الخميس 15 أكتوبر 2026

الهويَّة الوطنية ومآسي المذهبيات

للأطفال في المدارس الابتدائية، كان كتاب القراءة يسمى الرشيدة. من يرشد، أرشده، إرشادًا. وجهه للطريق والهدف الصحيح.. وكانت الكثير من الأمثلة تأتي من حديقة الحيوان لتُثَبت في عقل الطفل قصص عن الحق، والتعاون والإيثار، وحب الآخرين، وقيم الانتماء... ولكن بالمقابل هناك قصص لم يدرك مغزاها حتى من نال أكبر الدرجات العلمية. ليأتي بقصص تجسد عكسيًا قيم غير مستحبة...؟!

وبما أن الحديث والأمثلة الواردة ستأتي وتدور من حديقة الحيوان، كتلك الرشيدة التي كانت للصف الأول الابتدائي، مع فارق أهمية دلالة الاختيار من حيث هدف وقوة وقعها وحشدها الرشيد، لترشدنا في خدمة منظومة قيم محددة بعلمية، لِوَقع ذاك الأثر على نفس الطفل والقارئ لتجسيد قيم التعاون والإخاء والمساواة واحترام حق الآخر في التعبير، والمشاركة والسؤال، بما من شأنه إعداد مجتمع سليم يؤمن بقيم الديمقراطية والتراحم والإخاء والعدالة الاجتماعية وإعلاء شأن قيم وحرية الإنسان... لا لتكريس قيم ديكتاتورية الفرد المستبد.

فعلى سبيل المثال لا الحصر.. كما جاء عند الدكتور علي الوردي، أستاذ علم الاجتماع، الذي استرشد بمثال على واقعه المستبد في إعادة إنتاجه بحكاية من حديقة الحيوان، حيث يقول: "فتح الحمار مذكرة يومياته وكتب فيها أنا لا أعرف كم من الزمن مضى على رحيل الأسد، ولكن وصلت في نهاية عمري إلى قناعة راسخة، لكنها قاسية ومؤلمة، مفادها أن ديكتاتورية الأسد أفضل من حرية القردة والكلاب، فهو لم يكن يستعبدنا، بل يحمينا من قرود تبيع نصف الغابة من أجل الموز، وكلاب تبيع النصف الآخر من أجل العظام".

ومن خلال هذه الفكرة التي حشد فيها الحمار مذكراته بتعظيم دور الأسد وديكتاتوريته. بل هي قناعة أستاذ علم الاجتماع الراسخة بواقعية منهجه، الاستاتيكي الثابت من تأبيد الاستبداد؟ فلا أدري من هو حين يقع لوحده بحماية الأسد..؟! حين قال بما معناه، أعيش في ظل ديكتاتورية الأسد ولا همجية حرية القرود.. والسؤال له أين ذهب ذاك اللحم الذي كان يكسو تلك العظام التي لم يبقَ منها للكلاب شيء يذكر سوى بيعها. وهي -أي الكلاب- موصوفة بالوفاء؟!

وبالعودة لقراءة الوردي من خلال منهجيته في دراسة ظواهر علم الاجتماع سنجدها، نافية للذات العارفة والنقدية، فيقع في براثن الواقعية التسطيحية الشديدة الإيغال في تكريس قيم الواقع كما هي (الوضعية برمتها). فالمآخذ كثيرة عليه في هذا الجانب، إذ يأخذ بعوامل نفسية الفرد كقيم تجسدها الأنا وتتحكم بمجمل تصرفاته بالمطلق، ويقع في حكم يماثل حكم تلك النظرية الهوبزية القائلة بأن "الإنسان أناني بطبعه"، مع فارق التأسيس للفرضية الهوبزية في إيجاد دولة القانون عند هوبز وفلاسفة التنوير عند الوردي بمعنى ديكتاتوري، وحسود، وطاغية وجشع... الخ.ـ وهو بالفعل -أي الوردي- من خلال منهجيته، دخل في طائل التناقضات الصاخبة التي شكلت قاعدة أساسية للردود عليه، كتلك التناقضات بين البداوة والإسلام، والتي يفصلها بين كيانين ميتافيزيقيين. أي بمعنى أحادية ثابتة وقاطعة. وبعدم جدوى "الوعظ" إلا بما اعترف به الحمار لاستبدادية الأسد. لكنه أثبت بالحقيقة والواقع أنه منظر واقعه الشرقي، لديكتاتورية ضاربة أطنابها في الفكر والسلوك الشرقي، وليس القول هنا، بصدد مركزية غربية، أو نظرة استعلائية غربية. إنها جغرافية الفكر بواقعيتها عنده كمنهج، قول يؤكده الموروث المنظر للاستبداد "ما للعراق إلا الحجاج"، وما للحمار والقرود والكلاب إلا الأسد. إنها سوء اختيار لفكرة "الموعظة" التي ينشدنا إياها الحمار، وبالقراءة المعاكسة.

بالمقابل لقراءته، ومن واقع الحمار المأساوي، فإنه يتفق مع موعظة الوردي كونه صبورًا على طاغيته. ويختلف الأمر معكوسًا بنقيض الفكرة أيضًا باستدلال من واقع ديمقراطي في تكريم الحمار لصبره. عندما اتخذ من الحمار شعارًا للحزب الديمقراطي الأمريكي. فهو -أي الحزب الديمقراطي- كالحمار الصبور الذي يخدم شعبه. إنه الاستدلال المختلف باختلاف منظومة القيم، بين قيم الحرية والديمقراطية، وديكتاتورية الشرق والعراق وعلي الوردي.

فلنختر قصة أخرى للحمار مع الأسد.

"الحمار وقرار تغيير هويته"

تساءل الحمار مع ذاته قائلًا: لماذا أنا موصوف بالغباء؟!

فقرر على التو تغيير اسمه. وبما أن إرادة التغيير للهوية تتطلب اعترافًا رسميًا وشعبيًا (أي حيوانات الغابة مجتمعة) وإرادة القوة لسلطة الأسد الغاشمة.

وخروجًا مؤقتًا عن السياق السردي، وعلى ذكر الأسد، زار سائح سوريا، ومن ثم زار حديقة الحيوان، فلم يجد الأسد. وسأل حارس الحديقة مستغربًا: أين الأسد؟ قال له بصوتٍ خافت: لا يوجد في سوريا إلا أسد واحد.

وبالعودة إلى قرار الحمار بتغيير هويته، فقد قرر الذهاب لعرين الأسد، بما أنه يملك إرادة التغيير. فقال له: يا سيادة الأسد قررت أن أُغير اسمي من حمار يتسم بالغباء إلى اسم وهُوية أخرى. فقال له: ماذا تريد أن تكون؟ فصمت الحمار ولم يرد. قال له الأسد مزمجرًا: كن سمكة. والسمكة هناك بحرية لا برية، لكنها معدومة الوجود بالغابة. فعاد الحمار يحمل اسم سمكة، فنادته الحيوانات يا حمار.. يا حمار.. ولم يجب.. حتى وصل للثعلب فناداه يا حمار.. لم يجب. فقفز الثعلب على ظهره وصرخ يا حمار. رد الحمار: احترم نفسك، أنا من الآن لست حمارًا بأمر وقرار أسد الغابة... فقال له: ماذا أنت؟! قال: أنا سمكة. رد الثعلب: حسنًا، هل تجيد العوم؟ فهز الحمار رأسه محركًا أذنيه: لا.. لا. قال له الثعلب: إذان أنت حمااااااار.

وللذكاء الفطن سنضرب مثالًا بالغراب، فالغراب من أذكى الطيور.. فكانت دولة روسيا والاتحاد السوفيتي سابقًا يطلون قباب الكرملين بماء الذهب الخالص. وإشاعة خبر بأنها من الذهب، ولكن الغراب لم يدع حالة الزيف تدوم. فكان ينقر ذلك الطلاء ويقوم بتقشيره حتى تظهر القبة حديدية. فالهُوية تتعزز بمصداقية الانتماء الحر لا الزيف، وبالإنتاج والتنمية والوجود بالمستقبل حاضرًا، وكفالة حق الأفراد بالمواطنة. الفرد بالمواطنة يساوي الوطن. وليس هنا.