ثالثة الأثافي
من مصادرة الدولة، حتى وإن كانت هشة، فالأسباب التاريخية لهشاشتها تكمن فيمن كان يرى الحكم هبة من السماء لفئة بعينها، أو كان الحكم لقوى ترى أن وجودها مرهون بقوتها، وأنه بدونها لا دولة ولا شعب ولا شيء على الأرض يستقر. تلك هي المصيبة التي سارت بها بلادنا داخل مرجوحة حكم عمادها القوة والغلبة ومبدأ التوريث، حتى أوصلتنا محطة الصراعات إلى راهن اللحظة القاتلة التي تمر بها بلادنا، مقطعة الأوصال ومصادرة السيادة، تعلوها غيبوبة لدى أطراف الصراع، وإن بدرجات متفاوتة.
فلا يتساوى من انقلب على الدولة مع من لم يُحسن إدارتها وطنيًا. وفي الحالتين، نحن أمام وضع يفقد فيه الجميع القدرة على رؤية أي سبيل أو مخرج وطني يتوافق عليه الجميع، عدا سبيل فرض الأمر بالقوة، عبر إعادة تدوير ما كان معوجًا منذ تأبد الحكم، سواء في فترة الإمام المرسل، أو تحت حكم الزعيم الفلتة، أو تحت راية الرؤية والراية المنفردة.
تلك مراحل فرضت على البلد ثلاثة أمور ما تزال حتى اليوم هي النبراس المعتم الذي يُهتدى به لحسم الخلافات بين أقطاب اللعبة السياسية، وهذه الأمور الثلاثة هي:
مسار التفرد الضيق، بل الأضيق، في إدارة شؤون البلد.
مسار الاعتماد على وكيل خارجي.
مسار الحرب.
بعد انسداد الأفق، يتم اللجوء إلى الحرب وسيلةً للحسم.
وهنا تكمن ثالثة الأثافي التي تقصم ظهر البلد والشعب معًا، أي إنها تقصم ظهر البعير الذي يتحمل منفردًا كل ويلات الحرب وآثامها ونتائجها، وهي الحرب التي لا تُبقي على شيء.
وبوضوح أكثر، فمنذ الانقضاض على مشروع دولة الوحدة عبر مشروع الحرب عام 1994، مضى نهج القفز على مفهوم الوطن والدولة والمواطنة، وعلى الدستور ومكانة مؤسسات الدولة التي وجدت لخدمة المواطن، لا لتزكية من يحتكر الحكم؛ فالاحتكار يعني حكم القلة.
ذهبت اليمن، مدعومة بدعم عربي وإقليمي ودولي، وبحضور ممثلي دول مجلس الأمن في صنعاء، لمباركة مؤتمر الحوار الوطني، لإعادة ترتيب مستقبل بلد مليء بالمشاكل والتعقيدات، أهمها مفهوم الدولة الوطنية، ومفهوم تداول السلطة، وكيفية إدارة الثروة. لكن ما هي إلا سويعات حتى انقلب الحبل على الغارب، وبات مؤتمر الحوار ومخرجاته ليس فقط مصدر قلق، بل خطرًا لدى المتربصين بالبلد ومستقبله.
وقبل أن ينتهي المؤتمر، انفرط عقده، أي عقد مؤتمر الحوار ونتائجه، وأعيد ترميم جدرانه بما لا يحول دون تعثره فحسب، بل يؤدي إلى سقوطه. وللأسف، ظل عنصرا القوة والاستئثار بالحكم هما سيدا الموقف، مع بروز موقفين متعارضين قصما ظهر مؤتمر الحوار ونتائجه، وهما:
موقف يريد لمخرجات الحوار أن تظل رهينة المحبسين، أي الاحتكار، وسلطة القبيلة وجيشها وأمنها غير الوطني.
موقف آخر كان وما زال يرى أن الحوار ومخرجاته أمر لا يعنينا، وله منظوره الخاص القائم على الدعوة إلى الانفصال، اتكاءً على ممارسات لا وطنية مست روح مشروع وحدة الوطن في عمقه وجوهره.
إن وحدة 22 مايو لها سبل شتى للمعالجة الجذرية، آخرها الكي.
وبينما كانت هناك قوة على الأرض آلت إليها الأمور، وهي أنصار الله الحوثيون، جاءت لتقضي على الأمرين معًا، أي مشروع إعادة بناء الدولة وتأكيد التمسك بمخرجات الحوار الوطني وآليات تنفيذه الوطنية.
ومنذ ذلك الحين، تم القفز على ما تبقى من كيان ضعيف للدولة، بل أعيد تصميم كافة المفاهيم التي صاحبت مشروعًا سياسيًا وطنيًا منذ قيام ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر.
الآن، وبعد مضي أكثر من عقد على عاصفة الحزم، تعود ثالثة الأثافي لتلقي بظلها الثقيل والمحرق على ما تبقى من مشروع وإرث الدولة الوطنية؛ إذ مثّلت الحرب، أو ثالثة الأثافي، الكارثة والأمر الجلل، كما يبدو. ولن تقوم بلادنا قائمة ما دامت الحرب مستمرة.
ولنا أن نتمثل أحد عيون الشعر العربي التي تقول:
«وإن قصيدةً شنعاءَ مني
إذا حضرت كثالثة الأثافي».
فثالثة الأثافي هي أم المصائب كلها، التي لا عافية بعدها.
ويقال: «رماه بثالثة الأثافي»، أي رماه بالشر كله.
هذا الشر الذي نراه يحرق بلادنا من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها. فها هي تعز، مثلها مثل كل المدن اليمنية، تحترق، لكنها كذلك تُحاصر بإصرار، وهي مصممة على المقاومة، مثلها مثل رأس العارة وخبت الرجاع وغيرها من بقاع الوطن الملتهب بنيران الحرب.
ولنرى شرر ثالثة الأثافي يطال مكانة عدن ومكانتها الوطنية، إذ تنهال عليها وعلى دار الحكومة ورمزها، قصر المعاشيق، صواريخ هوجاء تطلقها جحافل من يرى الحرب نارًا مقدسة تحرق البلاد.
هكذا علينا القول إن من انقلب على مشروع الدولة، ولا يزال يناهض مشروعها، يستل سيف الخراب عبر رمي البلاد بثالثة الأثافي، أي الحرب، التي لا تنتج إلا الخراب والدمار وأشلاء بلد وشعب تجري عمدًا عمليات تمزيقه عبر مشاريع مشبوهة تخدم أغراضًا لا وطنية، خدمةً لمصالح خارجية أكثر شبهة.



