الجمعة 16 أكتوبر 2026

اللمة الصنعانية!

من حظي أنني عشت أجمل أيام صنعاء.
قال حسين السيد المخرج المسرحي المعروف رحمه الله وكنا في بيت سعيد عبدالفتاح:
خلال نص ساعة ألقيتم عشرات النكت! يا الله هل هذا هو المقيل الصنعاني؟

صنعاء القديمة
صنعاء القديمة

قلنا نعم.

قال: نحن نبدأ بالسياسة.

قلت أنا: هذه هي صنعاء التي تجيد الفرح.

لا أدري كيف خطر لي عند الحادية عشرة والنصف ليلًا أن أكتب عن لمة جميلة يجمعها معظم الأحيان ديوان أحمد راجح زهرة أحد أنبل الصناعنة ممن تبقوا من ذلك الزمن الصنعاني الأجمل الذي عشناه وكان لي حظ أن أكون جزءًا منه!

فزيت من فراشي وكنت قد نمت لبعض الوقت وذهب بالي إلى هذا الموضوع. كان النت قد غاب وامتدت يدي إلى الأحرف فرحت أكتب على الضوء الخافت.

أزعم أن بي عادة حسنة عودت نفسي عليها فأبادر بين الحين والآخر للاتصال والتواصل بالآخرين. ورد على بالي أحمد راجح وكنا شلة أصدقاء تلك الأيام. قلت سأجرب هل سيرد أو أنه مثل كثيرين غصبًا عنهم انزوى وله العذر.

جاء صوته كما اعتدته أيام حمود حزام وعلي البعداني:

أهلًا يا وجيه.

تهللت روحي فرحًا واستعدت اللحظة الصنعانية الأجمل وراح أحمد راجح بكرم معهود وطيبة إنسانية لا تُبارى يقول:

تعال هنا فيصل عواض وعبدالحكيم بهجت وووووو.

شممت من على البعد القريب ريحة الزبجة الصنعانية وتذكرت القليسي ذلك الإنسان المعجون برائحة الكعك الصنعاني لجمعة رجب. قلت يا محمد؟

مالك؟

قال يا عم عبده أنا حزين على زمن صنعاء الجميل.

قلت كيف كان؟

أحفزه على أن يواصل بلهجته الصنعانية التي أعشقها.

يا عم عبده حتى "الزنوات" في هذيك الأيام كانوا ملاح.

ونغوص في ضحكة طويلة نهايتها موجة حزن على ذلك الزمن وتلك اللحظة.

مات القليسي بعدها بأسبوع لتجتاحني حالة حزن قاسية عليه وعلى زمن أكمل دورته.

يا الله يجيني صوت فيصل عواض ينقلني إلى زمن وهاس ذلك "الصعلوك النبيل" ويسري في أعماقي صوته:

من يوم ما عرفناكم يا "ل..." وأنا أضحك سيبنا أهلنا وعشنا معاكم.

هكذا ينطقها.

كان أحد أعمدة بيت المساح والشلة من طه إلى محسن الرداعي إلى علي الحمادي إلى هيثم الحضراني إلى قائد المقطري إلى عبده العزعزي إلى البرح إلى الصائدي إلى ناجي العودي إلى يحيى الحاشدي.

قال خاله:

يا محمد سير بزَ الإيجار من ذيك صاحب تعز.

راح الوهاس ولم يعد بالإيجار وهدد خاله:

يا خال قسمًا لو تطلب الإيجار منهم لأقتلك.

طيب لماذا يقول له خاله؟

يجيب الوهاس:

هولا مش بشر هولا ملائكة.

لقد أصبح الوهاس جزءًا من هدرة كل مساء.

مات الوهاس فانطفأت صنعاء.

ومات المساح فانطفأ سراج ذلك الزمن البريء زمن علي الحمادي وعبده العزعزي يردد:

يا علي الحمادي أنا في قصر مرصود.

يكون علي قد سأله أين أنت؟

كان عبدالحليم أيامها يغني رائعة نزار "قارئة الفنجان" أما "رسالة من تحت الماء" فقد سهرنا نسمعها على ضوء قمر صنعاني مع عبدالكريم داعر. كنا في ثاني ثانوي بمدرسة عبدالناصر ونسكن شارع الدفاع شارع الذهب في هذا الزمن الذي لم يعد له علاقة بنا!

كانت صنعاء أيامها حنونة تحتضن أحلامنا.

قلت يا مساح مالك؟

قال يا أخي صنعاء كبرت والمساح ابن أيري يَزغُر!

كانت صنعاء يا صاحبي صغيرة وكنت أعرفها وتعرفني ولا يبخل علي محمد لاهب في حانوت السلتة يسلفني كلما أكون طفران. هل تذكر؟

نعم أذكره وأذكر عبدالله وقد ذهبت أبحث عن المحل فوجدته قد تحول إلى ورشة والنبوس قد توفي وصباحاتي لم تعد تتكرر كلما بدأ الصيف. حيث كنت أحرص على أن أصحو عند الخامسة فجرًا بعد ليلة ماطرة وذلك شرط. أمتطي سيارتي وإلى الأبهر أجلس إلى زاويتي المعتادة أراقب أيدي البنوس وهيئته وكيف يرضي الجميع. لا ينسى أن يرحب بي بطريقته وينظر إلي فأدري أنها التحية.

كم بكى قلبي يوم أن توفي وحرمت من الذهب في تلك الصباحات التي أظل فيها إلى أن تستكب أشعة الشمس من على كتفي "غيمان" وتبدأ في احتلال واجهات البيوت الصنعانية التي أبهرني الأديب المصري الكبير جمال الغيطاني عندما طلب مني وكنت أرافقه أن أذهب به إلى صنعاء التاريخية كما يحلو ليحيى سرور أن يسميها.

لاحظت أن الغيطاني ذلك الصباح فتح مفكرة كانت في جيبه وراح يسجل. ماذا يسجل؟

قمريات
قمريات

القمريات والعقود وكل تفاصيل البيت الصنعاني الذي أعتبره أنا وحدة ثقافية وأمنية واجتماعية متكاملة. ورحت أشرح له ما على الأبواب تلك القطعة الحديدية التي يعرف الطارق عليها أنه رجل وتلك الحلقة التي تستخدمها النساء. وشرحت له أيضًا لماذا هو باب الطيرمانة مرتفع!

ذهبت إلى المساح فورًا وأعدت الغيطاني إلى الفندق وحكيت له ما فعل الأديب الكبير صاحب جريدة " أخبار الأدب" التي أسسها في "أخبار اليوم" المصرية في عام 1993. قال:

أيوة الغيطاني يستخدم ما تسجل عينيه في رواياته!

زمن جميل بل هي لحظة كبرى أجمل كان أحد تفاصيلها أحمد زهرة وحمود حزام ذلك الإنسان الجميل هو وأهله عنوان "البليلي" وصاحبنا علي البعداني وسمير الرعيني والرجل النبيل رحمة الله عليه محمد علي الرحبي.

في رأسي ألف حكاية وحكاية عن صنعاء التي لا أنافق أحدًا عندما أقول إنني أعشقها وأعشق تفاصيلها وليس بي حاجة لأن أتملق أحدًا. هي علاقة خاصة بيني وبين المدينة جدرانها وأزقتها وحواريها وبيوتها وإنسانها.

وعلى من يريد أن يستزيد أن يسيح في كتابي "لغلغي في صنعاء" .

التحية واجبة لصديقي أحمد راجح زهرة وهي موصولة إلى فيصل عواض وعبرهما إلى عبدالحكيم بهجت وإلى رواد ديوان أحمد.

وسلام إلى روح الوهاس والقليسي وإلى أعماق صنعاء التي حوت كل فن ولا يزال لدي الكثير.