الجمعة 16 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • المساعدات الإنسانية في زمن الحرب.. لماذا لا تزال ضرورة؟

المساعدات الإنسانية في زمن الحرب.. لماذا لا تزال ضرورة؟

لسبع سنوات عملت مسؤولاً للتواصل الإعلامي في إحدى المنظمات الأممية في اليمن. خلال تلك السنوات زرت عشرات المديريات، من مخيمات النازحين في مأرب، إلى القرى النائية في حجة وصعدة والحديدة وتعز. التقيت بمئات الأسر، ودخلت بيوتاً لا تملك شيئاً سوى القليل من الأمل.

هذه التجربة الميدانية هي ما تدفعني اليوم للكتابة، بعيداً عن النقاش النظري الدائر حول جدوى وجود المنظمات الدولية.

كثير من الانتقادات التي توجه للمنظمات مشروعة ويجب الاستماع إليها. يقال إن هناك خللاً في التوزيع، وإن المساعدات لا تصل لمستحقيها، وإنها كرست ثقافة الاتكال بدلاً من الإنتاج. وهذا النقد في جزء كبير منه صحيح، ويحتاج إلى مراجعة جادة وشفافية أكبر.

لكن السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه بتجرد هو: ما هو البديل الواقعي في ظرف كالذي يعيشه اليمن؟

اليمن يمر بأطول أزمة إنسانية في تاريخه الحديث. حرب مستمرة منذ أكثر من عقد، انقسام اقتصادي ومؤسسي، وملايين الأسر التي فقدت مصادر دخلها بشكل كامل. في مثل هذا السياق، تتغير الأولويات تماماً.

في الأزمات.. الإغاثة هي التنمية

هناك خلط شائع بين نوعين من العمل الإنساني: الإغاثة الطارئة، والتنمية المستدامة.

المشاريع الاعتمادية أو ما يسمى بمشاريع سبل العيش، هي مشاريع مهمة جداً، لكنها بطبيعتها تحتاج إلى الحد الأدنى من الاستقرار: بيت ثابت، سوق يعمل، قدرة على التنقل، وأمان يسمح للأسرة بالتخطيط لشهر قادم، وليس فقط ليوم قادم.

النازح الذي يسكن في خيمة ولا يعرف إن كان سيبقى فيها لأسبوع آخر، لا يبحث عن قرض صغير أو دورة تدريبية. هو يبحث عن وجبة تسد جوع أطفاله اليوم. في حالات الطوارئ والحروب، إنقاذ الحياة هو بحد ذاته مشروع تنموي، لأنه يحافظ على رأس المال البشري من الانهيار.

من واقع ما رأيته، المساعدات الغذائية والتحويلات النقدية الطارئة لم تكن رفاهية، بل كانت الفارق الحقيقي بين أن تصمد أسرة أو تسقط في سوء تغذية حاد.

التحدي الحقيقي الذي يواجه العمل الإنساني

اليوم، يواجه العمل الإنساني في اليمن تحديات غير مسبوقة تهدد استمراره، وأبرزها ثلاثة:

أولاً: تقلص التمويل. العالم يشهد أزمات متعددة، وحصة اليمن من التمويل انخفضت بشكل كبير، مما أدى إلى تقليص عدد المستفيدين وإغلاق برامج كانت حيوية لآلاف الأسر.

ثانياً: صعوبة الوصول. العمل في الميدان أصبح أكثر تعقيداً بسبب القيود على الحركة والتصاريح، مما يؤخر وصول المساعدات ويزيد من تكلفتها.

ثالثاً: التدخلات في العمل. وهذه هي النقطة الأكثر حساسية. من خلال عملي، لمست كيف يتم الضغط على المنظمات لتعديل قوائم المستفيدين وإضافة أسماء غير مستحقة، وكيف تظهر بعض المساعدات لاحقاً في الأسواق للبيع. وعندما تتمسك المنظمات بمعايير الاستهداف المبنية على الاحتياج والتحقق بالبصمة، يتم التضييق عليها.

وقد تابعنا جميعاً خلال الفترة الماضية اعتقال عدد من موظفي المنظمات الأممية والدولية، وهو أمر يبعث على القلق الشديد، لأن هؤلاء الموظفين هم في النهاية أبناء هذا البلد ويعملون لخدمة مجتمعه.

إن هذه الممارسات لا تضر المنظمات بقدر ما تضر المواطن المستحق الذي ينتظر المساعدة.

نحو مقاربة أكثر واقعية

إنكار أهمية وجود المنظمات الدولية في اليمن في هذا الظرف هو إنكار للواقع. لا توجد حتى الآن مؤسسة محلية قادرة على سد الفجوة التي ستتركها في مجالات الغذاء والصحة والمياه.

لكن التمسك بوجودها لا يعني القبول بكل أخطائها. المطلوب اليوم هو:

1. مزيد من الشفافية من قبل المنظمات نفسها في آليات الاستهداف والتوزيع ونشر بياناتها للعلن. 2. حماية العمل الإنساني وإبعاده عن أي استقطاب سياسي، وضمان وصوله دون شروط أو تدخلات. 3. التخطيط المرحلي: الاستمرار في الإغاثة الطارئة كأولوية قصوى في مناطق النزاع والنزوح، مع البدء بمشاريع التعافي المبكر في المناطق الأكثر استقراراً نسبياً.

اليمن لا يحتاج إلى الاختيار بين كيس الدقيق ومشروع مستدام. هو يحتاج إلى كيس الدقيق اليوم ليبقى على قيد الحياة، وإلى المشروع غداً عندما يعود الأمان ليبني حياته بكرامة.

وهذا هو الدور الحقيقي للعمل الإنساني.. أن يحفظ الحياة أولاً، ليكون هناك مستقبل يمكن الحديث عنه لاحقاً.