يوميات الحرب في تعز.. شوارع خاوية ومواصلات باهظة مع انعدام الوقود

منذ أكثر من أسبوع، تعيش مدينة تعز على وقع تداعيات التصعيد العسكري والتقدمات المتسارعة لجماعة الحوثي في المحافظة، وسط أزمة متفاقمة جراء الانعدام المفاجئ للمشتقات النفطية والغاز، ما أدى إلى شلل شبه تام في حركة السيارات والمواصلات، وحوّل شوارع المدينة إلى مساحات خاوية بعدما كانت تعج بالحركة والازدحام.
الشوارع التي اعتاد سكان تعز أن يشهدوا فيها ازدحامات مرورية خانقة خلال ساعات الظهيرة والعصر والمساء، تمتد أحيانًا لساعتين، بدت خلال الأيام الماضية شبه خالية من السيارات، في مشهد يعكس حجم التحولات التي فرضتها الحرب على تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
وتزامنت الأزمة مع تعليق الجامعات والمدارس دوامها منذ اندلاع المواجهات وإغلاق الطرقات، فيما اضطر كثير من الموظفين الحكوميين إلى البقاء في منازلهم بسبب انعدام المواصلات، لتتسع دائرة التعطّل من المؤسسات التعليمية إلى قطاعات حكومية واسعة.
لا وقود حتى في السوق السوداء
في الأزمات، يلجأ السكان عادة إلى الأسواق السوداء لتأمين احتياجاتهم من الوقود، ولو بأسعار خيالية، غير أن هذه الأسواق لم تعد بمنأى عن الأزمة، إذ تراجعت كميات المشتقات النفطية والغاز المتوفرة فيها إلى مستويات محدودة للغاية، قبل أن ينفد معظم مخزونها خلال الأيام الماضية.
ووصل سعر الجالون الواحد من البنزين، سعة 20 لترًا، في السوق السوداء إلى نحو 100 ألف ريال يمني، أي ما يعادل نحو 63 دولارًا، فيما بلغ سعر جالون الديزل 120 ألف ريال، نحو 76 دولارًا، وارتفع سعر أسطوانة الغاز إلى 65 ألف ريال، بما يعادل نحو 41 دولارًا.
بالنسبة إلى أحمد نبيل، سائق باص نقل جماعي، لم يعد الحصول على الوقود مجرد مسألة تتعلق باستمرار العمل، بل أصبح مرتبطًا بقدرته على توفير لقمة العيش لأطفاله.
يقول أحمد في حديث لـ"النداء" إنه يضطر إلى شراء البنزين من السوق السوداء كلما توفر، وبعد تعب ومشقة في البحث قد يستمران أيامًا، رغم أسعاره الباهظة، لأنه لا يملك مصدر دخل آخر غير قيادة الباص.
ويشير إلى أن الارتفاع الكبير في أسعار الوقود انعكس على أجور النقل، التي تضاعفت في بعض الخطوط، ما زاد الأعباء على المواطنين الذين يضطرون إلى دفع أجور مرتفعة مقابل التنقل داخل المدينة.
مواصلات نادرة وأجور نقل باهظة
ومع توقف معظم وسائل النقل نتيجة انعدام الوقود، ارتفعت أجرة التنقل داخل المدينة إلى نحو 500 ريال، مقارنة بـ200 ريال قبل الأزمة، فيما تصل كلفة المواصلات إلى المناطق المرتفعة في المدينة إلى ما بين 1500 و5000 ريال، تبعًا للمسافة وتوفر وسائل النقل.

وتحوّلت هذه الأجور إلى عبء إضافي على السكان، خصوصًا الموظفين والعاملين في القطاع الخاص، الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى المفاضلة بين إنفاق جزء كبير من دخولهم، إن لم يكن كله، على المواصلات إن توفرت، أو البحث عن وسائل بديلة للوصول إلى أعمالهم.
ساعات من المشي للوصول إلى العمل
سعيد أسامة، موظف في القطاع الخاص، واحد من الذين تغيرت تفاصيل يومهم بالكامل بفعل أزمة المواصلات. فمنزله الواقع في منتصف جبل صبر يبعد عن المدينة مسافة طويلة يضطر إلى قطعها سيرًا على الأقدام لنحو ساعتين في طريقه إلى العمل، ومثلهما أو أكثر قليلًا في رحلة العودة صعودًا إلى منزله.
ويقول سعيد، في حديث لـ"النداء"، إنه يضطر إلى مغادرة منزله في وقت مبكر جدًا حتى يتمكن من الوصول إلى مقر عمله، فيما يعود إليه في وقت متأخر، في ظل انعدام وسائل النقل.
ويؤكد أن استخدام المواصلات، إذا توفرت، يتطلب منه دفع مبالغ لا يغطيها راتبه أساسًا، موضحًا أنه يحتاج إلى نحو 1000 ريال للنزول من منزله إلى المدينة، ثم 500 ريال أخرى للوصول إلى مقر عمله، و500 ريال للوصول إلى فرزة الباصات عند العودة، قبل أن يدفع 1500 ريال للصعود إلى منزله في منتصف جبل صبر.
وتبلغ كلفة هذه الرحلة نحو 3500 ريال يوميًا، وهو مبلغ يقول سعيد إن راتبه الشهري لا يستطيع تغطيته.
ولا تقتصر هذه المعاناة على سعيد وحده، إذ يجد كثير من الموظفين والعاملين أنفسهم أمام خيارات صعبة في ظل غياب المواصلات وارتفاع أسعارها إن وجدت، فيما بات الوصول إلى العمل تحديًا يوميًا يضاف إلى الأعباء المعيشية التي تثقل كاهل الأسر.
تعز تتحول إلى مدينة أشباح
كانت تعز مدينة صاخبة تبدأ الحركة فيها منذ ساعات الفجر الأولى وتستمر حتى منتصف الليل، فيما ظلت شوارعها وأسواقها تعج بالمارة والسيارات رغم سنوات الحرب والحصار.
لكن المشهد تغير خلال الأيام الأخيرة؛ فالشوارع تبدو شبه خالية من السيارات في ساعات الصباح، ولا يظهر فيها سوى عدد محدود من المارة الذين يقطعون الطرق سيرًا على الأقدام للوصول إلى مقار أعمالهم، فيما تنعدم الحركة ليلًا بعد الساعة الثامنة مساءً، مع سريان حظر التجوال وانتشار القوات الأمنية لتأمين المدينة.



