المسيحيون العرب ودورهم في بناء الحضارة العربية
أعجيت أيَّمَا إعجاب بالكاتب الُّلبناني الكبير الصَّحفي والمؤرخ والموسيقي فيكتور سَحَّاب، وبما كتبه في كتابه «إيلاف قريش»، وكتابه الثَّاني الصَّغير من «يحمي المسيحيين العرب؟»؛ وقد طالعت كِلا الكتابين، وإنصافه في كتابه الأخير للحضارة العَربِيَّة الإسلامية، بما يعجز عن كتابته كثير من المحسوبين على تيارات الإسلام السِّياسي.
وموقفَهُ من الاحتلال الإسرائيلي، واجتياحه للبنان، عام 1982م، وتعلل الاحتلال بأنه لم يفعلْ هذا إلا حِمَايةً المسيحيين اللبنانيين، وتعرية سَحَّاب لخطابه الملغوم وتفكيكه.
وبواسطة المسيحيين العرب اللبنانيين، عرفت الدَّولة العَربيَّة الحديثة بمصر الصَّحافة، والمسرح، والرِّواية، والتَّرجمة، والشِّعر العربي في صورته الزَّاهية الحديثة، والمعاجم والموسوعات العربية. وقد شهر منهم أعلام كثر يصعب الإحاطة بهم، كالعلامة اللغوي الصحفي أحمد فارس الشِّديَاق الذي ترجم التَّوراة، وتَعقَّبَ صاحب القاموس المحيط بكتابه «الجاسوس على القاموس»، وَأدَارَ «صحيفة الجوائب» بالاستانة؛ عاصمة الدَّولة العثمانية، وَكَانَ يحظى بمكانة كبيرة في الباب العالي، والكاتب الإنساني العظيم ميخائيل نعيمة، وصديقه جبران خليل جبران، وعبد المسيح حداد، وإيليا أبو ماضي، ومارون عبود، وإبراهيم اليازجي؛ شارح ديوان المتنبي، ومي زيادة، وجورجي زيدان، وفرح أنطون، والزَّعيم والوزير السُّوري السَّابق فارس بك الخُوري، بالإضافة إلى العلامة العراقي الكبير الأب أنستاس الكرملي الذي خَدمَ التُّراث العربي واليمني بأبحاثه وتعليقاته المفيدة.
وعند مطالعتي كتاب «المسيحية والحضارة العربية»، للأب الدكتور جورج شحاتة قنواتي، عن دور المسيحيين العرب، ومشاركتهم في بناء الحضارة العربية= هَالني مدى الجهل والتَّجهيل الذي منينا به، ومُورِسَ علينا، عن الدَّور الرَّئيس، والمِنَّة الكُبرى التي أسدتها هذه الطَّائفة في بناء هذه الحضارة التي شاركت في بنائها، وتشييد أركانها، مع أممٌ شَتَّى؛ من عرب وفرس وأتراك وأكراد وأحباش.
ولمَّا قال ابن خلدون في «مقدمته» بأنَّ أكثرَ علماء المِلَّة من العجم، إلى جانب عبارات أخرى سَطَّرَها في فصول كتابه، ناله -بسببها- سهام التَّشنيع والنَّقد، واتهمه بعضهم كالأستاذ الكبير عميد الأدب العربي طه حسين بالشُّعوبية.
لقد وُجِّهَ التَّعليم ذي الصِّبغة الوهابية، وتَمَّ توظيفه ضِدًّا على الأقليَّات الدِّينية، والطوائف المذهبية، ليسود الفكر الظلامي، ويُطبع الإسلام بطابع تكفيري متشدد، يلغي الآخر، ويسلبه حَقَّه في الرَّأي والحياة وحرية الاعتقاد.
لقد اضطلع المسيحون العرب بِمُهِمَّة التَّرجمة، ودشنوها بترجمة كتب الأوائل، فازدهرت على أيديهم أعظم مُهِمَّة عُرِفَت في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية؛ فترجموا كُتُب الطِّب، والفلسفة، والهندسة، والرِّياضيَّات، والهيئة (الفلك)، والمنطق، إمَّا بترجمتها من اليونانية، أو من لغتهم الأصليَّة السِّريانية.
وقد كان للأطباء المسيحيين العرب المنزلة الكبيرة في نفوس الخلفاء والملوك، يقدمونهم في الأمور، ويفضون إليهم بأسرارهم، ويجرون عليهم الأموال، ويوقفون عليهم الأملاك الكثيرة، ويقطعونهم القِطَاعات الواسعة.
حتى أنَّا نجد الخليفة العباسي المعتصم، يقدم طبيبه النصراني سلمويه، على قاضي قضاته المسلم؛ فيقول: " سلمويه طبيبي أكبر عندي من قاضي القضاة؛ لأنَّ هذا يحكم في مالي، وهذا يحكم في نفسي. ونفسي أشرف من مالي ومُلكِي". (طبقات الأطباء، لابن أبي أصيبعة، ص 165، عن المسيحية والحضارة العربية، ص 155).
ويذكر ابن أبي أصيبعة في «طبقات الأطباء» أنَّ أبا جعفر المنصور لمَّا مرض، وفسدت معدته، وانقطعت شهوته، استُدعِيَ له جورجيس- رئيس أطباء جنديسابور، فاحتفى به، وأكرم منزله، وأجزل صِلَته؛ خَاصَّةً بعد أن قام بعلاجه، وشفائه على يديه.
وبعد شفاء المنصور، أرسل إليه ثلاث جَوارٍ رومِيَّات؛ لأنه عرف أنَّهُ خَلَّفَ امرأته في بلدته جنديسابور، وَأرسلَ إليه ثلاثة آلاف دينار.
قَبِلَ جورجيس النُّقُود، وَرَدَّ الجواري. فَعاتَبهُ المنصور على ذلك، فأجابه: إنَّنَا معشر النَّصَارى لا نتزوج إلا بامرأةٍ واحدة. وما دامت المرأة حَيَّة لا نأخذ غيرها. (المسيحية والحضارة العربية، ص 102؛ و150).
وأين هذا مِمَّا ذكره الشَّيخ الأكبر ابن عربي في «الفتوحات المكية» عن بعض المتكسبين بالدِّين من الفقهاء؛ مِمَّن يزينون للملوك والرؤساء، ويجرون على أهوائهم.
يقول ابن عربي: "لمَّا غَلَبت الأهواء على النُّفوس، وطلبت العلماءُ المراتبَ عند الملوك؛ تركوا المَحجَّة البيضاء، وجنحوا إلى التَّأويلات البعيدة؛ ليمشوا أغراض الملوك، فيما لهم فيه هوى نفس؛ ليستندوا في ذلك إلى أمرٍ شرعي؛ مع كون الفقيه، رُبَّمَا لا يعتقد ذلك، ويفتي به. وقد رأينا منهم جَماعةً على هذا؛ من قضاتهم وفقهائهم.
ولقد أخبرني الملك الظاهر غازي ابن الملك النَّاصر صلاح الدِّين يوسف بن أيوب، وقد وقع بيني وبينه في مثل هذا كلام؛ فنادى بمملوك، وقال: جئني بالحرمدان، فقلت له: ما شأن الحرمدان؟
قال: أنت تنكر علي ما يجري في بلدي ومملكتي من المنكرات والظُّلم، وأنا والله أعتقد مثل ما تعتقد أنت فيه؛ من أنَّ ذلك كله منكر، ولكن والله يا سيدي ما منه منكر إلا بفتوى فقير، وخط يده عندي بجواز ذلك؛ فعليهم لعنة الله. ولقد أفتاني فقيه هو فلان، وَعَيَّن لي أفضل فقيه عنده في بلده في الدِّين وَالتَّقشُف بأنه لا يجب علي صوم شهر رمضان هذا بعينه؛ بل الواجب لي شهر في السَّنَة، والاختيار لي فيه؛ أيُّ شهرٍ شئت من شُهُور السَّنة.
قال السُّلطان: فلعنته في باطني، ولم أظهر له ذلك؛ وهو فلان، وسَمَّاهُ لي؛ رحم الله جميعهم". (5/ 80- 81).
ولمَّا عَزَمَ الرَّئيس السَّادات الذَّهاب إلى القدس لعقد صفقة السَّلام، مع مناحيم بيجن، في إسرائيل؛ طَلبَ من البابا شنودة أن يرافقه؛ فأجابه بالحرف الواحد: لن أخونَ العرب والمسلمين. فاصطحب السَّادات شيخ الأزهر عبد الحليم محمود. وهناك ابتدأ الشَّيخ عبد الحليم محمود خطبته قَائِلاً: (وإن جنحوا لِلسِّلم فاجنح لها).
فَردَّ عليه نافون رئيس الجمهورية: (يا بني إسرائيل ادخلوا الأرض المُقَدَّسَة التي كَتبَ الله لكم، ولا ترتدوا على أدباركم، فتنقبلوا خاسرين).
وقد لاحظ المنصور تَكَدُّر خاطر طبيبه الخَاص جورجيس؛ فَسألَ حَاجبه الرَّبيع؛ قائلاً له: أرى هذا الرَّجُل قد تَغيَّرَ وجهه. لا يكون قد منعته مِمَّا يشربه على عادته. فقال له الرَّبيع: لم نأذن له أن يُدخل إلى هذه الدَّار مَشروبًا. فقبَّحَ المنصور فعله، ووبَّخه، وقال له: لا بُدَّ أن تمضي بنفسك حتى تحضر له من المشروب كُلَّ ما يريده. فمضى الربيع إلى قطربل، وحمل منها غاية ما أمكنه من الشَّراب الجَيِّد.
وقُطْرُبُلّ: قرية معروفة من قرى بغداد، مشهورة بجودة الخمر؛ وهي التي يقول فيها المتنبي:
سَقتني بها القُطْرُبُلِّي مَليحَةٌ* على كَاذِبٍ من وعدِهَا ضَوءُ صَادقِ
لقد ظَلَّ جورجيس يخدم المنصور، حتى مرض، فَنُقِلَ إلى دار العامَّة، وخرج إليه الخليفة بنفسه مَاشيًا، ورآه، وسأله عن حاله، فبكى جورجيس بُكاءً شديدًا، وقال له: إنْ رأى أمير المؤمنين -أطال الله بقاءه- أن يأذنَ لي في المسير إلى بلدي؛ لأنظر أهلي، وإن مت قُبِرتُ مع آبائي.
فَعَرضَ عليه المنصور الإسلام، على أنَّ له الجَنَّة. فأجابه قائلاً: أنا على دين آبائي أموت. حَيثُ يكون آبائي، أحِبُّ أن أكون؛ إمَّا في الجنة، وإمَّا في النَّار.
ويذكر عن صاحب «طبقات الأطباء» أنَّ جعفر بن يحيى البرمكي، وزير الرَّشيد، مرض، فتولى علاجه جبرئيل بن بختيشوع بن جورجس، وشُفِيَ على يديه، فكان لا يصبر عَنهُ ساعةً، آكلاً، أو شاربًا.
وقد تتلمذ كبار أطباء الإسلام كالشَّيخ الرئيس ابن سينا، وابن النَّفيس على أمثال هؤلاء الأطباء. فمن أساتذة ابن سينا أبو سهل عيسى بن يحيى الجرجاني الذي قِيلَ فيه: إنه ليسَ في الأطباء النَّصَارى المتقدمين والمتأخرين أفصحَ عبارةً، ولا أجودَ لفظًا، ولا أحسن معنى منه. (المصدر السَّابق، ص185).
ويذكر ابن أبي أصيبعة في ترجمة عيسى الرقي الشَّهير بالتفليسي، أنَّ سيف الدَّولة الحمداني، كان إذا أكل طعامه، حضر على مائدته أربعة وعشرون طبيبًا. فمنهم من يأخذ رزقين؛ لتعاطيه علمين، ومنهم من يأخذ ثلاثة. وكان الرقي الذي كان يتولى خدمته يأخذ أربعة أرزاق؛ لامتهانه الطِّب، ونقله للكتب، وعلمين آخرين كان يجيدهما. (المصدر السَّابق، ص192).
وفي ترجمة الطَّبيب أبي النجم بن أبي غالب النصراني المتوفي سنة (599هـ)، من «طبقات الأطباء»، ذُكِرَ أنَّهُ كان مَكيناً في الدولة. (المصدر السَّابق، ص 193).
هذه نبذة موجزة، عن هذا الكتاب المُهِمّ الذي يلقي ضَوءًا كاشفًا عن دور المسيحين العرب في الحضارة العربية. ولنا معه وقفة أخرى بمشيئة الله.



