في "السيروي": كيف يمتطي الطفل خيل الأسطورة في صحراء الحكاية؟
السيروي واستحواذ الأسطورة على مخيال الطفل والعقل في اليمن من خلال التربية والتعليم
قضت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر على نظام الإمامة، وفتحت الطريق أمام الخروج من الجهل والتخلف. لكن القضاء على نظام سياسي لا يعني بالضرورة زوال كل ما ترسّب في الوعي من أنماط التفكير والأسطرة؛ فقد تستطيع بعض البنى القديمة أن تعيد إنتاج نفسها بأدوات جديدة، وأن تجد في التربية والتعليم مجالًا لاستعادة نفوذها. ومنذ النصف الثاني من السبعينيات، بدأت تيارات ذات ادعاء ديني تعمل على توظيف الموروث في إعادة تشكيل الوعي، وكان الطفل أحد ميادين هذا التشكيل.
ولعلنا نحتاج هنا إلى التوقف عند مفهوم السيروي؛ فالسيروي، في السياق الذي نعالجه، ليس مجرد سيرة تُروى، ولا حكاية تُستعاد من غابر الدهر، وإنما هو السيرة حين ينطق بها خطاب مؤسطر، ويعيد تشكيل أحداثها وشخوصها في حبكة سياسية استحواذية، تستهدف عقلية الطفل ومخياله، وتعمل على احتوائهما داخل عالم من التصورات الجاهزة عن البطولة والحق والعدو.
إنها السيرة التي لا تترك الطفل أمام الماضي ليكتشفه، بل تستدرجه إلى داخله، وتعيد ترتيب العالم في عينيه، حتى لا يعود البطل شخصيةً تنتمي إلى زمنها، وإنما نموذجًا ينبغي أن يتمثله، ولا يعود العدو خصمًا في واقعة تاريخية انقضت، وإنما صورةً تنتظر أن تجد لها امتدادًا في الحاضر.
وهنا تبدأ الحكاية فعلًا.
يفتح الطفل صفحات السيرة، فتأخذه الأحداث بعيدًا عن جدران غرفته، وتنسحب من حوله تفاصيل المكان الذي يجلس فيه. شيئًا فشيئًا، يجد نفسه في صحراء مترامية الأطراف، تمتد أمام عينيه حتى الأفق؛ غبار يتصاعد، وخيول تعدو، وسيوف تلمع تحت الشمس، ورماح تتقاطع في مشهد تتعالى فيه أصوات الحرب. لا يعود الطفل قارئًا يتابع حكاية، بل يصبح فارسًا في مسرحها، يمتطي خيله، ويمتشق سيفه، وينطلق مع أبطالها في كرّهم وفرّهم.
إنه يعيد تمثيل الحكاية في مخيلته، ويمنح شخوصها ملامح وحركات، ويعيش بطولاتها كما لو كانت تجربته الخاصة. وقد لا يدرك أن ثمة خطابًا يقف وراء هذه الحكاية، ينتقي له ما يروي، ويحدد له من يستحق البطولة، ومن ينبغي أن يحتل موقع العدو، ثم ينسج من هذه العناصر عالمًا يبدو له مكتملًا، لا يحتاج إلى سؤال أو مراجعة.
وهكذا، فيما يظن الطفل أنه يلهو في صحراء الأسطورة، يكون مخياله قد دخل في عملية إعادة تشكيل؛ فالحكاية لا تمنحه صورًا يتسلى بها فحسب، وإنما قد تمنحه أيضًا طريقةً في النظر إلى الإنسان والعالم. يتعلم كيف يتماهى مع البطل، وكيف يرى خصمه، وكيف تُرسم الحدود بين جماعتين لا يجمعهما، وفق منطق الحكاية، إلا الصراع.
وتتعدد السير، وتتعدد معها نماذج البطولة التي تجذب الطفل؛ فلكل سيرة عالمها، ولكل عالم شخوصه وموازينه، وقد تتباين الروايات في تصوير الأبطال والخصوم، لكنها حين تخضع جميعًا لمنطق الأسطرة المغلقة قد تلتقي عند النتيجة نفسها: استحواذ الحكاية على المخيال، وتحويل التاريخ من مجال للفهم إلى مرجعية جاهزة لتصنيف البشر.
وتبلغ المفارقة ذروتها حين تنتهي القراءة، ويُطوى الكتاب، ويعود الطفل من صحراء الماضي إلى أسرته وحيّه وقريته. لقد عاد إلى زمنه ومكانه، لكن هل عاد مخياله معه؟ وهل انتهت المعركة بانتهاء صفحاتها؟
أين الكفار الذين سيقاتلهم؟
قد لا يصوغ الطفل السؤال بهذه الكلمات، لكنه قد يجد نفسه، تحت تأثير ما استقر في ذهنه، يبحث عن إجابة له في محيطه القريب. فالعدو الذي كان حاضرًا في الحكاية لم يعد موجودًا أمامه بالصورة ذاتها، بينما بقي التقسيم قائمًا في مخيلته. وهنا يمكن أن يبدأ البحث عن أشخاص يضعهم في الموقع الذي شغلته صورة العدو في السيرة؛ في أسرته، أو حيه، أو قريته، أو مجتمعه الأوسع.
وعند هذه النقطة، ينتقل الخطر من الحكاية إلى الواقع، ومن تمثيل المعركة إلى احتمال إعادة إنتاج منطقها. فالطفل الذي لم يتعلم أن يميز بين سياق تاريخي انقضى وصراع معاصر له أسبابه وشروطه، قد ينظر إلى اختلاف من حوله بعين الرواية التي استحوذت على مخيلته، فيتحول الاختلاف إلى اشتباه، والتباين إلى خصومة، والآخر إلى عدو محتمل.
ليس الأمر أن كل سيرة تُنتج هذا المصير، أو أن كل طفل يقرأ حكاية بطولية سيبحث عن عدو في مجتمعه؛ إنما الخطر في خطاب مؤسطر يحتكر تفسير الماضي، ويغلق أبواب السؤال، ويقدم للطفل عالمًا لا تكتمل فيه البطولة إلا بوجود خصم، ولا تثبت فيه الهوية إلا بتمييز الذات عن الآخر.
وهكذا، قد يكبر الطفل ويترك خيله وسيفه وألعاب الصحراء وراءه، بينما تظل بنية المعركة حاضرةً في وعيه. تتغير الأدوات، وتتبدل الظروف، لكن التقسيم الذي تعلمه في المخيلة قد يجد طريقه إلى الواقع، خصوصًا حين تعيد البيئة الاجتماعية والسياسية إنتاجه وتمنحه أسبابًا جديدة للاستمرار.
وهنا تتجلى مأساة السيروي حين يتحول إلى أداة للاستحواذ على عقلية الطفل: أنه لا يكتفي بإعادته إلى الماضي، بل قد يصادر قدرته على رؤية الحاضر خارج حدود ذلك الماضي؛ فيغدو المجتمع مسرحًا بديلًا لحروب قديمة، ويصبح الإنسان محكومًا بصور موروثة عن أعداء لم يخترهم، وصراعات لم يعشها، وانقسامات لم يصنعها بنفسه.
إن أخطر ما تفعله الأسطرة ليس أنها تجعل الماضي حاضرًا في المخيلة، وإنما أنها قد تجعل المخيلة عاجزةً عن التحرر من الماضي. وعندما تتولى النزعة السياسية الاستحواذية توجيه السيروي، فإنها لا تكتفي بتشكيل صورة البطل، بل تعمل على تشكيل الذات التي تريدها أن تتمثل ذلك البطل، والعالم الذي تريدها أن تراه، والعدو الذي قد تدفعها إلى البحث عنه.
وهكذا قد يمتطي الطفل خيل الأسطورة في صحراء الحكاية، ثم يكبر ليبحث في وطنه عن صحراء أخرى، وعن عدو آخر، وعن معركة لم تنتهِ في مخيلته، وإن انتهت منذ قرون في التاريخ.



