الجمعة 16 أكتوبر 2026

التغريد خارج السرب

المعادلة الصعبة التي أعجز عن فهمها واستيعابها تتمثل في انخفاض الأصوات الداعية إلى السلام ووقف نزيف الدم، في وقت تتسع فيه رقعة الحرب، رغم أن الحاجة إلى استمرار هذه الأصوات وارتفاعها تُعدّ من ضروريات الحياة في وطن دمّرته الحروب، ومزّقت نسيجه الاجتماعي، وجعلته، حسب التصنيفات الدولية، من أشد الدول فقرًا وجوعًا وفسادًا وانهيارًا.

والمؤلم والمؤسف حقًا أن كل من يدعو إلى وقف الحرب وتحقيق السلام يتعرض لأسوأ حملات التنكيل والتشهير على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بل ويُتَّهم، في الغالب، في انتمائه وولائه الوطني من قِبَل طرفَي الصراع والأصوات المستفيدة من استمرار الحرب. وقد شاهدت خلال الأسابيع الماضية تراجع الكثير من الأصوات واختفاء عدد من الأقلام التي تتبنى موقف إنهاء الحرب وتحقيق السلام في اليمن.
وليس ذلك على المستوى المحلي فحسب، بل على المستويين العربي والدولي أيضًا، حيث صمتت الكثير من الألسن، وتوقفت الكثير من الأقلام عن الإشارة إلى ما يحدث في اليمن من مآسٍ وخراب ودمار وجوع وفقر وغيرها.
لقد أصبح تبنّي موقف إنهاء الحرب ودعم الوصول إلى السلام، في نظر البعض، خيانة أو جريمة تستدعي معاقبة صاحبها، وأصبحت الأصوات الداعمة للحرب واستمرار القتال مثالًا للوطنية العظمى، إلى درجة أنني أصبحت أخشى الحديث عن ضرورة وقف الحرب وتحقيق السلام والوئام، وإرساء قيم المحبة والتسامح والتعايش بين مختلف اليمنيين، رغم إيماني بهذا المبدأ وتمسكي به، وهو المبدأ الذي عشت عليه، وأرجو أن ألقى الله وأنا عليه من الثابتين.
إن قيمة الأوطان والدول وتقدمها ورقيها وازدهارها لا تُقاس بعدد الحروب التي خاضتها، ولا بحجم الدماء والأرواح التي سُفكت فيها، بل تُقاس بمقدار رغبة شعوبها في الحياة، وحجم الجهود المخلصة التي تُبذل في سبيل تحقيق أمنها واستقرارها، وبمستوى تماسك نسيجها الاجتماعي، وتنوع مشاريعها التنموية الهادفة إلى تحقيق التقدم والازدهار، وصولًا إلى الرفاهية للأفراد والأسر داخل المجتمع.
ولم يكن تعدد الآراء والمواقف السياسية، واختلاف وجهات النظر، وتنوع المشاريع البنّاءة في بناء الدولة وتشكيل مؤسساتها، وسيلةً لتدمير البلاد وسفك دماء أبنائها، بل إن ذلك من أهم عوامل ومقومات الحياة وتحقيق الاستقرار والتقدم فيها، إن كانوا يعقلون.
لكن البعض، للأسف الشديد، استغلوا الخلاف السياسي، وذهبوا إلى حمل السلاح لفرض مواقفهم السياسية ومعتقداتهم الفكرية على شركائهم في الحياة السياسية وإخوانهم في الوطن. وعمدوا إلى فتح أبواب جهنم في وجوه اليمنيين، لإخضاعهم وإسكاتهم وتطويعهم لقبول سياسة الأمر الواقع، وكان هذا من أهم الأخطاء التي قادت اليمن واليمنيين إلى هذا الخراب والدمار الذي وصلنا إليه.
ولأني على قناعة تامة بأن الطريق لا يزال مفتوحًا، وأن الوقت لا يزال متسعًا للوصول إلى ذلك، فإني مستمر في الدعوة إلى وقف الحرب وتحقيق السلام، وتطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية، وترسيخ جذور المحبة والشراكة والتعايش والتسامح بين اليمنيين، ونبذ العنف والتخلي عن السلاح.
وإني مؤمن بأنها «دعوة مقدسة» في زمن الحرب واتساع رقعة القتال، وسأظل، ما حييت، متمسكًا بها، مهما أوغلت الحرب في النفوس والقلوب، ومهما علت أصوات الحروب والمعارك واشتدت جبهات القتال.
وسأظل أسير في هذا الطريق، وأنادي إليه كل اليمنيين، حتى وإن قالوا إن بضاعتي راكدة، وتجارتي خاسرة، وإنني أغرّد خارج السرب.