السبت 17 أكتوبر 2026

تعز: مدينة لا تُؤخذ إلا إذا ماتت

تعز: مدينة لا تُؤخذ إلا إذا ماتت

في تعز، لا يُقاس الزمن بالساعات، بل بعدد الطرق المغلقة.
منذ عشر سنوات والمدينة محاصرة. ليس سورًا من حجر، بل سور من نقاط تفتيش وبنادق وقرار سياسي بأن هذه المدينة يجب أن تُعاقب لأنها قالت لا.

واليوم، الحصار يضيق حتى يكاد يخنقها.

يأتي الهجوم هذه المرة ليس من جبهة واحدة، بل من كل الجهات. من جبل هان غربًا، من الضباب جنوبًا، من القرى المعلقة على سفوح صبر. الحوثيون لا يهاجمون تعز كمدينة فقط، بل يهاجمون قراها. قرية قرية، بيتًا بيتًا. يقطعون طريقًا هنا، يقصفون بئر ماء هناك، يمنعون شاحنة دقيق من العبور هناك. كأنهم لا يريدون إسقاط المدينة دفعة واحدة، بل تجفيفها قطرة قطرة.

هل سمعت بمدينة يُحسب فيها ثمن الماء بالدولار؟ في تعز اليوم، لتر الماء بأربعة دولارات. ليست مبالغة صحفية، بل تسعيرة كتبها الحصار. الأم التي كانت تملأ دلوها من البئر، أصبحت تحسب كم كوبًا سيشرب أطفالها اليوم.

ستمائة ألف إنسان في تعز وحدها، بلا غذاء. الرقم ليس شعرًا، هو تقرير برنامج الأغذية العالمي قبل يومين. ستمائة ألف. ضع الرقم في رأسك وتخيله صفًا طويلًا من الناس ينتظرون شاحنة لن تأتي، لأن الطريق مغلق بأمر من يسيطر على التل.

والأطباء في تعز لم يعودوا يشتكون من نقص الدواء فقط، بل من انقطاع الكهرباء. مستشفيات المدينة التي كانت تستقبل جرحى الحرب، أصبحت على وشك الانهيار لأن الوقود لا يدخل. كأن الحوثي يقول: سأترككم تنزفون حتى بعد انتهاء المعركة.

منذ أغسطس، نزح من تعز وحدها أكثر من 172 ألف إنسان. ليسوا أرقامًا في تقرير أوتشا، بل هم حكايات. رجل ترك بيته في قرية الضباب وحمل ابنته المريضة على كتفه ثلاثة أيام. امرأة خرجت من قريتها في جبل حبشي وهي تحمل خبزًا يابسًا لأنها لا تعرف متى ستجد مخبزًا آخر. طفل في الخامسة لا يعرف لماذا يركضون، فقط يعرف أن صوت القذيفة أقرب من صوت أمه.

لماذا كل هذا الإصرار على تعز؟

لأن تعز ليست مدينة عادية في حسابات الحرب. هي المدينة التي لم تركع. حاولوا دخولها بالدبابات ففشلوا. حاولوا تطويقها بالشائعات ففشلوا. حاولوا شراء ولاءاتها ففشلوا. بقي أمامهم سلاح واحد: أن يجعلوا الحياة فيها مستحيلة.

تعز هي العنوان. إذا سقطت تعز، سيقولون سقط اليمن. وإذا بقيت واقفة، سيظل هناك أمل أن في هذا البلد مدينة لا تُشترى ولا تُباع.

لهذا هم لا يقصفون تعز فقط، بل يحاصرونها. القصف يقتل رجلًا، لكن الحصار يقتل مدينة. القصف يهدم بيتًا، لكن الحصار يهدم سوقًا ومدرسة ومستشفى وحلمًا.

ادخل إلى تعز اليوم، إن استطعت الدخول. ستجد مدينة تتنفس بصعوبة، لكنها تتنفس. بائع يفتح دكانه رغم أن بضاعته ناقصة. معلم يذهب إلى مدرسته رغم أن طلابه نازحون. طبيب يعمل بمصباح هاتفه لأن المولد بلا ديزل. هذه ليست بطولة في نشرات الأخبار، هذه بطولة يومية لا يراها أحد.

الحوثيون يريدون إسقاط المدينة. لكنهم لا يفهمون شيئًا واحدًا عن تعز: هذه المدينة تعلمت منذ عشر سنوات كيف تعيش بلا طرق، بلا ماء، بلا كهرباء. تعلمت كيف تصنع من الحصار حياة.

يمكنك أن تغلق كل الطرق المؤدية إلى تعز، لكنك لن تستطيع أن تغلق حناجر أهلها وهم يهتفون: لن نركع.

تعز لا تحتاج من يكتب عنها شفقة. تحتاج من يكتب عنها حقيقة واحدة: أن ما يجري فيها ليس حصارًا عسكريًا، بل جريمة تجويع متعمدة لمدينة قررت أن تبقى حرة.