المحمودي... الشيخ المثقف الذي لا يشبه إلا جبل صبر الشامخ
ليس أمرًا هينًا أن يكتب ابن المنطقة عن شيخها ومثقفها ورجل دولتها؛ أن يكتب عن الشيخ محمد عبدالله إبراهيم، المعروف بمحمد المحمودي، مدير أمن محافظة تعز سابقًا.
حين هممت بالكتابة عنه، توقفت أمام سؤال بديهي: هل يستطيع قلمي أن يوفي الرجل حقه؟ وأنا ابن الجبل، وأعرف ما قدمه منذ 2015م على هذه الأرض، وأعرف أيضًا حدود الكلمة أمام رجل بهذا الحضور الكبير، لكن سؤالًا واحدًا كسر التردد، مهما كانت الكتابة قاصرة، فإن الصمت في حقه منقصة وجبن، صحيح هو لا يحتاج إلى شهادة أو مديح، لكننا نحن الذين نرى ما فعله، ونرى أمثاله من الصامدين في تعز، نعدّ الكتابة عنه دينًا في الرقاب لا ترفًا على الصفحات.

في السلم، تجد المحمودي قريبًا من الناس، بسيطًا في حياته، مفتوح البيت لمن يطلب إنصافًا أو يستنجد بحكمة، هو الشيخ الذي لم يتعالَ على مجتمعه، والمثقف الذي يتحدث عن الحاضر والمستقبل بوعي لا يخالطه ادعاء.
في مجلسه تجده وديعًا هادئًا، لكن هدوءه مشحون بتقاسيم الشموخ والاعتزاز بالنفس، وحين تدق طبول الحرب الوطنية، يتحول إلى قائد مقدام وشجاع هُمام، يحمل سلاحه ويقف في قلب المعركة، يقود الشباب ويوجههم ويقدم كل ما لديه في سبيل القضية التي يؤمن بها، وعندما اندلعت حرب 2015م واجتاح الحوثيون المديرية كان بيته في جبل صبر أول المخازن التي فُتحت لدعم المعركة بالسلاح والذخيرة، من ماله الخاص.
لم يفكر في مصلحته الشخصية، ولم يتحول إلى تاجر حرب رغم أنه كان يستطيع ذلك، وهو الشيخ وابن الشيخ. لم يحسبها بلغة الربح والخسارة كما يحسبها آخرون؛ كل همه أن يبقى جبل صبر حامي تعز وعرين الجمهورية، عصيًا على الانكسار أمام زحوف جحافل الظلام.
لا يشبه شموخ المحمودي الوطني إلا شموخ جبل صبر الذي وُلد فيه، وتربى في شعابه ووديانه، وفوق صخوره، وبين أهله العظام، ورغم ما تعرض له من خذلان سابق من قبل الشرعية، ومن عدم إنصاف، نجده اليوم يقود معركته الثانية دفاعًا عن الشرعية، عن سلطتها التي خذلته في يسرها، لكنه يرى الآن فيها تمثيل اليمن الجمهوري والدولة الوطنية الاتحادية، وهذا وحده، في نظر الشيخ المثقف، سبب كاف للقتال حتى الموت.
قالها بوضوح: «لن يمروا من هنا ونحن عليها أحياء».
في عام 2015م، كانت جحافل الانقلاب، تحالف صالح والحركة الحوثية، قد سيطرت على صنعاء واجتاحت المحافظات اليمنية، ودخلت تعز، ووصلت إلى قمة جبل صبر في العروس، وأقامت شبه معسكر في تبة مسعود حدنان، تلك التبة تجعل بيت الشيخ المحمودي وقريته على مرمى حجر من سلاح الحوثيين.
وفي الوقت نفسه، كان المحمودي ضابطًا محسوبًا على حزب المؤتمر الشعبي العام، وكبير والده ووريث إرثه السياسي والمشيخي؛ فوالده المرحوم الشيخ عبدالله إبراهيم كان أحد أبرز قيادات المؤتمر الشعبي العام في مشرعة وحدنان، وصاحب نفوذ وعلاقات واسعة مع أجهزة السلطة في عهد صالح.
على هذا الأساس، كانت هناك مبررات عدة لأن يكون، في أحسن الأحوال، شخصية صامتة محايدة في صبر، وفي أسوئها قائدًا في صفوف الانقلابيين، لكنه، وأنا أعرفه عن قرب، لم يكن هذا ولا ذاك ومستحيل أن يكون كذلك.
كان المثقف الذي يدرك خطورة مشروع الانقلاب على مستقبل اليمن، والعسكري الذي يعي معنى الشرف العسكري والمسؤولية الوطنية في أخطر المنعطفات. لذلك قاد معركته الوطنية ضد جحافل الانقلاب ومليشيات الحركة الحوثية في عزلة حدنان، ودفع ثمنًا كبيرًا: اثنان من إخوانه قُتلا، وبيته في القرية تعرض لقصف شديد، ومنزله الكبير المطل على مدينة تعز دُمِّر بالكامل، وما يزال حتى الآن يحكي للعين قصة الثمن المدفوع في سبيل الحرية، وبعد تحرير مشرعة وحدنان، انتقل مقاتلوه للقتال في مدينة تعز.
وهو الجدير بالمسؤولية؛ عُيّن مديرًا لأمن شرطة تعز، ثم أُقيل وفق حسابات سياسية تدفع تعز ثمنها حتى اليوم.
لكن المحمودي، الذي كان أول من دفع الثمن، سلّم منصب مدير أمن تعز، ولم يُوضع بعد ذلك في المكان المناسب حتى اليوم، استمر في ممارسة دوره الوطني أينما وُجد، بمسؤولية ونزاهة وشموخ جبل صبر، لا لشيء إلا لأنه يعي معنى الذات الوطنية في معركة الحرية والكرامة؛ ولهذا يعود اليوم لحمل السلاح وخوض معركته الوطنية الثانية دفاعًا عن الجمهورية.
شخصيًا، لا أستغرب مواقفه؛ أنا أعرفه عن قرب، وأدرك أنه يحمل في رأسه ما يجعله في خانة المثقفين ورجال الدولة، لهذا أقول عنه دائمًا: الشيخ المثقف.
في إحدى جلساتي معه قبل سنوات، قال لي إن تعز في هذه الظروف تحتاج محافظًا بمواصفات القائد، لا موظفًا إداريًا ناجحًا فقط، قائدًا يتخذ القرار وينفذه في الواقع.
بعدها أدركت معنى كلامه عندما اتخذت قرارات عدة لتخفيف معاناة المواطنين في تعز، لكنها لم تُنفذ في الواقع؛ وأعتقد أن آخر قرار كان يتعلق برسوم المدارس الخاصة.
كان آخر تواصل بيني وبين الشيخ المثقف العام الماضي؛ كنت أنا في الرياض، وهو قادم إليها من تونس، وعندما التقيت رئيس مجلس القيادة الرئاسي، كلمني عن المحمودي، وأشاد به كثيرًا.
يبقى المحمودي اسمًا بحجم المسؤولية، لا بحجم المنصب، وذاكرة وطنية لا تُختصر في وظيفة ولا تُقاس بحسابات اللحظة، إنه من طينة الذين لا يحضرون في المشهد بحثًا عن مكان للتسلط، بل لأن الواجب يفرض عليهم الحضور لأنهم الأجدر من غيرهم في تحمل المسؤولية وخوض معركة التغيير، وحين نكتب عنه، فإننا لا نمنحه شهادة، بل نستعيد بعض حق تعز على أبنائها الصامدين.
الشيخ المثقف كم يليق به أن يظل كما جبل صبر: شامخًا في وجه العواصف، ثابتًا حين تتغير المواقف، حاميًا للجمهورية والكرامة، ومثقفًا يعرف متى يكون الكلام مسؤولية، ومتى يكون حمل السلاح دفاعًا عن وطن لا يُستباح.



