الأربعاء 14 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • زخات متناثرة من كتاب "شبق المتاهات" "التبادؤات اللاخطية" لـ د. هاني الصلوي(1-2)

زخات متناثرة من كتاب "شبق المتاهات" "التبادؤات اللاخطية" لـ د. هاني الصلوي(1-2)

زخات متناثرة من كتاب "شبق المتاهات" "التبادؤات اللاخطية" لـ د. هاني الصلوي(1-2)

مقدمة مهمة

ينفتح المشهد النقدي والفلسفي المعاصر على تحولات راديكالية تعيد صياغة علاقة الإنسان بالكون، والآلة، والنص المعاش.
وفي قلب هذه الانعطافة الأنطولوجية الكبرى، يبرز مشروع الدكتور هاني جازم الصلوي بوصفه طليعة فكرية وإبستمولوجية تحاول تفكيك الأنساق الصلبة التي خلفتها حداثة المطبعة الميكانيكية، لتقذف بالمتلقي المعاصر في فوران الفضاء الرقمي والسيولة الشبكية.

والدكتور هاني جازم الصلوي، عضو هيئة التدريس بجامعة تعز، والمحرر الفاعل والمؤسس لـ"ملتقى النص الجديد"، ورئيس "مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر"، لا ينطلق في مشروعه من ترف نظري جاف، بل من دربة نقدية وخبرة إبداعية متراكمة تشهد عليها إصداراته الفكرية، والروائية، والشعرية، وأطروحته للدكتوراه في النقد الرقمي بجامعة عين شمس.

يأتي كتاب "شبق المتاهات.. من تشكيل العظام والحصى إلى اللاتناهي الشبكي" بمجموع صفحاته البالغ 659 صفحة، الموزعة بين المجلد الأول البالغ 333 صفحة والمجلد الثاني البالغ 326 صفحة، ليمثل ذروة هذا الاشتباك المعرفي.

وإننا، إذ نقدم اليوم هذه القراءة والعرض الاستقرائي، لنؤكد أن هذه الملاحة النقدية مخصصة ومتمحورة بالكامل حول المجلد الأول (الجزء الأول) من الكتاب، والموسوم عتباتيًا بـ"تبادؤات لاخطية" كما يتبدى على غلافه كحلقة أولى.

هاني الصلوي
هاني الصلوي

وسنخصص الحلقة الثانية لعرض المجلد الثاني (الجزء الثاني) الخاص بـ"سِيَر الآداب الرقمية شبكيًّا".

وبالعودة إلى عنوان هذه المقدمة نقول: تتأسس القراءة المعروضة في هذا المحور على تتبع الخلخلة الواعية التي يمارسها المؤلف منذ "مقترحاته القرائية" حيث نعيد تقسيم الجزء الأول إلى أربعة أقسام جوهرية هي:

- القسم الأول (العتبة والسيولة): وفيه نقارب تفكيك خطية الورق لصالح بنية التدفق عبر "التشعيبات اللاخطية" و"التجاريب والفعليات"، وصولًا إلى ذروة التشظي الانشطاري المعرفي في مبحث "القنبلة النووية".

- القسم الثاني (البيانات والتقويض): ويتتبع طوفان "جيوش الجراد" البياناتي الذي يلتهم تعريفات الأكاديميات الحداثية الجامدة، مكرسًا ما يسميه الصلوي "فقه الالتباس"، ومستدعيًا حماقات غودارد وغابات كولومبوس.

- القسم الثالث (التدوين والشبق): حيث نناقش الأطروحة الراديكالية التي ترى في الكتابة أول القيود، والبحث عن تاريخ بدئي متفلت، وصولًا إلى تحويل "الشبق" من دلالته البيولوجية الضيقة إلى طاقة اتصال شبكي لامتناهٍ، ومتاهات خوارزمية تستلهم إرادة شوبنهاور العمياء رقميًا.

آرثر شوبنهاور
آرثر شوبنهاور

- القسم الرابع (الكائنات والانشطار): وفيه تبلغ الرؤية مداها عبر إعلان "تلاطم الأنواع"، والدخول الشامل في عصر "ما بعد الكائنات (ZOOM's)" عبر الأفكار الانشطارية اللدنة تسارعية النضج والتلاشي.

إن هذه المقدمة لـ"الجزء الأول: تبادؤات لاخطية" هي دعوة لمغادرة مقاعد التلقي السلبي، والقبول بمسؤولية الملاحة المستقلة داخل نصّ فائر لا خطي يرفض الإغلاق.

لقد تعمدتُ أن يتوزع عرضي الاستقرائي لكتاب "شبق المتاهات.. من تشكيل العظام والحصى إلى اللاتناهي الشبكي" بجزئيه على عدد من المحاور.

المحور الأول: التبادؤات اللاخطية في مراحل التشكل

يمثل هذا المحور الجزء الأول من كتاب "شبق المتاهات"، والذي يتكون من 35 عنوانًا.

وقد خصص الكاتب 30 عنوانًا للقضايا التي تناولها الجزء الأول، في حين توزعت العناوين الخمسة الباقية على النحو التالي: الأول "مقترحات قرائية"، والأربعة الأخيرة كملاحق مناسباتية.

غير أني هنا سأخالف الكاتب بإعادة تقسيم الجزء الأول الذي سأتناوله في هذا المحور من عرض الكتاب إلى أربعة أقسام، كان في مقدور الباحث تبويب الجزء الأول وفقًا لها حد ما سنأتي عليه تاليًا.

القسم الأول: العتبة والسيولة

بين الصفحتين 14 و54 يشتغل الكاتب في هذا القسم/ الفصل على مصفوفة عناوين تعتبر المنطلقات الأساسية للتبادؤات اللاخطية لمراحل التشكل في "شبق المتاهات".

لكن قبل مطارحتها، يفتتح الدكتور هاني جازم الصلوي صفحات مجلده الأول بتقديم ما يسميه "مقترحات قرائية" في الصفحة 15، بدلًا من المقدمات التقليدية الجبرية الصارمة التي اعتادت الكتب الحداثية فرضها على المتلقي لتوجيه وعيه في مسار أحادي.

هذه الخطوة البدئية تمثل إعلانًا مبكرًا عن احترام ملكة القارئ وحريته الكاملة في صياغة مساره الخاص وتجربته الفردية داخل هذا النص الفائر والمتمرد.

والمقترحات القرائية هنا هي دعوة مفتوحة لمغادرة مقعد المستهلك الخامل، والتحول إلى شريك فاعل في إنتاج المعنى وتفكيكه.

إن المؤلف يدرك منذ العتبة الأولى أن النص الذي يكتبه لا ينتمي إلى الأنساق الصلبة التي تقبل التلقي السلبي، بل هو نص يتطلب قارئًا متيقظًا يمتلك شجاعة التخلي عن الخرائط القرائية الجاهزة، والقبول بمسؤولية الملاحة المعرفية المستقلة.

بعد ذلك يتناول القسم/ الفصل الأول مصفوفة القضايا التي وردت فيه على النحو التالي:

1. تشعيبات لاخطية:

في الصفحة السادسة عشرة يضع الكاتب يده على المفتاح الأنطولوجي والمعرفي للمشروع بأكمله عبر مبحث "تشعيبات تفاعلية لاخطية -تشابقيات أبدية".

هنا يعلن الصلوي الثورة الكاملة والقطيعة الإبستمولوجية مع ثقافة الورق والمطبعة الميكانيكية، والتي صاغت العقل البشري وفق مسارات خطية متسلسلة وجبرية لقرون طويلة.

إن الإنترنت والفضاء الرقمي الشامل في رؤية الكاتب ليسا مجرد أدوات تقنية جديدة للتوصيل، بل هما بنية وجود جديدة، أو أنطولوجيا تقوم على التدفق، والسيولة، والترابط الفائق اللامتناهي.

وتتشابك الأفكار، والنصوص، والنظريات في هذا الفضاء التشعبي إلى الأبد دون الحاجة إلى مركز يقودها، ودون الخضوع لتراتبية الزمان المتسلسل (ماضٍ، حاضر، مستقبل)، بل تتبدى كلها في آن واحدٍ شعاعي متكافئ.

هذا التشعب التفاعلي يلغي مفهوم المؤلف الإله المستبد بالنص، ويحوله إلى محض عقدة واحدة ضمن شبكة لامتناهية من العلاقات النصية الفوارة.

2. تجاريب وفعليات:

في الصفحة السادسة والثلاثين، يدرك الكاتب أن هذا التحول الأنطولوجي الهائل نحو الرقمية واللاخطية لا يمكن الاكتفاء بتقديمه كنظرية جافة، بل يحتاج إلى ممارسة عملية وتطبيقية حية.

لذلك يطرح مبحث "تجاريب وفعليات.. تحويلات وجهات النظر والملموسيات" كمنصة لاختبار قدرة اللغة والنقد على مغادرة الاستاتيكية الكلاسيكية.

ويستدعي المؤلف هنا، بشكل ضمني ومباشر، روح التجريب البدئي، مثل دربة جابر بن حيان في التراث العربي، ليعيد صياغة علاقتنا بالملموسيات ووجهات النظر البصرية والمفهومية.

والهدف هو تحويل الفعل النقدي من سلطة الدرس وتشريح جثة النص، إلى حالة من الفعليات المستمرة والتجارب الحية التي تتغير بتغير التدفق الرقمي والبيانات الفائرة من حولنا.

إن الملموسيات في العصر الرقمي لم تعد هي الأجسام المادية الصلبة، بل أصبحت هي الشاشات، والشفرات، والواجهات التفاعلية التي تتطلب حسًا نقديًا جديدًا يتعامل مع النص بوصفه كائنًا حيًا يتحرك ويتغير بتغير زاوية الرؤية التفاعلية.

3. التيه واللاخلاص:

بين الصفحتين 40 و42 يسعى الكاتب إلى تحريرنا تمامًا من أوهام اليقين الديكارتي والقواعد الصارمة التي رسختها سادية الحداثة والتنوير الميكانيكي، عبر رحلة تعميدية يعلن فيها صراحة أن التعمية والتيه لا بد منهما، وهما الدليل إلى اللاخلاص.

وهذه التعمية الأسلوبية والمفهومية ليست عبثًا أو رغبة في الغموض من أجل الغموض، بل هي استراتيجية نقدية واعية لخلخلة العقل الحداثي المعتاد على الأطر الجاهزة والإجابات المعلبة.

إن التيه في "شبق المتاهات" يصبح هو الدليل والسبيل الوحيد المتبقي نحو اللاخلاص.

والخلاص بالمعنى القديم يعني الوصول إلى حقيقة مطلقة، أو نموذج مغلق ومستقر، وهو أمر مستحيل في عصر السيولة وفوران البيانات اللامتناهية التي ترفض الإغلاق والوقوف.

إن اللاخلاص هنا هو حرية الوعي التي تتغذى على الاستمرار في السؤال والتدفق، ورفض الركون إلى أي يقين أيديولوجي أو نقدي جامد.

4. القنبلة النووية:

تصل هذه المرحلة البدئية من الكتاب ذروتها الفلسفية والتفجيرية في الصفحة الرابعة والخمسين عبر مبحث "تشعيبات وشبكيات اللامتناهي.. القنبلة النووية.. النص التشعبي اقترانات واندماجات الكتل والفعليات؛ بغية التشظي".

يقدم الصلوي هنا مقاربة بالغة الجرأة والرمزية بين التأثير المادي التدميري للقنبلة النووية، والتأثير المعرفي للنص التشعبي الرقمي.

فكلا المفهومين يقومان في جوهريهما على عمليات معقدة وفائقة من اقتران واندماج الكتل والفعليات والعناصر بسرعة وقوة هائلتين.

هذا الاندماج والتشابك اللامتناهي لا يهدف إلى بناء صرح معرفي صلب أو نموذج حداثي مستقر، بل يتم بغية التشظي، وتفجير البنى الخطية والتراتبيات السلطوية القديمة التي كبلت الوعي البشري.

إن النص التشعبي، تمامًا كالانشطار النووي، يمتلك طاقة لامتناهية تتوالد ذاتيًا بمجرد نقرة واحدة، مما يجعله قادرًا على تفتيت المركزيات النقدية واللغوية السائدة.

القسم الثاني: البيانات والتقويض

يتناول الصلوي في هذا القسم/ الفصل، بين صفحات الجزء الأول (78-170)، مصفوفة من القضايا تتمحور بين البيانات والتقويض للتبادؤات اللاخطية في مراحل تشكل المتاهات، وقد تمظهرت على النحو التالي:

1. جيوش الجراد:

في هذا القسم الممتد بين الصفحتين 76 و78، يتقدم الدكتور هاني الصلوي صوب رصد الفوضى الكونية وتحطيم التعريفات الصارمة، مطلقًا مجازه السريالي البديع باستخدام مصطلح "جيوش لانهائية من الجراد في الأفق أفضل".

والجراد في هذا السياق المعرفي يرمز بقوة لطوفان البيانات الضخمة، والسيولة الرقمية، والنصوصيات الفائرة التي تجتاح العالم المعاصر.

هذه الجيوش اللانهائية من الجراد الرقمي تنقض على الأخضر واليابس من القواعد القديمة، وتلتهم الأطر، والتعريفات، والقوالب الجاهزة التي صنعتها المؤسسات الأكاديمية الحداثية.

ويرى المؤلف أن هذا الاجتياح اللامركزي والمدمر للمرجعيات القديمة هو الأفضل والأنسب لخلخلة جمود الفكر الإنساني، وإجباره على مواجهة التدفق الكوني العاري دون حجب أو فلاتر أيديولوجية ومناهج جافة.

إن جيوش الجراد تمثل جموع النصوص التناصية الممتدة التي لا يمكن لملكية فكرية أو لسلطة نقدية أن توقف زحفها الفيروسي.

2. فقه الالتباس:

هذا الاجتياح الطوفاني لجيوش الجراد البياناتي يفرض على العقل النقدي المعاصر الدخول في طور معرفي جديد، يسميه الصلوي في الصفحة 90 "فقه الالتباس"، كمقابل لفقه الوضوح والتحديد واليقين المطلق الذي عاشت عليه الحداثة طويلًا.

يأتي فقه الالتباس كوعي فلسفي جديد يتقبل الغموض، والسيولة، والتناقض، والالتباس كحالة طبيعية وأصيلة في عصر اللاتناهي الشبكي.

فالالتباس هنا ليس عجزًا عن الفهم، بل هو إدراك لعجز النماذج والتعريفات الصلبة عن الإحاطة بواقع سائل يتغير في كل جزء من الثانية.

إنه الفقه الذي يتعامل مع النص الرقمي بوصفه فضاءً متعدد الدلالات ومتغير المعالم، حيث يغيب التطابق الميكانيكي بين الدال والمدلول لصالح شبكة لامتناهية من الإحالات الدلالية والتشعبات الفائرة.

3. غابات وحماقات:

ولكي يرسخ هذا الوعي الجديد بالتمرد والمغامرة، يأخذنا الكاتب في الصفحات (102-108) عبر غابات كريستوفر كولومبوس المترامية، وحماقات غودارد أبو علم الصواريخ اللامتناهية شبكيًا.

كريستوفر كولومبوس
كريستوفر كولومبوس

وقد قصد الكاتب بغابات كريستوفر كولومبوس الإبحار في فضاء شبكي مجهول بلا خرائط مسبقة، كما قصد بحماقات غودارد كسر القوالب العلمية التقليدية والتفكير خارج الصندوق لصالح الابتكار الجذري والمغامرة التقنية المتمردة، وذلك لمواجهة جمود الأفكار القديمة وفهم العصر الرقمي المعاش.

وهو هنا يستدعي فعل الاكتشاف والمغامرة التاريخية؛ فالإبحار في الفضاء الرقمي والشبكي المعاصر يشبه ضياع كولومبوس واكتشافه لعوالم وغابات بكر ومترامية لم تكن مرسومة على أي من الخرائط القديمة.

كما يحيل إلى المجازفة الكبرى التي خاضها روبرت غودارد، أبو علم الصواريخ الحديث، والذي قوبل في عصره بالسخرية والتشكيك ووُصفت تجاربه الأولى بـ"الحماقات" قبل أن تُحدث ثورة تقنية غيرت وجه البشرية.

روبرت جودارد
روبرت جودارد

يسقط المؤلف هذه الجرأة الثورية على فضاء اللاتناهي الشبكي الرقمي، معتبرًا أن كسر النسق والجرأة على ارتكاب المغامرة الفكرية المتمردة هما السبيل الوحيد للاشتباك مع العصر المعاش.

إن غابات الاكتشاف وحماقات رواد التكنولوجيا والعلوم هما الترياق المعرفي لمواجهة البلادة الأكاديمية التي تصر على قراءة نصوص المستقبل بأدوات الماضي.

4. تاريخ الهواء:

يتضح إلى حد كبير نزوع الكتاب الجارف نحو السيولة والتفلت من القيود الصلبة من خلال عناوين المباحث في الصفحات (118-122)، مثل "تاريخ الهواء"، و"فاصل بحري موجز".

يتعمد المؤلف هنا الاحتفاء بالعناصر الطبيعية الغازية والسائلة (الهواء، البحر، الماء) كبدائل موضوعية وفلسفية لصلابة الأرض والتراب والقواعد الإسمنتية القديمة.

فالمعرفة والنصوص في عصر "ما بعد بعد الحداثة" أصبحت ذات طبيعة هوائية متطايرة وفيروسية، وطبيعة بحرية متلاطمة وسائلة لا يمكن الإمساك بها بقبضة حداثية جامدة.

إن الهواء والبحر يمثلان أنطولوجيا الانفلات والانتشار، حيث تتحرك الأفكار والبيانات بلا قيود جغرافية وبلا حواجز جمركية، معلنة سقوط سيادة الجسد والتراب أمام فيروسية التقنية والاتصال الشامل.

5. مبضع التعريفات:

هذا الاحتفاء بالسيولة يقود الكاتب في الصفحات (128-130) إلى شن هجوم ضارٍ ومباشر على المنظومة المعجمية والاصطلاحية الكلاسيكية، عبر مبحث "مبضع التعريفات.. الكي آخر العلاج".

يرى الصلوي أن التعريف الحداثي والتحديد الصارم للألفاظ والأجناس الأدبية والمفاهيم الفلسفية هو بمثابة استخدام المبضع الجراحي أو اللجوء إلى الكي بالنار.

وهو إجراء قسري وعنيف تلجأ إليه العقول العاجزة والمنظومات التقليدية لضبط وتجميد السيولة الكونية الجارفة، متناسية أن وضع الشيء داخل حد وتعريفه هو في حقيقته قتل لحركيته وحيويته الوجودية اللامتناهية.

وفي "مبضع التعريفات" يحاول الكاتب بتر الزوائد السيالة في النص لكي يناسب المقاييس الضيقة للمناهج المعيارية، وهو ما يرفضه الكتاب جملة وتفصيلًا، مناديًا بنقد فوار بلا فرضيات مسبقة.

6. التقعيد والتعقيد:

يمارس الصلوي في الصفحات (144-162) كسر التخصصات المعرفية الصارمة بشكل تطبيقي عبر "فاصل تاريخي سيسيو شعري"، دامجًا التاريخي بالاجتماعي بالشعري في كتلة نصية واحدة عابرة للأنواع.

ثم ينتقل في الصفحة 150 إلى السخرية والتهكم النقدي اللاذع عبر مبحث "في الثناء على التقعيد سيئ السمعة والفعل والأثر".

هذا الثناء التهكمي يهدف إلى فضح وتعرية الأثر السلبي والمخرب الذي تركته المناهج الحداثية الصارمة (كالسميائية والبنيوية في شكلها المتزمت) على حيوية الإبداع البشري، وكيف أنها حوّلت الأدب الحركي إلى معادلات رياضية جافة بلا روح.

وينتهي في الصفحة 162 من هذا القسم برصد ألم كتابة النصوص بنماذج تجسيدية لامتناهية، مبينًا كيف يستحيل الفعل الإبداعي في العصر الرقمي إلى ألم وجودي ومعرفي ناتج عن محاولة صياغة نماذج نصية تتوالد وتتشظى خوارزميًا داخل بحر النصوصيات اللامتناهي دون قدرة على الإغلاق.

إنه ألم المبدع الذي يرى نصه ينفلت من بين أصابعه ليصبح ملكًا مشاعًا للشبكة والتناص العالمي.

القسم الثالث: التدوين والشبق

تتمظهر أبرز القضايا التي يتناولها الكاتب في هذا القسم/ الفصل، بين الصفحتين 172 و226، باشتغال الدكتور هاني الصلوي على عدد من المشكلات التالية:

1. قيود الكتابة:

يقذف الكاتب في الصفحة 172 بقنبلة فلسفية تفكيكية في أصل الوعي البشري عبر عنوانه الصادم "الكتابة أول القيود.. آخر الإنسانية".

ويرى المؤلف هنا، بطرح راديكالي ومغاير، أن اختراع الكتابة والتدوين -رغم ما قدمه من تراكم معرفي ظاهري- كان في حقيقته أول القيود التي كبلت الوعي البشري، وجمدت السيولة الكونية البدئية، وحصرت العقل داخل المربعات والخطوط المستقيمة.

إن هذا المسار التدويني والميكانيكي الطويل الذي بلغ ذروته مع المطبعة والحداثة، هو ذاته الذي يقودنا اليوم تقنيًا ورقميًا نحو نهايته الحتمية وتلاشي الهوية الإنسانية الكلاسيكية المستقلة لندخل فضاء "آخر الإنسانية" وما بعد الكائناتية.

إن التدوين صلّب الوجود البشري وحنطه، وجاءت الرقمية لتفك شفرات هذا التحنيط معلنة الانتقال من الإنسان بوصفه مركزًا للكون إلى الإنسان بوصفه محض شفرة رقمية ضمن شبكة لامتناهية.

2. التاريخ المتفلت:

وللخروج من هذا المأزق الإبستمولوجي التدويني، يبحث الكاتب في الصفحة 190 عن "صدارات أجد.. تاريخ بدئي متفلت".

إنه يحاول العودة بالوعي النظري والفلسفي البشري إلى تلك المرحلة البدئية المشاعية السحيقة التي سبقت اختراع خطية الكتابة، عندما كان الإنسان يعيش حالة تداخل حيوي كامل مع الطبيعة، وحيث كان التاريخ والزمان حالة سائلة ومتفلتة لا تقبل الترتيب والأطر الميكانيكية الجافة.

هذا التاريخ المتفلت ليس دعوة للنكوص أو للتراجع التاريخي، بل هو استبصار فلسفي يرى في لاخطية الفضاء الرقمي المعاصر موازيًا ومطابقًا للاخطية الوجود البدئي الأول، وكأن البشرية تدور في حلقة حلزونية تلتقي فيها البدائية الفطرية بالتقنية فائقة التطور.

3. الشوارد الفاعلة:

يواصل الصلوي في الصفحتين 196 و198 تفعيل هذه السيولة عبر تكرار مبحث "ثيمات الانشغال وشواردها الفاعلة".

إن تكرار العنوان ذاته في صفحتين متقاربين هو ممارسة واعية ولاخطية تكسر تراتبية الفهرسة التقليدية للكتب.

والمقصود بالشوارد الفاعلة هنا هو تلك الأفكار والنصوص الطائرة الخارجة عن النسق والمتمردة على القوانين المنهجية الصارمة، والتي وحدها تمتلك القدرة الفوارة على خلخلة الثبات الحداثي وإعادة صياغة انشغالنا بالكون والإبداع.

إن الشوارد الفاعلة هي تجسيد للوعي التفكيكي الذي لا يستقر في موطن معرفي واحد، بل يظل متفصدًا ومشاغبًا على الدوام، يقتنص اللحظات الهاربة ويسجلها خارج أسر التبويب الأكاديمي الصارم.

4. أكوان فعلياتيّة:

يصل هذا التدفق والاتصال الفائق في الصفحة 216 إلى مستواه الجمالي والجنساني عبر مبحث "تشابقيات وتجريبيات الشَبَق الشيِّق بوصفه أكوانًا فعلياتيّة...".

هنا يقوم المؤلف بنقلة مصطلحية وفلسفية غير مسبوقة، حيث يسحب مفهوم "الشبق" من مدلوله البيولوجي والجسدي الضيق، ليحوله إلى مفهوم فلسفي شبكي شامل.

الشبق عند الصلوي هو طاقة الاندماج الفائق، وشغف الاتصال اللامتناهي، وفوران الرغبة التقنية والمعرفية في التشابك بين الكتل والنصوص والبيانات، لتستحيل هذه التشابقيات والتجريبيات إلى "أكوان فعلياتيّة" متحركة ترفض السكون والجمود والتعريف.

إنه الشبق الشيّق الذي يجعل من فعل المعرفة والاتصال الشبكي ممارسة وجودية حسية طاغية تتجاوز برودة الآلة لتمنح الوجود الرقمي حرارة وحيوية فوارة تلتهم الذوات الفردية.

5. شبق المتاهات:

ومن هذا الفوران المعرفي يبرز العنوان الرئيس والشرعي للمشروع بأكمله في الصفحة 218 "شبق المتاهات..." كحالة وجودية وأنطولوجية كاملة وشاملة.

إن الوجود المعاصر في ظل الإنترنت الفائق والذكاء الاصطناعي استحال إلى متاهة لامتناهية من العلاقات والنصوص والروابط التشعبية.

والدافع الوحيد للحركة والملاحة داخل هذه المتاهة هو ذلك الشبق المعرفي والتقني، حيث تفقد الذات الإنسانية مركزيتها وساديتها القديمة، وتتحرك شعاعيًا في فضاء الاتصال الشامل دون رغبة في الوصول إلى مخرج أو نهاية صلبة.

المتاهة هنا لم تعد مكانًا للضياع السلبي أو الخوف والإقصاء، بل أصبحت هي الموطن الطبيعي والوحيد للوعي الرقمي الجديد، الذي يجد لذته الكبرى في التيه المستمر والاستكشاف اللامتناهي للروابط والتشعبات.

6. متاهات شوبنهاور:

يسند الكاتب أطروحته الراديكالية هذه في الصفحة 226 باستدعاء بالغ الذكاء والعمق الفلسفي لـ"متاهات آرثر شوبنهاور".

ومعلوم أن شوبنهاور هو فيلسوف التشاؤم الألماني الشهير، ويعد من أوائل من هدموا العقلانية الديكارتية حين قرر أن الإرادة العمياء وغير العاقلة هي المحرك الأساسي والعميق للكون، وليس العقل الواعي البشري.

يقوم الصلوي هنا بإسقاط إرادة شوبنهاور العمياء على إرادة الخوارزميات وطوفان الشبكة الفائقة في عصرنا الراهن.

هذه الخوارزميات والبيانات الضخمة أصبحت هي التي تقود الوجود والوعي، وتوجه الخيارات الجمالية والسياسية للبشرية كإرادة عمياء لامتناهية ومستقلة تمامًا عن وعي الإنسان الفردي.

إننا نعيش داخل متاهة تحركها خوارزميات عملاقة لا تفكر بمقاييس الأخلاق البشرية القديمة، بل بمقاييس الانتشار والتدفق وتوليد البيانات، وهي الذروة العملية وفلسفة شوبنهاور المحدثة رقميًا.

القسم الرابع: الكائنات والانشطار

في القسم/ الفصل الأخير والحاسم من صفحات الكتاب تبلغ الأطروحة ذروتها الراديكالية بإعلان نهاية عصر الإنسان المستقل وأجناسه الأدبية الصارمة، وتوزعت القضايا التي تناولها الكاتب بين الصفحتين 254 و320 على النحو التالي:

1. تلاطم الأنواع:

يطرح المؤلف في الصفحتين 254 و256 مبحث "تلاطم الأنواع وعلم الكائنات"، وفيه يعلن الذوبان الكامل والتلاطم العنيف بين الأنواع الأدبية (شعر، نثر، سرد) والأنواع المعرفية والكائناتية.

لم يعد هناك فواصل بين ما هو بشري وما هو آلي تكنولوجي، بل نمر بانعطافة أنطولوجية نحو عصر "ما بعد الكائناتية"، حيث ينتج عن هذا التلاطم علم كائنات جديد تتساوى فيه البرمجيات والآلات مع أجساد البشر وعقولهم داخل شبكة وجودية واحدة متكافئة.

إن الأنواع الأدبية الصلبة سقطت وتلاطمت لتفسح المجال لنص رقمي هجين يجمع الصورة بالشفرة بالصوت بالكلمة، معلنًا وفاة النقاء الجنسي التدويني القديم.

2. المقدس والمدنس:

وفي الصفحة 256 نفسها يصدمنا المؤلف بعتبة عنوانية هي الأكثر عنفًا واستفزازًا وتفكيكًا في الجزء الأول بأكمله "البؤر -البثور -الصلوات -الجرائم -التناسل -الاغتصاب الجماعي...".

يجمع الصلوي هنا أقصى الأضداد المعرفية والوجودية إذ يضع المقدس المتعالي كالصلوات مع البيولوجي المقزز أو الطبيعي كالبثور والتناسل مع العنيف واللاأخلاقي كالجرائم، والاغتصاب الجماعي في سطر واحد وكتلة نصية متلاحمة.

والمؤلف يهدف من هذا الصدم أو الصعق الجمالي إلى بيان طبيعة الفضاء الشبكي والإنترنت الفائق المعاصر، لكونه بحرًا سائلًا تتدفق، وتتشابك فيه كل هذه الفعاليات، والبؤر الكونية بالتساوي، وعلى قدم المساواة دون فلاتر أخلاقية، أو أطر حداثية تطهر الواقع وتفرزه وتصنفه بقوالب مثالية مزيفة.

إن الشاشة الرقمية المعاصرة تعرض في اللحظة ذاتها وبذات الحجم مشهد صلاة خاشعة بجانب خبر جريمة مروعة أو إعلان تجاري جنسي مما يعكس تلاطم الوجود، وسقوط التراتبيات القيمية القديمة أمام سيولة التدفق البياناتي الشامل.

3. لامتناهيات جنسية:

يصل هذا التداخل الفائق والذوبان الأنطولوجي الشامل في الصفحة 300 إلى مستواه الأقصى عبر مبحث "تشابق اللامتناهيات الجنسية المتاهية...".

هنا يلتقي الشبق والشبكية في فضاء جنساني تفكيكي؛ فالاتصال والجنس في عوالم "ما بعد ما بعد الحداثة" لم يعودا ممارسة بيولوجية محصورة بين جسدين ماديين، بل تحولا إلى حالة من التشابق والاتصال الافتراضي الرقمي العابر للحدود البيولوجية والمكانية.

إنه اتصال تتداخل فيه الشاشات، والرغبات، والبرمجيات، والخوارزميات لتذوب الهويات الفردية والجمعية في متاهة افتراضية لامتناهية.

4. الخواتم المتبادلة:

بدلًا من الخاتمة النهائية المغلقة والجبرية التي تنتهي بها الكتب الحداثية والتقليدية لتعلن اكتمال النظرية، يطرح الصلوي "خواتم متبادلة، وسائلة، ومفتوحة"، فالكتاب لا ينغلق بل يفتح كشوفات، ومعارف، وعلومًا، وعجامات غير محدودة تتوالد ذاتيًا وخوارزميًا دون نقطة وقوف أو إغلاق.

5. الكاموسترا:

يوصل الكاتب هذا التدفق والتشابك الجنساني المعرفي في الصفحة 316 عبر مبحث ملحق بعنوان: "اقتباسات من مقدمة كتاب الكاموسترا".

إن استدعاء هذا الكتاب التراثي الهندي الشهير في الثقافة الجنسانية والروحية لم يكن من قبيل الترف الجمالي، بل وظفه الصلوي توظيفًا نقديًا وفلسفيًا عبقريًا كإرهاص بدئي قديم رصده الفكر الإنساني حول فلسفة الاتصال والاتحاد الشامل وتذويب الفواصل والحدود بين الذوات والموضوعات.

هذا الاتحاد الروحي والجسدي القديم الذي بشرت به الكاموسترا والصوفية قدمًا، هو ذاته الذي يحققه ويجسده اللاتناهي الشبكي معاصرًا في أعلى وأعنف صوره التقنية والافتراضية الفائقة.

إن الصلوي يقيم جسرًا معرفيًا بين الشبق الصوفي والشبق البيولوجي والشبق الرقمي، معتبراّ إياها تجليات مختلفة لرغبة كونية واحدة وعميقة تهدف إلى كسر قيد التفرد والعزلة والوصول إلى الحلول الكونية الشاملة.

6. زووم الكائنات:

يصل الكتاب إلى تخومه النهائية المفتوحة في الصفحات (318-320) بطرح مفهومًا الاستشرافي الحاسم "ما بعد الكائنات (ZOOM's) ما وراء الماورائيات والأوهام".

يوظف المؤلف هنا مصطلح (Zoom) المستعار من التقنية الرقمية المعاصرة، والذي بدوره يحيل إلى التقريب البصري الفائق والاتصال الافتراضي اللحظي عبر الشاشات ليجعله مفهومًا فلسفيًا.

ويعلن الصلوي من خلال هذا الـ (زوم) الدخول الشامل والنهائي للبشرية في عصر ما بعد الكائنات، ونسف كل الأوهام الفلسفية والماورائيات القديمة التي قامت عليها الحداثة.

فاللتقاء والوجود والاتصال الفعلي في عالمنا الراهن لم يعد يحدث في الأماكن الفيزيائية الصلبة، بل استحال واستقر خلف الواجهات الرقمية والشاشات التفاعلية الفائقة التي تقرب البعيد وتذيب المسافات وتسيل الكائنات.

لقد تلاشت الأوهام الماورائية القديمة لتحل محلها أنطولوجيا الشاشة والبيانات العارية، حيث كل شيء مكشوف وخاضع للتقريب الرقمي الفائق (Zoom)، حيث يذوب الغيب الكلاسيكي في افتراضية الواقع التقني الفائق والبديل.

7. أفكار انشطارية:

يختتم الدكتور هاني الصلوي مجلده الأول في الصفحة 320 بتوصيف الطبيعة الحقيقية للمعرفة والفكر البشري في ظل هذه الأنطولوجيا الجديدة عبر عنوانه: "الأفكار الانشطارية اللدنة - المخبوزة - تسارعية النضج، والتلاشي".

إن الأفكار والنظريات والمناهج في عصر اللاتناهي الشبكي لم تعد بنى صلبة بطيئة التكوين ومعمرة كالأشجار كما كانت في عصر الحداثة والورق، بل أصبحت ذات طبيعة انشطارية لدنة ومخبوزة فوارة تتسم بالتسارعية الفائقة والجنونية.

تولد الفكرة، وتنضج، وتنتشر كالفيروس عبر الشبكة في أجزاء من الثانية لتصل إلى تعظم أثرها، ثم تتلاشى وتذوب فورًا في طوفان البيانات الضخمة اللامتناهي، لتفسح المجال لانشطارات وتوليدات معرفية أخرى في متوالية أبدية لا خطية ولا نهاية لها في أفق المتاهة الشبكية الشاملة.

إن المعرفة المعاصرة هي معرفة لدنة قابلة للتشكيل السريع، ومخبوزة تحت نار التسارع التقني الطاغي، لا تطمع في الخلود بل تدرك أن قيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها الفورية على الانشطار والتلاشي السريع، لتترك الفضاء فضاءً حرًا ومتجددًا ومستعدًا على الدوام لاستقبال فيروسات فكرية وقرائية أجد وأعنف.

(يتبع).