يخضعون لها، ولا بحجم القوة التي تفرض بها إرادتها. والوطن الذي يُستباح فيه الدم، وتُهدر فيه كرامة الإنسان، لا يحتاج إلى مزيد من المتصارعين على حكمه، بل إلى من ينقذون أبناءه من الموت، ويضعون حدًا للحرب، ويفتحون أمامهم طريق الحياة والسلام وبناء الدولة.
الدم اليمني ليس مباحًا، وحياة اليمنيين ليست ثمنًا للسلطة، والوطن ليس غنيمة يتقاسمها المتصارعون.



