دعرة.. أيقونة سبتمبر وأكتوبر السرمدية..!

تشرق الشمس الفتية كل صباح لترمي بأشعتها الذهبيّة فوق مآذن الجبال وسلاسل ردفان الشامخة، كأنها تحاول أن تطبع قبلة إجلال أبديّة على جبين تاريخ مجيد لم يُكتب بالحبر العادي، بل صيغت حروفه بقطرات الدم النقي والنار الملتهبة التي لا تهمد.
تلك الجبال الأبيّة التي حفظت عن ظهر قلب خطوات امرأة استثنائية، تحولت بفعل أسطورة صمودها الفولاذي إلى منارة لا تنطفئ، ونشيد وطني دائم تتناقله ريح الصبايا وأزيز الرصاص في فيافي العز والكرامة.
فكيف يمكن للذاكرة الوطنية الحية أن تتقاعس عن تخليد اسم "مريم بنت سعيد ثابت لعضب"، تلك الأيقونة الخالدة التي عرفتها صفحات المجد والتاريخ باسم "دعرة بنت سعيد"، أو "دعرة القطيبي" التي غدت رمزاً أسطورياً يتردد صداه مع كل هبوب لنسائم التحرير.
في ربوع لحج الأبية، وتحت سماء متسعة كأحلام الأحرار، ولدت في عام 1925 ميلادية، في بيئة طاهرة تشربت منذ نعومة الأظفار ركائز الإباء والرفض التام لكل استعمار بغيض ومعتدٍ أثيم.
ولم يكن صباها البريء إلا تمريناً مبكراً على العظمة وقسوة المراس، حيث خاضت منذ طفولتها الغضّة غمار انتفاضات قبلية مبكرة، أظهرت خلالها شجاعة نادرة وجرأة فائقة في استخدام السلاح، وزراعة الألغام بحرفية مذهلة، وإتقان أعقد تكتيكات حرب العصابات التي حيرت عقول المستعمرين.
لقد زرعت هذه الفتاة الفذة الرعب والهلع الدائم في قلوب الاستعمار البريطاني وجيشه المدجج بأحدث أسلحة الدمار، حتى استشاط الغزاة غيظاً وضيقاً، ورصدوا مكافأة مالية ضخمة قدرها مئة ألف شلن لمن يدل عليها أو يقبض عليها، حية أو ميتة، بعد تلك العمليات الفدائية الجريئة التي استهدفت قواعدهم العسكرية الحصينة ودورياتهم المتحركة في مسالك ردفان الوعرة.
فيا لها من امرأة فريدة جعلت تلك الإمبراطورية العظمى، التي كانت تُوصف بأن الشمس لا تغيب عن أراضيها، ترتجف هلعاً ورهبة أمام خطواتها الثابتة وعزيمتها التي لا تلين أمام العواصف.
وكيف لا تقف الكلمات عاجزة إجلالاً أمام صمودها الأسطوري الذي تحدى المستحيل وحطم كل قواعد الخنوع..؟
فلم تكن دعرة مجرد عابرة مجهولة في دروب الكفاح الطويلة، بل كانت الشريان الحيوي النابض بالدعم والبسالة، حيث تولت بكل أمانة وإخلاص مهام نقل السلاح والذخائر والمؤونة للمقاتلين والثوار الأشاوس عبر المسالك الجبلية الخطرة والجبال العالية.
وكانت تتخفّى ببراعة فائقة عن عيون الاستعمار وعملائه الأذلاء، متجاوزة كل الحواجز الأمنية المشددة وكأنها طيف يمر بلا إثر.
بل إن أدوارها لم تتوقف عند الحدود اللوجستية فحسب، بل اقتحمت بجرأة شجاعة ميادين الوغى، مشاركة بفاعلية منقطعة النظير في قلب المعارك المشتعلة إلى جانب ثوار ردفان الأبطال، لتكتسب سمعة مدوية كواحدة من أشرس المقاتلات اللاتي لا تهبن الموت ولا تعرف قلوبهن الخوف.
وحين نادت دماء الأحرار الطاهرة في شمال الوطن الغالي مستغيثة، ولم تكتفِ بالصمت أمام غطرسة الحكم الإمامي الكهنوتي البغيض الذي جثم طويلاً على صدور الشعب المقهور، لم تتردد لحظة واحدة في شد رحالها نحو الشمال.
فانطلقت لتدافع بستماتة منقطعة النظير عن أهداف ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة، خاضت خلالها معارك شرسة لا تُنسى في صفوف الدفاع عن الجمهورية الفتية في صرواح والمحابشة الشامخة.
مرتدية زي الرجال .. باسمة المحيا، حاملة بندقيتها (الجرمل زاكي كرام) بكل ثقة وإباء لا يشوبها خوف ولا تردد.
فيا له من مشهد عظيم ومبهر لامرأة عابرة للحدود المصطنعة، تربط بمداد الدم والنار مصير الوطن الواحد في شماله وجنوبه برباط وثيق لا ينفصم عراه.
ثم عادت خطواتها المنتصرة لترابط في خنادق العزة والكرامة من جديد، مشعلة بلهيب روحها الوطنية فتيل ثورة الرابع عشر من أكتوبر في عام 1963 ميلادية، جنباً إلى جنب مع أبطال ردفان الصناديد ورجال جيش التحرير البواسل.
ولأن طريق النضال الشريف دائماً ما يكون مرصوفاً بالأشواك والعقبات، فقد تعرضت للاختطاف والملاحقة المستمرة والاعتقال التعسفي من قبل السلطات الاستعمارية التي مارست بحقها أبشع أساليب القمع والترهيب والتعذيب الممنهج.
ولكن هل ثمة جبل أشم يتزعزع أو ينحني أمام الرياح العاتية..؟
لقد زادتها تلك القسوة والوحشية الاستعمارية صلابة لا تعرف المداهنة، وإصراراً راسخاً على مواصلة الكفاح المسلح بلا هوادة حتى نيل الاستقلال الوطني المجيد.
لتستحق عن جدارة واستحقاق لقب "بطلة الثورتين" و"المرأة الفولاذية" التي سحبت البساط من تحت أقدام الطغاة والمستعمرين.
فيا له من رمز وطني استثنائي عظيم، سحق بصموده الأسطوري كل رهانات القهر والاستعمار والتبعية.
لقد مثلت دعرة القطيبي النموذج الأمثل والأسمى للمرأة اليمنية الريفية البسيطة التي خلعت ثوب الهامش والنسيان، لتصنع بساعديها الأبيتين متن التاريخ الناصع بحروف من نور.
وتقديراً لعرفان الوطن بمسيرتها المعمدة بالبطولات والتضحيات الجسام، مُنحت العديد من الأوسمة والشهادات العسكرية الرفيعة خلال مسيرتها الحافلة، وتوجت تلك الأوسمة بعد قيام الوحدة اليمنية المباركة في عام 1990 ميلادية.
ومن أبرز تلك الأوسمة والأنواط الخالدة وسام ثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة، وميدالية مناضلي حرب التحرير الخالدة، إضافة إلى نيلها رتبة عقيد عسكري رفيعة تقديراً لرفعتها العسكرية وتاريخها النضالي الفريد الذي لا يُقدّر بثمن.
وظلت على العهد القديم وفية لمبادئها وثورتها حتى وافتها المنية في الخامس والعشرين من أغسطس عام 2002 ميلادية، إثر مرض عضال داهمها بصمت في منزلها المتواضع بمدينة الشعب في عدن البهية.
فارقت روحها الطاهرة الحياة الفانية نحو جوار ربها الكريم، ولكن جثمانها الطاهر حط رحاله الأخير ليدفن في مقبرة الحمراء التاريخية بردفان الشامخة، حيث الجبال العاليات التي تشهد اليوم وغداً على بطولاتها الأبدية.
فكيف للذاكرة الشعبية الحية أن تنسى امرأة سطرت بدموعها وعرقها ودمائها ملاحم الخلاص الوطني الكبرى..؟
ستظل دعرة بنت سعيد حيّة أبد الدهر في وجدان الأجيال المتعاقبة، منارة مضيئة تضيء دروب الحرية والكرامة والشموخ لكل باحث عن الانعتاق.
سلام على روحها الطاهرة الزكية في الخالدين، وسلام على ردفان حين أنجبت أيقونة خالدة في ذاكرتي سبتمبر واكتوبر.



