اليمن بين إدارة الحرب وارتهان القرار: متى تنتهي وصاية الخارج؟
منذ اندلاع الحرب في اليمن، لم تعد القضية مجرد صراع داخلي بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة بين اليمن ومحيطه الإقليمي، وفي مقدمة ذلك المملكة العربية السعودية التي قادت التحالف العسكري عام 2015 تحت عنوان استعادة الشرعية وإنهاء الانقلاب. لكن بعد سنوات طويلة من الحرب، يحق لليمنيين أن يطرحوا السؤال الأصعب: ما الذي تحقق من أهداف الحرب؟ وهل اقترب اليمن من استعادة دولته، أم أصبح أكثر هشاشة وانقسامًا، وأكثر قابلية للتأثر بإرادات الخارج وحساباته؟
إن تقييم الدور السعودي في اليمن لا ينبغي أن يقوم على الشعارات أو الخصومة السياسية، بل على حصيلة السياسات ونتائجها على الأرض. فالدول لا تُقاس بنياتها المعلنة وحدها، وإنما بما تتركه من آثار على استقرار جيرانها وسيادتهم وقدرتهم على بناء مؤسساتهم. وبعد أكثر من عقد من الصراع، لا تزال اليمن تعاني انقسام السلطة، وتعدد التشكيلات المسلحة، وتآكل المؤسسات العامة، وتراجع الاقتصاد، فيما يعيش ملايين اليمنيين بين الفقر والنزوح وانعدام الخدمات. وهذه الحصيلة تفرض مراجعة جادة لمسار إدارة الملف اليمني، بما في ذلك مسؤولية التدخلات الإقليمية، بدل الاستمرار في تدوير الأزمة تحت مسميات ومبادرات تتغير بينما تبقى جذور الصراع قائمة.
ما يثير القلق اليوم أن اليمن يبدو وكأنه يعود إلى السيناريو نفسه، ولكن في ظروف أكثر تعقيدًا وخطورة. فمع تجدد المواجهات واتساع رقعة التصعيد منذ منتصف عام 2026، عادت الجبهات إلى الاشتعال، وعادت الحسابات العسكرية والإقليمية لتتقدم على فرص التسوية السياسية. وقد حذّر المبعوث الأممي إلى اليمن في إحاطته أمام مجلس الأمن في 9 أكتوبر من انزلاق البلاد مجددًا إلى حرب واسعة على جبهات متعددة، في وقت تتدهور فيه الأوضاع الإنسانية، خصوصًا في تعز ومحيطها، وهنا تتكرر المعضلة ذاتها: كلما تعثرت التسوية، وجد اليمنيون أنفسهم أمام حرب جديدة، بينما تظل القرارات الكبرى مرتبطة بحسابات تتجاوز احتياجات المواطن اليمني وحقه في الحياة والأمن والتنمية.
لا يعني ذلك أن مسؤولية ما وصلت إليه اليمن تقع على السعودية وحدها، أو أن تجاهل انقلاب الحوثيين وتدخل إيران ومشروع عسكرة الدولة يمكن أن يقود إلى قراءة وطنية منصفة. فالحوثيون يتحملون مسؤولية انقلابهم وفرض سلطتهم بالقوة، كما تتحمل القوى اليمنية التي استبدلت مشروع الدولة بحسابات النفوذ والولاءات مسؤوليتها عن إضعاف الجبهة الوطنية وتفكيك المؤسسات. لكن الدور السعودي، بحكم قيادته للتحالف ودعمه أطرافًا في المعادلة اليمنية، لا يمكن إعفاؤه من المساءلة السياسية عن نتائج سنوات التدخل، وعن مدى إسهام سياساته في بناء دولة يمنية مستقرة وقادرة على اتخاذ قرارها المستقل. فدعم الشرعية لا يُقاس بعدد التصريحات ولا بحجم الإنفاق العسكري، بل بمدى قدرة المؤسسات الشرعية على توحيد القرار العسكري والأمني، وتحسين حياة المواطنين، ومنع تحوّل البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
والمشكلة الأعمق أن ضعف الدولة اليمنية جعل الثروة والموقع الجغرافي والقرار السياسي عناصر قابلة للاستغلال في صراعات النفوذ. فاليمن يمتلك موقعًا استراتيجيًا عند باب المندب والبحر الأحمر، وموارد طبيعية ومقومات اقتصادية وبشرية كان يمكن أن تؤسس لنهضة حقيقية، لكنه ظل أسير الانقسام والفساد واقتصاد الحرب. وحين تتعدد مراكز القوة، وتُربط التشكيلات المسلحة بمصادر دعم خارجية، وتتحول الوظائف العامة والموارد والموانئ والإيرادات إلى أدوات للمساومة، يصبح القرار الوطني عرضة للابتزاز، وتتحول الولاءات السياسية والعسكرية إلى سوق مفتوحة، يدفع المواطن ثمنها من أمنه وقوت يومه ومستقبل أبنائه. إن استباحة الثروات لا تبدأ بالضرورة من الاستيلاء المباشر عليها، بل تبدأ حين تعجز الدولة عن إدارة مواردها ومحاسبة المتصرفين بها، وحين يصبح الخارج أقدر على التأثير في مراكز القرار من المواطنين أنفسهم.
إن أمن السعودية وسائر دول الجوار مصلحة مشروعة، كما أن أمن اليمن وسيادته ليسا أقل أهمية أو قابلين للمساومة ولا يمكن بناء استقرار دائم على معادلة يكون فيها أمن دولة على حساب هشاشة جارتها، أو على إبقاء اليمن ضعيفًا ومجزًا بما يجعل أطرافه في حاجة دائمة إلى الرعاية الخارجية. فاليمن المستقر ليس تهديدًا لجيرانه، بل شريك قادر على حماية حدوده، وتأمين ممراته البحرية، ومكافحة التهريب، وتطوير التجارة والتعاون الاقتصادي. أما اليمن المنهك، الذي تتنازع فيه السلطات وتتنافس داخله القوى المسلحة، فسيظل مصدرًا للتوتر الإقليمي، مهما تعددت الاتفاقات الأمنية والحملات العسكرية.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان المطلوب حسمًا عسكريًا أم سلامًا سياسيًا فحسب، بل أيّ دولة ستنتج عن هذا الحسم أو ذاك السلام؟ فالحسم الذي يعيد إنتاج سلطة مسلحة خارج القانون لن ينهي الأزمة، والسلام الذي يوزع النفوذ بين القوى المتحاربة من دون استعادة مؤسسات الدولة لن يكون سوى هدنة مؤجلة الانفجار. المطلوب اتفاق يمني يمني، يلتقي فيه الفرقاء على مشروع وطني واضح، سواء انتهى المسار إلى حسم يفرضه ميزان القوة ضمن دولة القانون، أو إلى تسوية سياسية عادلة تضمن الحقوق وتُنهي الانقلاب وتمنع احتكار السلطة والسلاح. وفي الحالتين، لا بد من دولة واحدة، وجيش وطني واحد، ومؤسسات خاضعة للقانون، وموارد عامة لا تُستخدم لشراء الولاءات أو تمويل الحروب.
إن النهضة اليمنية الحقيقية تبدأ حين يدرك الفرقاء أن انتصارهم على بعضهم لا يساوي شيئًا إذا بقيت البلاد عاجزة عن دفع رواتب موظفيها، وتأمين الغذاء والدواء، وإعادة بناء المدارس والمستشفيات، وحماية النساء والأطفال، واستثمار ثرواتها لمصلحة أبنائها. وتبدأ أيضًا حين يتفق اليمنيون على عقد وطني جديد يقوم على المواطنة المتساوية، والتعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، واستقلال القضاء، والشفافية في إدارة الموارد، ورفض التدخل الخارجي الذي يحوّل الخلافات الداخلية إلى أدوات للهيمنة.
وفي المقابل، تقع على السعودية مسؤولية مراجعة مقاربتها للملف اليمني، والانتقال من إدارة الصراع عبر موازين القوى والاصطفافات إلى دعم بناء دولة مستقلة، لا دولة تابعة، ومؤسسات قادرة على العمل دون وصاية، وتسوية لا تُصاغ على حساب اليمنيين ولا تُفرض عليهم من خارج حدودهم. كما تقع على بقية القوى الإقليمية مسؤولية وقف تغذية الانقسامات وتسليح الأطراف، واحترام حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم. فالدول التي تريد جوارًا آمنًا لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تساعد على إزالة أسبابها، ولا تجعل استقرارها مرهونًا باستمرار ضعف جيرانها.
لقد دفع اليمنيون ثمن الحرب من أعمارهم وأرزاقهم وبيوتهم وأحلامهم، ولم يعد مقبولًا أن يُطلب منهم في كل مرحلة تحمّل جولة جديدة باسم الشرعية مرة، وباسم المقاومة مرة أخرى، بينما تتراجع الدولة وتتسع مصالح أمراء الحرب. إن الوطن ليس ورقة تفاوض، والثروة ليست غنيمة، والسيادة ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة ثم يُفرّغ من مضمونه عند توزيع النفوذ.
لن تستقر اليمن ما لم تنهض من داخلها، ولن تنهض ما لم يتفق أبناؤها على دولة تحمي الجميع ولا تخضع لأحد. عندها فقط يمكن أن يتحول موقع اليمن من عبء في حسابات الصراع الإقليمي إلى مصدر قوة لشعبه وجيرانه، وأن يصبح باب المندب بوابة للتجارة والتنمية بدلًا من أن يظل ورقة ضغط في حروب الآخرين. فالدولة القوية لا تشتري ولاء مواطنيها، ولا تبيع قرارها، ولا تسمح لأحد باستباحة ثرواتها. إنها تستمد قوتها من شعبها، وتفرض احترامها بمؤسساتها، وتحمي مستقبلها بوحدة قرارها الوطني.



