الإثنين 19 أكتوبر 2026

من يعيد لي وطني المسلوب؟

بعد أن تساءلنا: «بِكُم ضاع الوطن؟»، وقلنا بمرارة: «وطنٌ أضعناه»، نقف اليوم أمام سؤال أشد وجعًا، تختصره حسرة المواطن اليمني الذي لم يفقد أرضًا فحسب، بل فقد معها أمنه واستقراره وأحلامه، وأصبح يبحث عن وطنه بين ركام الحرب ووعود السياسة وشعارات المتصارعين.

من يعيد لي وطني المفقود؟

وطني الذي كان كبيرًا بحجم السماء، وكنا كبارًا به، وكان كبيرًا بأبنائه، وأبناؤه كبارًا بوحدتهم وكرامتهم، فأصبح اليوم ممزقًا بحجم الغرف الضيقة، تتنازعه المشاريع، وتفرّق أبناءه الولاءات، وتستنزف مقدراته صراعات لا يبدو أن لها نهاية قريبة.

من يعيد لي وطني الذي كان اسمه اليمن السعيد، فأصبح اسمه في ذاكرة العالم ساحةً للحرب، ومقبرةً للأحلام، ووجعًا إنسانيًا يتجدد كل يوم؟

أبحث عنه في نشرات الأخبار فلا أجده، وأفتش عنه في خطابات الساسة فلا أراه، وأتأمله في شعارات الأحزاب فلا أجد صورته التي أعرفها. أبحث عنه في عيون أطفاله، وفي وجوه جياعه، وفي طوابير موظفيه، وفي المستشفيات التي يقف على أبوابها المرضى، وفي بيوتٍ أرهقها الغلاء وأتعبها الانتظار، فأجد وطنًا يسكن قلوب أبنائه، لكنه غائب عن حياتهم.

كأن أحدًا سرقه منا، أو كأننا تركناه يتسلل من بين أيدينا، حين قدّم بعضنا مصالحه على مصلحة الوطن، وحين غلّبت جماعاتٌ انتماءاتها الضيقة على دماء اليمنيين، وحين تحولت الوحدة عند بعضهم إلى ورقة للمساومة، وصارت الكراهية وقودًا لمشاريع التمزق، وحين أصبحت مصلحة الخارج حاضرةً في حسابات بعض القوى أكثر من مصلحة اليمن واستقراره.

ولم يكن الخارج بعيدًا عن مشهدنا؛ فهناك مصالح إقليمية ودولية تتقاطع على أرض اليمن، وهناك تدخلات أسهمت في تعقيد أزمته، لكن السؤال الذي لا يجوز أن نهرب منه هو: كيف استطاع الآخرون أن يجدوا في خلافاتنا منفذًا إلى وطننا؟ وكيف أصبح ضعفنا الداخلي بابًا تتسلل منه مصالح لا تتفق بالضرورة مع مصالح شعبنا؟

إن تحميل الخارج مسؤولية كل ما حدث لا يعفينا من مسؤوليتنا، كما أن الاعتراف بأخطائنا لا يعني تبرئة من تدخل في شؤوننا أو استغل ضعفنا. فالوطن لا يضيع بفعل عامل واحد، وإنما حين تتراكم الأخطاء، وتغيب الحكمة، وتتقدم المصالح الضيقة على المصلحة العامة، ويصبح المواطن آخر من يُفكَّر فيه، رغم أنه أول من يدفع الثمن.

فمن يعيد لي وطني؟

لن يعيده من أسهم في تمزيقه ثم طالبنا بالتصفيق له، ولا من جعل معاناة الناس وسيلةً لتوسيع نفوذه، ولا من رفع شعار الوطن فيما كانت مصالحه الحزبية أو الطائفية أو المناطقية تتقدم على حقوق المواطنين. ولن تعيده خطاباتٌ تتحدث عن التضحية بينما يزداد المواطن فقرًا، ولا وعودٌ تتكرر فيما تستمر معاناته، ولا صراعاتٌ يتبدل فيها المتحاربون ويبقى الشعب هو الخاسر الأكبر.

ومع ذلك، فإنني لا أريد أن أترك وطني أسيرًا لليأس، ولا أن أختصر مستقبله في أخطاء حاضره. فما زلت أؤمن بأن اليمن قادر على النهوض، وأن أبناءه يستطيعون استعادة وطنهم متى امتلكوا الإرادة، وأدركوا أن خلاصهم لا يكون باستبدال تبعية بأخرى، ولا باستبدال خصومة بأخرى، وإنما ببناء دولة تتسع للجميع، وتحمي حقوق الجميع، وتساوي بين مواطنيها دون تمييز.

سيعيد الوطنَ جيلٌ يتعلم من أخطاء الماضي، ولا يسمح بتكرارها، جيلٌ لا يجعل ولاءه لشخص أو حزب أو جماعة فوق ولائه لليمن، ولا يقبل أن يكون أداةً في صراع لا يخدم مستقبله. جيلٌ يعرف أن الاختلاف في الرأي والمذهب والمنطقة حق، لكن تحويل هذه الاختلافات إلى أسباب للقتل والتمزيق جريمة في حق الوطن والإنسان.

وسيُعاد الوطن بشابٍّ يرفض أن يقتل أخاه بالوكالة، أو أن يوجّه سلاحه إلى صدر ابن بلده لمجرد اختلاف الرايات التي يحملها المتصارعون. وسيُعاد بموظف نزيه يرفض أن يمد يده إلى المال العام، أو أن يستغل وظيفته لخدمة حزبه ومصالح جماعته. وسيُعاد بجندي يرى في العلم اليمني رايته الجامعة، ويؤمن أن مهمته حماية المواطنين، لا إخضاعهم، وأن شرفه في الدفاع عن الأرض والإنسان، لا في خدمة المصالح الضيقة.

وسيُعاد أيضًا بمعلمٍ يغرس في نفوس طلابه معنى المواطنة، ومثقفٍ يقول الحقيقة دون أن يبيع ضميره، وقاضٍ ينصف المظلوم، وتاجرٍ لا يستغل حاجة الناس، ومسؤولٍ يدرك أن المنصب تكليفٌ لخدمة الشعب، وليس امتيازًا للتسلط عليه.

فالوطن لا يستعيد عافيته بالشعارات وحدها، وإنما حين تصبح النزاهة سلوكًا، والعدالة ممارسةً، والمواطنة أساسًا للعلاقة بين الدولة وأبنائها، وحين يشعر المواطن أن حقوقه مصونة، وأن كرامته ليست منحةً من مسؤول، وأن فرص الحياة لا تتوقف على انتمائه أو قربه من أصحاب النفوذ.

أما الخارج، مهما تعددت أطرافه ومصالحه، فلن يستطيع أن يمنحنا وطنًا مستقرًا إذا ظللنا عاجزين عن الاتفاق على قواعد العيش المشترك، كما أن الداخل لن ينجح في استعادة الوطن إذا بقي أسير السلاح والانقسام والارتهان. إن استعادة القرار الوطني تبدأ بإرادة يمنية مستقلة، وبحوار جاد يضع مصلحة الشعب فوق حسابات المتصارعين، وبعلاقات مع دول الجوار والعالم تقوم على الاحترام المتبادل، لا على التبعية أو استغلال الحاجة.

إن اليمن ليس أرضًا بلا أهل، ولا شعبًا بلا تاريخ، ولا وطنًا انتهت فرص نهوضه. إنه وطن يمتلك من التاريخ والحضارة والموقع والطاقات البشرية ما يؤهله للنهوض، لكن هذه الإمكانات لن تتحول إلى قوة ما لم يتوقف استنزافها في صراعات الداخل وتدخلات الخارج، وما لم يصبح الإنسان اليمني محور السياسة والاقتصاد والتنمية.

وليعلم الجميع أن وطني لن يعود بمجرد قرار يصدر من الخارج، ولن يستعيد عافيته بمجرد اتفاق تتقاسمه القوى المتصارعة إذا لم يكن المواطن حاضرًا فيه، ولم تُصن حقوقه، ولم تُنهَ معاناته. كما لن يعود بإقصاء طرف لمصلحة طرف، أو بضم أجزاء الوطن إلى مشاريع تتجاوز إرادة أبنائه، بل بتسوية عادلة تحفظ سيادة اليمن ووحدته، وتصون حقوق مواطنيه، وتفتح الطريق أمام دولة القانون والمؤسسات.

وطني سيعود، لأنني أؤمن أن الأوطان قد تنكسر، لكنها لا تموت مادام في أبنائها من يتمسك بحقها في الحياة. وسيعود حين نقرر جميعًا أن اليمن أكبر من أحزابنا، وأبقى من جماعاتنا، وأوسع من مذاهبنا ومناطقنا، وأن ولاءنا له لا يتجزأ، ولا يُمنح بالانتقاء، ولا يُقاس بمقدار قربنا من هذا الطرف أو ذاك.

سيعود حين نتوقف عن سؤال بعضنا: مع من أنت؟ ونبدأ بالسؤال الأهم: ماذا قدمت لليمن؟ وحين يصبح معيار الانتماء هو العمل من أجل المواطن، لا رفع الشعارات باسمه، وحين ندرك أن الاختلاف لا يبرر العداء، وأن الوطن الذي يتسع للجميع لا يجوز أن يحتكره أحد.

عندها فقط، لن يكون اليمن مجرد اسم نتغنى به في المناسبات، ولا علمًا نرفعه فوق أنقاضنا، بل وطنًا نعيش فيه بكرامة، ونختلف تحت سقفه بأمان، ونحفظ لأبنائنا حقهم في مستقبل لا تحكمه الحروب ولا تصادره التبعيات.

من يعيد لي وطني المفقود؟

يعيده اليمنيون حين يستعيدون وعيهم، ويستردون قرارهم، ويجعلون المواطن غاية الدولة وميزان نجاحها، ويؤمنون أن لا حزب ولا جماعة ولا منطقة أكبر من اليمن.

يومها لن أظل أبحث عن وطني في نشرات الأخبار، ولا في خطابات الساسة، ولا بين خرائط النفوذ ومشاريع التمزق؛ سأجده في أمن المواطن، وفي رغيف الخبز، وفي مدرسةٍ تفتح أبوابها، ومستشفى يستقبل مرضاه، وطريقٍ يصل بين أبناء الوطن دون خوف أو إذلال، وفي ابتسامة طفلٍ لا يعرف الحرب إلا من حكايات الماضي.

هناك، حيث يستعيد الإنسان اليمني كرامته، سأجد وطني الذي فقدناه، وسنعود جميعًا إلى بعضنا، لا بوصفنا أتباعًا لهذا أو ذاك، بل أبناء وطنٍ واحد، يجمعنا اليمن، ويحفظ لنا اختلافنا، ويمنحنا جميعًا حق الحياة والأمل. ونشكل من اختلافنا أجمل ائتلاف.