الجمعة 16 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • خرافة "لا حل عسكرياً للصراع في اليمن"

خرافة "لا حل عسكرياً للصراع في اليمن"

ثمة عبارات تتكرر حتى تبدو، من كثرة تكرارها، كالمسلّمات. وعبارة "لا حلّ عسكري للصراع في اليمن" من أكثر العبارات المعلّبة تكراراً، حتى بدت أقرب إلى تحية دبلوماسية وتحليلية عندم يكون الوضع في اليمن موضع نقاش. بدأت كعبارة تحفيز ومجاملة أممية، وسرعان ما تحولت إلى لازمة يلوكها السياسيون والمحللون لإغلاق النقاش عن مآلات الحرب وخيارات أطرافها. تشي هذه المقولة بيقين تنبؤي لا يبرره المنطق؛ ولا أعرف من أين يستمد أصحابها هذه الثقة بأن الحسم العسكري مستحيل.

لا يقدم التاريخ اليمني، قديمه وحديثه، ما يبرر هذا اليقين الوهمي، بل إنه يقول العكس. فمنذ كرب إل وتر، الذي مدّ سلطان سبأ بالسيف قبل أكثر من ألفي عام، وحتى حرب 1994، يكاد لا يوجد صراع يمني كبير انتهى بغير حسم. أخضع الإمام يحيى معارضيه من عبيدة وحاشد والزرانيق في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي بالبندقية. وحُسمت حرب 1934 مع السعودية عسكرياً، ولم تكن معاهدة الطائف سوى اعتراف بنتائج الميدان. وأُجهضت الحركة الدستورية عام 1948 بقوة السلاح. وعلى عكس التصور الشائع، لم تنته الحرب الجمهورية الملكية باتفاق سياسي، ولم يكن ما عُرف بالمصالحة أكثر من تطييب خواطر غير رسمي. فالحرب لم تنته إلا بعد تغير موازين القوة، وتراجع فرص الملكيين في الانتصار، وتحول الموقف السعودي. وخارج اليمن، ظلّت العبارة نفسها تتردد في سوريا أكثر من عقد، ثم حُسم مصير النظام هناك في أقل من أسبوعين، على غير ما تنبأ به أصحابها.
من البديهيات أن أطراف الصراع لا تبلغ مرحلة تقتنع فيها بفضائل السلام من تلقاء نفسها، وأن السلام لا يتحقق إلا عندما يستنفد المتصارعون خياراتهم، وتتغير حساباتهم، وتصبح كلفة الحرب أعلى من فوائدها المتوقعة. وتؤكد خبرة السياسة أن الاتفاقات السياسية القابلة للحياة هي التي تكون توقيعاً على نتيجة حُسمت في الميدان؛ ومن دون ذلك، لا تكون إلا مقدمة لحرب جديدة. وهذا ما يؤكده مصير الاتفاقات التي وُقّعت من دون تحقق الشروط السالفة؛ ومنها وثيقة العهد والاتفاق، إذ لم تمض ثلاثة أشهر على توقيعها في الأردن حتى اندلعت حرب 1994. وعقب توقيع اتفاق السلم والشراكة، أصدر الحوثيون إعلانهم الدستوري وسيطروا على البلاد. أما اتفاق ستوكهولم 2018، فلم يخدم السلام ولم يوقف الحرب، وينطبق الأمر نفسه على اتفاق الرياض في 2019 بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي. وتتمثل أقوى حجج أصحاب هذه المقولة في أن الحرب استمرت سنوات طويلة من دون أن تحسم شيئاً. والحقيقة أن هذا القول يعكس جهلاً فادحاً لدى أصحابه؛ فما جرى في اليمن منذ نهاية 2018، على الأقل، ليس حرباً، وإنما إدارة للحرب.
تنطوي مقولة كهذه، والتسليم بها، على مخاطر؛ فهي لا تضمن السلام ولا تلغي الحرب، بل إنها، أكثر من ذلك، تعقّد المشهد وتعرقل السلام وتلغم المستقبل. فهي ليست محايدة، إذ توحي بأن أحد أطراف الصراع لا يُهزم. وحين تقول لطرف ما، أو توحي إليه، بأن أحداً لا يستطيع هزيمته، فإنك تُضعف حوافزه لتقديم تنازل يخدم السلام. وبالتأكيد، لا تُعقد التسويات حين لا يخشى أحد أطراف الصراع الخسارة.
هذا يعني أن القبول بهذه العبارة والاعتقاد بصحتها يشرعنان حالة اللاسلم واللاحرب ويسهمان في إطالتها؛ وهي حالة تتآكل الدولة في ظلها وبسببها، وتتحول فيها خطوط التماس إلى حدود ثابتة، بما يهدد وحدة البلاد. فالمخاطر تتوالد بعضها من بعض.
الأصح والأكثر دقة أن نقلب العبارة ونقول: لا حلّ سلمياً للصراع في اليمن ما لم يتغيّر ميزان القوة حتى يصير السلام أرخص من الحرب. أما التعامل مع ميزان القوة القائم باعتباره قدراً لا يمكن تغييره، فهو وصفة لإدامة الصراع، وغطاء لاستمرار الحرب. وبالتالي فهذا ليس دعوة للحرب، فالحرب قائمة أصلاً ولم تتوقف، بل دعوة إلى إنهائها بدل إدارتها، إنه رفض لمعادلة زائفة تضع الحسم العسكري والتسوية السياسية في موقع النقيض المطلق، وتتجاهل أن التفاوض الجاد لا يكون إلا ثمرة تغير موازين القوة، وأن استبعاد القوة يضعف فرص السلام.