استراتيجية حطب الميدان: كيف يُغرق الحـ،،وثي جبهات الوسط ليحمي الشمال؟
هل استنزفت تعز قدرات الحـ..وثيين حقًا، أم أن الأمر لا يعدو كونه خديعة عسكرية لإيهام الشرعية بانحسار طاقتهم البشرية؟
إن المتابع للمشهد العسكري عن كثب والمتأمل في تفاصيل الخريطة الميدانية، يلاحظ بوضوح أن الحشود التي هاجم بها الحوثي منطقتي المخا وذو باب، ويفرض بها الحصار اليوم على تعز، لم تتدفق من معاقله التقليدية في شمال الشمال؛ بل جُلب معظمها من ذمار وإب والمناطق الخاضعة لسيطرته داخل تعز ذاتها، إلى جانب أجزاء من البيضاء. وهو ما يعني أن المواجهات في تلك المحاور لم يُزَجّ فيها بلواء عسكري واحد أو بتعزيزات تُذكر من صنعاء أو عمران؛ إذ اقتصر الاعتماد على أبناء المناطق الوسطى، بوصفهم عناصر مستخدمة في الميدان لتشتيت الأنظار وإرهاق الخصم.
غير أن اللافت هو نجاح قوات الشرعية مؤخرًا في التقدم داخل منطقة مجزر، ليصبح الفاصل بينها وبين مطار صنعاء نحو مائة وعشرين كيلومترًا فقط. فما الذي يجري في الميدان إذن؟ هل نترقب تغيرًا يقلب موازين القوى خلال الأيام القادمة، أم أن الكتلة البشرية للجماعة أخذت تتآكل بالفعل، لا سيما أنها استغرقت طويلًا أثناء الركود القتالي بالتركيز على التصنيع التقني، وغفلت عن رفد الجبهات بزخم مقاتلين جدد؟
تُشكل معركة تعز واستنزاف الحوثيين إحدى المحطات المعقدة في مسار الصراع اليمني؛ إذ تختزل حربًا تتعلق بالخداع الاستراتيجي والتضليل الميداني. ومن ثمَّ، فإن القراءة الفاحصة لطبيعة تلك التحشيدات تقود إلى استنتاج مفاده أن الجماعة تنتهج سياسة توزيع الأعباء البشرية بنسب حذرة؛ فعند الاعتماد على مقاتلي إب وذمار والبيضاء وتخوم تعز، تتحقق عدة أهداف، أبرزها إعطاء انطباع بأن تعز تشهد معركة كبرى تلتهم طاقات الحوثي، مما يولد شعورًا بقرب حسم المعركة. وفي المقابل، يحتفظ الحوثيون بالنواة الصلبة لعناصرهم في صعدة وعمران وصنعاء لحماية معاقلهم الأساسية وإدارتها للمعارك الفاصلة، فضلًا عن ضمان توريط أبناء المحافظات الوسطى في القتال لتخفيف الضغط المجتمعي في مناطق نفوذهم الأصيلة.
وعلى الرغم من ذلك، فإن تزامن الحصار على تعز مع وصول الشرعية إلى مجزر واقترابها من العاصمة، يطرح تساؤلًا حول حقيقة هذا التراجع. فهل نشهد إنهاكًا هيكليًا في منظومة التجنيد والتعبئة، أم أننا أمام انسحاب تكتيكي يستدرج القوات الحكومية إلى خطوط إمداد واسعة يسهل استهدافها لاحقًا؟ إن تجارب الصراعات تؤكد أن التحول نحو التصنيع العسكري، كالطائرات المسيرة، قد لا يكون دليلًا على الضعف بقدر ما هو تحول نحو الاعتماد على التقنية التعويضية؛ حيث يُستعاض عن نقص العنصر البشري بكثافة النيران والأسلحة النوعية، مما يجعل المسافة المتبقية نحو مطار صنعاء مرحلة عسكرية قاسية بدلًا من أن تكون نصرًا سريعًا.
ختامًا، يظل المسار مفتوحًا على احتمالات متعددة؛ أولها احتمالية قيام الحوثي بهجمات مقابلة يعتمد فيها على احتياطيه في الشمال لضرب اندفاع الشرعية، وثانيها استمرار الوضع الميداني الحالي دون إحداث تغيير جوهري في موازين السيطرة. وبناءً على ذلك، تبقى تعز ومجزر نقطتي التركيز اللتين قد تعيدان رسم معادلة الحرب، متى ما أحسن الطرف الجمهوري قراءة الخلفيات الكامنة وراء هذه التكتيكات.



