الخميس 22 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • من جبل صبر إلى حي صينة.. صورتان من تعز الصامدة

من جبل صبر إلى حي صينة.. صورتان من تعز الصامدة

في جبل صبر، على طريق جبلي وعر، تحمل أمٌّ جثمان ابنتها مشيرة. حملتها صغيرةً بين ذراعيها، وها هي تحملها اليوم إلى قبرها. في كل خطوة ثقلان: جسد ابنتها، وقلب انكسر في يوم فقدت فيه ابنتها وأبا ابنتها معًا. ومع ذلك تمضي، كأنها تصرّ على أن تكون آخر من يرافق ابنتها كما كانت أول من حملها. في وجعها يظهر عمق الفقد، وفي خطواتها يظهر صبر لا ينكسر.

أم تحمل جثمان ابنتها
أم تحمل جثمان ابنتها
وفي حي صينة بمدينة تعز، يقف رجل أمام ما كان بيته: جدران مهدمة، وأنقاض تغطي ما كان قبل أيام غرفًا يسكنها أهلها. ثم يجلس، ويضع يده على وجهه، كأنه يحجب عن عينيه ما لا يحتمل رؤيته. لا نعرف ما يدور في داخله، ولا نحتاج إلى أن نعرف؛ فكل من فقد بيتًا يعرف أن البيت ليس جدرانًا فقط، وإنما عمرٌ كامل صار ركامًا في لحظة.
رجل يقف أمام بيته المهدم
رجل يقف أمام بيته المهدم
أمٌّ تحمل ابنتها، ورجل يجلس أمام أنقاض بيته. صورتان تقولان ما تعجز عنه البيانات، وتنتظران من يرى ما وراءهما. وهاتان الصورتان تذكّراننا بمشاهد مشابهة رأيناها في غزة: أمهات يحملن أبناءهن إلى القبور، ورجال يقفون أمام بيوت سوّتها الحرب بالأرض. فالألم واحد، وإن اختلفت الأمكنة، والفاعل.
وهنا تبدأ مسؤولية الإعلام: أن يرى الإنسان خلف الصورة. فتوثيق معاناة الضحايا واجب يحفظ الوقائع من النسيان، ويمنح المتضررين مساحة لإيصال أصواتهم. وحين تُقتل مشيرة في بيتها، ينبغي أن يبقى اسمها وحكايتها حاضرين بعد أن ينتهي الخبر. وحين يُدمَّر منزل، فالأسرة التي فقدت مأواها وما ارتبط به من تفاصيل حياتها أولى بالاهتمام من حجم الأضرار.
وتقتضي هذه المسؤولية التحقق من مكان الحادثة وتوقيتها، والاستماع إلى الشهود، ومتابعة أحوال المتضررين. كما تتطلب تسمية الجهة المسؤولة متى استند ذلك إلى معلومات موثوقة. فالموضوعية لا تعني إخفاء المسؤولية، والدقة لا تبرر وضع المعتدي والضحية في موضع واحد.
غير أن نقل الألم يحتاج بدوره إلى ضمير مهني. فكرامة الأم التي تحمل جثمان ابنتها لا تقل أهمية عن كشف ما تعرضت له، وخصوصية صاحب المنزل المدمّر لا ينبغي أن تصبح ثمنًا لجذب المشاهدات. المطلوب صورة تكشف الحقيقة وتحفظ كرامة أصحابها في آن واحد.
وثمة خطر آخر: أن تتكرر مشاهد القصف والدمار حتى يألفها الجمهور، وتفقد قدرتها على تحريك ضميره.
تتوالى الأخبار، وتخفت الضجة، لكن آثار الحرب تظل حاضرة في البيوت. لذلك ينبغي أن تتجاوز التغطية لحظة الحدث إلى ما يترتب عليه: من فقد منزله؟ من يحتاج إلى العلاج؟ وكيف تعيش الأسر بعد أن تنصرف الكاميرات؟
من جبل صبر إلى حي صينة، تذكّرنا هذه المشاهد بأن وراء كل صورة حياة كاملة، ومن حق أصحابها أن تُروى حكاياتهم بأمانة، وألا تضيع معاناتهم في زحام الأحداث. قد يُعاد بناء البيت في صينة، لكن الأم في صبر لن تجد من يعيد إليها ابنتها. والركام الذي يُرفع عن الأرض لا يمحو ما خلّفه في النفوس.

أستاذ الإعلام