الحصار يعود إلى تعز.. اختبار جديد لصمود السكان وتماسكهم

عادت مدينة تعز إلى صدارة عناوين وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية، مع تجدد المخاوف من الحصار وإغلاق الطرق وتفاقم صعوبات وصول الغذاء والمشتقات النفطية، عقب سيطرة جماعة الحـ..وثي على مناطق في ريف المحافظة الجنوبي ومحيط المدينة من جهات عدة، في تطورات أعادت إلى أذهان السكان ذكريات الحصار الأول الذي عاشوه منذ بداية الحرب عام 2015.
لكن هذه المرة، تواجه المدينة الأزمة بتجربة طويلة من المعاناة، اكتسب خلالها سكانها خبرات في تدبير احتياجاتهم والتكيف مع إغلاق الطرق وارتفاع الأسعار وشح المواد الأساسية. وبين ذكريات الحصار الأول ومخاوف تكراره، يبرز سؤال حول ما إذا كانت سنوات المعاناة قد جعلت أبناء تعز أكثر قدرة على التكيف والتضامن، وما إذا كانت قد أسهمت في تقريب مواقفهم السياسية وتقليص خلافاتهم؟
تجربة لم تبدأ من الصفر
بالنسبة إلى سكان عاشوا الحصار الأول، فإن عودة الأزمة تستحضر سنوات اضطروا خلالها إلى تغيير عاداتهم اليومية، والبحث عن طرق بديلة للتنقل، والتكيف مع ظروف معيشية قاسية حوّلت أبسط الاحتياجات إلى تحدٍ يومي.
ويستعيد محمد الصبري، أحد سكان مدينة تعز، في حديث لـ"النداء"، جانبًا من معاناة الحصار الأول، قائلًا: "كنا نحمل المرضى عبر الجبال والوديان للوصول إلى المستشفيات، ونغلق النوافذ بأكياس التراب خوفًا من القنص، ومع انعدام الغاز اضطررنا إلى استخدام الحطب للطهي".
ويضيف: "عشنا الحصار الأول لسنوات، وتعلمنا كيف نتعامل مع إغلاق الطرق وصعوبة التنقل وارتفاع الأسعار، وكيف نوفر الطعام ونطهوه بالوسائل المتاحة. لم يكن الأمر سهلًا، لكننا اضطررنا إلى إيجاد بدائل لتسيير حياتنا. واليوم، نشعر بأن التجربة تتكرر، لكننا هذه المرة منهكون من حرب طال أمدها".
وتكشف هذه الشهادة عن حجم التحولات التي فرضها الحصار على تفاصيل الحياة اليومية، وكيف اضطر السكان إلى ابتكار وسائل بديلة لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
خبرة في مواجهة الحصار
إن امتلاك خبرة سابقة في مواجهة الأزمات لا يعني بالضرورة القدرة على تجاوز تداعياتها بسهولة، خصوصًا في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعاني منه المواطنون في تعز بعد سنوات طويلة من الحرب.
مع تجدد المخاوف من الحصار، تتصاعد الهواجس بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة وصول السلع والوقود، في وقت لا تزال فيه أسر كثيرة تعاني آثار سنوات الحرب وتراجع قدرتها على تحمل أعباء إضافية.
وفي الأسواق، تنعكس صعوبات الإمداد والنقل على حركة البيع والشراء ومصادر دخل المواطنين، الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم، والتخلي عن بعض الاحتياجات لتوفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.
ويقول سامي عادل، وهو بائع متجول وأب لأربعة أطفال، في حديث لـ"النداء"، إن التطورات الأخيرة انعكست سلبًا على عمله ودخله اليومي، ما اضطر أسرته إلى الاكتفاء بوجبة واحدة في اليوم، في محاولة لتدبير ما يسد جوع أطفاله ومواجهة احتمال استمرار الأزمة.
ويستعيد عادل ظروف عمله قبل التطورات الأخيرة، موضحًا أن دخله كان يكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية لأسرته، ويجنبه الاضطرار إلى طلب المساعدة من الآخرين. أما اليوم، فيقول إن تراجع حركة المواطنين وخلو الشوارع من المارة، إلى جانب صعوبة التنقل، قلّص فرص البيع وأضعف قدرته على توفير متطلبات أسرته.
وتعكس هذه الحالة جانبًا من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية التي قد تتفاقم مع استمرار إغلاق الطرق وتعطل حركة النقل والتجارة. فبالنسبة إلى أصحاب الأعمال الصغيرة والباعة المتجولين، لا تقتصر الأزمة على ارتفاع أسعار السلع، بل تمتد إلى تراجع مصادر الدخل نفسها، ما يجعل قدرتهم على الصمود أكثر هشاشة مع مرور الوقت.
وبينما قد تساعد التجارب السابقة السكان على ابتكار وسائل للتكيف، فإنها لا تعوض غياب الدخل أو تعالج نقص السلع والوقود، ولا تخفف بالضرورة من الأعباء المتراكمة على الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب.
هل وحّد الحصار أبناء تعز؟
ويُظهر أبناء تعز، كما في الأزمات السابقة، روحًا من التكافل الاجتماعي، إذ يتكاتفون في الشدائد ويتبادلون المواد الغذائية لتخفيف المعاناة، متجاوزين خلافاتهم وانتماءاتهم، في مواجهة الظروف المعيشية الصعبة.
ولا تتوقف آثار الحصار عند الاقتصاد والتنقل، بل تمتد إلى العلاقات الاجتماعية والسياسية في مدينة عُرفت بتعدد انتماءاتها الحزبية وتياراتها الفكرية، وبحضور قوى سياسية واجتماعية مختلفة في الحياة العامة.
وخلال سنوات الحرب، شهدت تعز خلافات ومناكفات بين ناشطين محسوبين على مكونات سياسية متعددة، انعكست أحيانًا على الخطاب العام، وأثارت تساؤلات بشأن قدرة القوى المختلفة على تقديم القضايا المشتركة على حساب صراعاتها البينية.
وفي ظل التطورات الحالية، برزت دعوات إلى توحيد الصفوف وتجاوز الخلافات البينية، وتحويل الشعور بالخطر المشترك إلى تنسيق عملي يتجاوز حدود التصريحات والمواقف المؤقتة.
وبالنسبة إلى كثير من أبناء المدينة، لا تميز المعاناة المعيشية بين الانتماءات السياسية حين يتعلق الأمر بصعوبة الحصول على الغذاء والدواء والوقود، أو بالعجز عن تأمين الاحتياجات اليومية.
وبحسب تقديرات إعلامية لصحيفة "النداء"، تراجعت حدة المناكفات بين ناشطين حزبيين بنحو 91% منذ اندلاع المعارك الأخيرة، في مؤشر على تراجع السجالات البينية وتقدم القضايا المشتركة في ظل التطورات التي تشهدها المحافظة.
كما أن تراجع المناكفات في الخطاب العام لا يعني بالضرورة انتهاء الخلافات السياسية أو تجاوز أسبابها، فقد تتراجع حدة السجالات في لحظات الخطر، من دون أن ينعكس ذلك تلقائيًا على مستوى التنسيق والعمل المشترك.



