السبت 17 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • عدن أم المساكين... إلى متى تبقى جراحها ساحة لصراعات الآخرين؟

عدن أم المساكين... إلى متى تبقى جراحها ساحة لصراعات الآخرين؟

عدن أم المساكين، مدينة أنهكتها الحروب والصراعات منذ عام 1967، وما زالت تدفع حتى اليوم ثمن صراعات لم تجن منها سوى الألم والحرمان.

أي ذنب اقترفته هذه المدينة حتى تتحول إلى ساحة لاستعراض القوة وتصفية الحسابات، وتأتي إليها الحشود من مختلف المناطق لترقص وتغني وتتحدى بعضها بعضًا فوق جراح أهلها، وكأن معاناة الناس لا تعني أحدًا؟

عدن التي احتضنت الجميع، وكانت المنبر الثقافي والفكري والاقتصادي الذي أسهم في إخراج المجتمع من الفقر والتخلف، ومنها انطلقت المنتديات السياسية والحركة العمالية والاحتجاجات الوطنية التي مهّدت لطرد المستعمر واستعادة استقلال الأرض والإنسان.

وهي ذاتها التي احتضنت نضالات أبناء الجنوب، وواجهت نظام صالح، وحرب الحوثي، وفي كل غزوة تتعرض للنهب والسلب، ولا تزال اليوم تعاني من الإهمال وغياب الخدمات، فيما يجد أبناؤها أنفسهم بين انقطاع الكهرباء والمياه، وتأخر الرواتب، وضيق العيش، والخوف من أن تمتد الحروب إلى بيوتهم وشوارعهم.

والمؤلم أن هذه المدينة، التي دفعت أثمانًا باهظة منذ عام 1967، لم تسمع حتى اليوم اعترافًا كافيًا بحجم ما تعرضت له من ظلم، ولا اعتذارًا صادقًا من الذين أسهموا في مآسيها. بل ما زال البعض يتعامل معها باعتبارها غنيمة أو ساحة نفوذ، يفرغ فيها غضبه ويستعرض قوته، ثم يغادر تاركًا أهلها يواجهون وحدهم تبعات الصراع.

وكلما رفع أحد أبناء عدن صوته مطالبًا بحقه، أو عبّر عن رأيه، وجد نفسه عرضة للاتهام والتخوين؛ فهذا إخواني، وذاك حوثي، وثالث مرتزق أو خلية نائمة. وهكذا تتحول الكلمة إلى تهمة، والمطالبة بالحقوق إلى شبهة، ويصبح الخوف من الاعتقال أو الملاحقة حاضرًا في حياة الناس.

أليس من حق أبناء عدن أن يعيشوا بأمان وكرامة؟ أليس من حقهم أن يعبروا عن آرائهم دون تخوين أو تهديد؟ ولماذا يُطلب منهم الصمت بينما مدينتهم تواجه المخاطر، والصواريخ تصل إلى محيطها، والقلق يطرق أبوابها؟

لقد كانت عدن مدينة تتسع للجميع، بتنوعها الثقافي والفكري والسياسي، وبأعراقها وأصولها المختلفة. كان القانون هو الحكم، وكانت قيمة الإنسان بما يقدمه من علم وعمل وثقافة، لا بما يحمله من لقب أو ينتمي إليه من منطقة أو قبيلة. لم يكن الأصل والفصل معيارًا للتفاضل، بل كانت المواطنة والعمل والكفاءة هي الأساس الذي ينبغي أن يجمع الناس.

عدن ليست غنيمة لأحد، ولا ملكًا لجماعة، ولا ساحة لتصفية الحسابات. عدن مدينة لكل أبنائها وسكانها، وكرامتها من كرامتهم.

نريدها مدينة آمنة، يسودها القانون، وتحفظ فيها الحقوق والحريات، وتُصان فيها كرامة الإنسان، وتُحترم فيها الاختلافات. نريد أن يتنافس الناس في بنائها وخدمة أهلها، لا في استعراض القوة وإثارة الكراهية.

كفى عدن حروبًا وصراعات ومآسي. كفى أهلها تهجيرًا وحرمانًا وتخويفًا. كفى تحويل معاناتهم إلى مشهد يتفرج عليه المتصارعون ثم يرحلون.

اللهم احفظ عدن، مدينة الإنسان والتنوع والمدنية، واحفظ أهلها من كل شر، وألهم أبناءها الحكمة والتآلف، واجعلها مدينة للسلام والحرية والكرامة، لا ساحة للخوف والصراع.

والله على ما أقول شهيد.