الأمير الذي خرج من القصر إلى الثورة
كان إبراهيم بن يحيى حميد الدين يعرف القصر الذي وُلد فيه، لكنه لم يرَ في قربه من الإمام يحيى ضماناً للأمان. وحين مرض أبوه، حاول استمالة قادة في الجيش للسيطرة على القصر ومقر الجيش وقصر السلاح، واعتقال الإمام وأخيه علي. نصحه المقربون بالتراجع، فبقي أمام خيار الانتظار أو المجازفة بالتحرك.

ترجع خصومته مع أبيه الإمام إلى سنوات سابقة، حين أودع يحيى إبراهيم وأخاه إسماعيل دار الأدب في صنعاء. خرج منها ساخطاً على سلطة أسرته، ثم اجتمع ذلك السخط بطموحه السياسي. وبعد انكشاف خطته، تظاهر بالجنون بناءً على نصيحة نُسبت إلى الشاعر أحمد بن محمد الشامي، فأُرسل إلى الحبشة للعلاج.
أقام في أسمرة، حيث التقى يمنيين منهم رجل الأعمال أحمد عبده ناشر، الذي أقنعه بالانتقال إلى عدن والانضمام إلى تنظيم الأحرار اليمنيين الذي أسسه الزبيري والنعمان ورفاقهما.
وصل إبراهيم إلى عدن عام 1946 وأعلن معارضته لحكم أبيه. أثار انشقاقه اهتماماً واسعاً، فهو أمير من الأسرة الحاكمة يعرف شؤون القصر من الداخل.
أطلق عليه أنصاره "سيف الحق"، واحتفت به قصائد الزبيري ولطفي جعفر أمان. ووصفه الإمام يحيى بالعقوق والهوس والمجون، ثم راسله مستفسراً عن دوافعه. فرد إبراهيم منتقداً قسوة الحكام، وداعياً إلى الإصلاح ووحدة البلاد، كما طالب الجامعة العربية بالتدخل لنشر الثقافة وتنفيذ المشاريع.
في صنعاء أقنع الفضيل الورتلاني الإمام يحيى وولي عهده أحمد بتشجيع رأس المال الوطني، فأنشئت أول شركة مساهمة في البلاد، لكن عوائدها ذهبت إلى المقربين من القصر ولم يتغير حال الناس كثيراً.
وفي يوليو 1947 عاد الأمير عبدالله من الولايات المتحدة، واجتمع بإبراهيم في عدن محاولاً إقناعه بالعودة، لكنه رجع وحده. وفي صنعاء دعا الضابط جمال جميل إلى إزالة الغبار عن مرآة الشعب. غير أن أبناء الإمام أصدروا بياناً يرفض الاقتداء بالأنظمة العربية ويحذر من الإصلاح والتطور. قرأ إبراهيم فيه دليلاً على أن الوعود لا تعني تغييراً، فوجه نداء إلى العلماء والقبائل والجنود والمزارعين يدعوهم إلى الثورة ورفع الظلم.
قُتل الإمام يحيى في فبراير 1948، واختار اجتماع للدستوريين عبدالله الوزير إماماً وملكاً دستورياً. أُعلنت الثورة وشُكلت حكومة برئاسة علي بن عبدالله الوزير، ومجلس شورى من ستين عالماً وفقيهاً ترأسه إبراهيم. ونص الميثاق الوطني على إعداد قانون للانتخابات وإزالة المظالم والفساد، لكن النظام الجديد لم يملك الوقت لبناء مؤسساته.
جمع الإمام أحمد قواته، ودخل صنعاء بعد أقل من شهر. قُبض على عبدالله الوزير، ونهبت المدينة، وقُتل مدنيون وأُعدم عدد من الثوار، بينهم جمال جميل. انهارت التجربة الدستورية وعادت السلطة إلى القصر.
أُلقي القبض على إبراهيم وأُرسل إلى حجة، حيث أودع سجناً انفرادياً في بيت المؤيد. وبعد نحو شهرين مات في ظروف غامضة. قالت رواية إنه سُمّم.
بدأ محاولته الأولى بالاستيلاء على القصر، ثم خرج إلى عدن ليعارض حكم والده، وعاد اسمه إلى صنعاء مع ثورة لم تعش سوى أسابيع. لكن رسائله بقيت شاهدة على خلاف تجاوز جدران الأسرة إلى سؤال الحكم والبلاد.



