الإعلام اليمني في زمن الحرب.. الرواية قبل الحقيقة
منذ اتسعت المعارك في الأسابيع الأخيرة، من تعز والساحل الغربي إلى مأرب والجوف، لا يمر يوم دون أن تصل إلى هواتف اليمنيين مقاطع جديدة: كمين هنا، وتعزيزات هناك، وموقع سقط أو استُعيد. يتابعها الناس بقلق، ويعيدون نشرها بحماس، ونادرًا ما يسأل أحدهم: متى صُوّر هذا المقطع؟ وأين؟ وهذا السؤال الغائب يجعل معركة الروايات لا تقل خطورة عن المعركة على الأرض. وتعز اليوم أوضح مثال على ذلك.
وتكشف الوقائع الموثقة فيها خلال الأيام الأخيرة ثمن هذا الغياب. ففي 5 أكتوبر، فحصت منصة «مسبار» للتحقق مقطعًا تداولته حسابات على أنه كمين نفذته القوات الحكومية ضد الحوثيين في تعز، وتبين أنه متداول منذ سبتمبر 2022، ووُصف حينها بأنه كمين استهدف قوات أمن باكستانية. وفي اليوم التالي، كشفت المنصة نفسها أن مقطعًا زُعم أنه يوثق استيلاء الحوثيين على منزل رئيس مجلس القيادة الرئاسي في تعز، قديم هو الآخر. ثم تتبعت وحدة المصادر المفتوحة في "الجزيرة" مقطعين مضللين عن تعزيزات عسكرية، فوجدت أن الحسابات استخدمتهما بروايتين متعاكستين: إحداهما تقدمهما دليلًا على استمرار الإمدادات الحكومية إلى تعز، والأخرى، الداعمة للحوثيين، تقدمهما دليلًا على فرار القوات الحكومية. المقطع الواحد خدم الروايتين معًا، والغائب الوحيد كان الحقيقة.
قوة هذه المقاطع أنها مصورة. فالمتلقي يرى مشهدًا عسكريًا بعينه، ولا يخطر بباله أنه صُوّر في بلد آخر أو قبل سنوات. وحين يعيد نشره أشخاص يثق بهم، يتسع تداوله، ويصبح تصحيحه أصعب من انتشاره الأول. وفي أجواء الحرب، حيث تشتد العواطف والانتماءات، يجد الخبر المضلل طريقه إلى الناس لأنه يوافق ما يريدون تصديقه.
والمشكلة أعمق من مقطع قديم يُعاد تداوله. فالإعلام في اليمن صار جزءًا من أدوات الصراع، يُستخدم للتعبئة قبل أن يُستخدم للإخبار. وحين تصبح الأولوية إثبات صحة موقف سياسي مسبق، يتراجع السؤال عن صحة الخبر أمام سؤال آخر: من نشره، ولصالح من؟
في الإعلام الحوثي، تُقدَّم الأحداث في إطار واحد يخدم رواية الجماعة ويبرر ممارساتها. ويزداد ذلك خطورة مع سيطرتها على المؤسسات الإعلامية في مناطقها، وتضييقها على الصحافة المستقلة، وهو ما وثقته منظمات حقوقية بينها هيومن رايتس ووتش. وحين يخشى الصحفي نشر ما يخالف السلطة، أو لا يستطيع الوصول إلى مصادر مستقلة، تضيق المعلومات المتاحة للناس، وتبقى الرواية الرسمية وحدها في الساحة.
والإعلام الحكومي والمؤيد للحكومة يعاني بدوره من تعدد مراكز القرار وتضارب الرسائل. ففي التغطيات العسكرية تتقدم إعلانات الانتصارات على التحقق من نتائجها الميدانية، وتُنقل أرقام قتلى الخصم كما تصدر عن جهات عسكرية، دون أن يُقال للقارئ إنها رواية طرف في الحرب. وقد رأينا كيف قُدّم مقطع الكمين القديم على أنه انتصار حكومي قبل أن يتأكد منه أحد.
ولا يعني هذا أن الطرفين متطابقان في طبيعة ممارساتهما، أو في الظروف التي يعمل فيها الصحفيون لديهما. لكن المعيار المهني الذي يُحاسب عليه الجميع واحد: أن تكون المعلومة صحيحة، وأن يُعرف مصدرها.
ثم إن التضليل لا يقتصر على نشر ما ليس صحيحًا؛ فهو يشمل أيضًا السكوت عما هو صحيح. ففي 14 أكتوبر، أعلن برنامج الأغذية العالمي أن تصاعد القتال قطع المساعدات المنقذة للحياة عن 800 ألف شخص، أكثر من 600 ألف منهم في تعز وحدها، بينهم أكثر من 200 ألف امرأة وطفل. وحذر من أن مخزونات دقيق القمح في المناطق المتضررة أوشكت على النفاد. هذه أرقام تمس كل بيت في تعز، المدينة التي عاشت سنوات الحصار منذ 2015. ومع ذلك تمر في كثير من التغطيات خبرًا عابرًا بين البيانات العسكرية. والإعلام الذي ينشغل بالمواقع المستعادة ويتجاهل أسرة لا تجد الدقيق، يقدم للناس نصف الحرب فقط.
والمواطن هو من يدفع الثمن. فهو لا يتابع الأخبار بدافع الفضول، وإنما ليعرف ما قد يحدث لأسرته ومدينته. وحين تصله روايات متناقضة وأخبار غير متحققة، يصعب عليه أن يكوّن رأيًا مستندًا إلى معرفة. ومع الوقت يتحول الارتباك إلى استقطاب: يدافع كل فريق عن الوسيلة التي يثق بها، ويرفض كل ما يصدر عن الجهة التي يخالفها قبل أن يقرأ مضمونه. وعندها يصبح الاعتراف بخطأ الرواية أشبه بالهزيمة أمام الخصم، فيتعذر التصحيح.
لهذا تظهر قيمة الإعلام المهني حين تلتبس الوقائع وتتنافس الروايات، وحين يملك الصحفي الشجاعة ليقول إن معلومة ما لم تتأكد بعد. فالتريث في نشر خبر غير مكتمل جزء من المهنية، والاعتراف بالخطأ جزء من المصداقية. وليس المطلوب من الإعلام أن يتخلى عن موقفه من القضايا الوطنية، وإنما ألا يجعل الموقف بديلًا عن التحقق. فالوسيلة تستطيع أن تنتقد طرفًا سياسيًا أو عسكريًا بوضوح، دون أن تنشر معلومة غير مثبتة، أو تتجاهل واقعة لا تخدم روايتها.
لقد أنهكت الحرب اليمنيين بخسائرها وانقساماتها ومعاناتها المعيشية، ولا ينبغي أن يخسروا معها قدرتهم على معرفة ما يحدث فعلًا. والمقطع الذي خدم الروايتين معًا لم يخدم الناس في شيء. فالإعلام الذي يريد أن يكون في صف اليمنيين، عليه أن يكون أولًا في صف الحقيقة.
أستاذ الإعلام



